هل مقترح الاستفتاء على مشروع قناة إسطنبول هو الاختيار الصحيح

شهد مركز إسطنبول للمؤتمرات مؤخرا انعقاد ورشة عمل كبيرة، تألفت من ثماني جلسات، جرى خلالها مناقشة مشروع قناة إسطنبول بكافة جوانبه بتفصيل شديد؛ حيث قام علماء متخصصون بتقديم أطروحات تناولت الموضوع من جوانب عدة مثل السياسة الاقتصادية للمشروع والتخطيط المكاني والعمراني والنقل وحماية الموروث الثقافي والتأثير البيئي وأثره على الزراعة والمناخ ومصادر المياه في تلك المنطقة، وكذلك الإطار القانوني والأمني للمشروع والكوارث الطبيعية والزلازل التي قد يتسبب في حدوثها.

تبيَّن من نشرة ورشة العمل هذه أن القائمين على هذا العمل قاموا أيضا بدعوة الأسماء المؤيدة لفكرة المشروع والمعروفة بدفاعها الشديد عنه، ومع هذا، تخلف بعضهم عن الحضور. ووفقا للبيان، الذي ألقاه زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، في الجلسة الافتتاحية، فقد وُجهت الدعوة كذلك لأردوغان، ولكنه رفضها.

كان من الطبيعي أن تلقى ورشة عمل بهذا الحجم الكثير من الاهتمام من نواحي شتى؛ وهو الأمر الذي انعكس على جميع الجلسات التي اكتظت بالحاضرين، الذين ظلوا في حالة إنصات واهتمام شديدين لكل أطروحة تم مناقشتها في تلك الجلسات.

وإلى جانب كمال كليجدار أوغلو، شاركت في ورشة عمل كذلك زعيمة الحزب الصالح، ميرال أكشينار، وألقت بكلمة هي الأخرى، كما وُجهت الدعوة للرؤساء المشتركين لحزب الشعوب الديمقراطي، ولكنهم لم يتمكنوا من الحضور لانشغالهم ببرامج أخرى خاصة بحزبهم، وحضر نيابةً عنهم عدد من نواب البرلمان مثل أويا أرسوي وهدى كايا. وعلى الرغم من ذلك، فالحق يُقال، إن كليجدار أوغلو قد تجاهل تماما الدور الذي بذله حزب الشعوب الديمقراطي في سبيل فوز مرشح حزب الشعب الجمهوري في انتخابات إسطنبول ضد مرشح العدالة والتنمية، وأرجع الفضل في هذا كله إلى "تحالف الأمة" فقط.  

وفي حقيقة الأمر إن هذا الموضوع ينطوي على جانبين شائكين؛ أولهما، أن الجميع يعلمون تماما العلم إن حزب الشعوب الديمقراطي، ومن خلفه دميرطاش، قد لعبا دورا رئيسا في نجاح أكرم إمام أوغلو في الوصول إلى مقعد رئيس البلدية في إسطنبول؛ وهذا يعني أن النجاح، الذي تم تحقيقه، إنما تحقق بفضل تحالف فعلي بين الشعب والديمقراطية. الأمر الآخر، أن مسألة مشروع قناة إسطنبول قد تحوَّل إلى نوع من التصارع بين تحالفي "الأمة" و "الشعب". وهذا أيضا غير صحيح.  

وفي رأيي، يجب التفكير جديا في الدعوة التي وجهها إمام أوغلو وحزب الشعب الجمهوري من أجل إجراء استفتاء حول مشروع قناة إسطنبول؛ إذ يدافع إمام أوغلو بإصرار عن ضرورة أن يكون "القرار في يد الشعب" فيما يخص رفض أو تأييد تنفيذ هذا المشروع.      

من الواضح أن إمام أوغلو قد استند في رأيه هذا إلى ثقته في الحل الديمقراطي، الذي ينبغي أن يجنح إليه الجميع في مثل هذه القضايا الخلافية، وهذا أمر طبيعي لشخص مثل إمام أوغلو، دعا السلطة إلى مبارزة في صناديق الاقتراع في 31 مارس و 23 يونيو، ونجح، على الرغم من كافة الضغوط والمضايقات، التي تعرَّض لها من جانب حزب العدالة والتنمية، في الدفاع عن تصدره لنتائج الانتخابات حتى وصل إلى مقعد رئيس البلدية. وهذا قد يعني أيضًا أن أي "انتخابات مبكرة" ستُجرى في إسطنبول، سينظر إليها باعتبارها استعداد قوي من جانب حزب الشعب الجمهوري وحلفاؤه لـ "الانتخابات العامة" المقبلة. وهذه بالطبع مجرد سيناريوهات للمرحلة القادمة. 

ومع ذلك، فإن اقتراح الاستفتاء على مشروع قناة إسطنبول، لا يخلوا من النقائص والعيوب كذلك. 

أول هذه الأمور، أن المدافعين عن البيئية، يرفضون، من حيث المبدأ، فكرة إجراء استفتاء حول أي من القضايا المتعلقة بالطبيعة، ويعللون ذلك بأن ساكني هذه المنطقة من الذئاب والطير والشجر لا يملكون الحق في التصويت على هذا المشروع. لهذا السبب، قد لا يلقى اقتراح الاستفتاء قبولا لدى هؤلاء. ومع هذا فأنا لن أقف عند هذا المبدأ كثيرا؛ لأن اقتراح إجراء استفتاء ينطوي على جوانب نقاشية أخرى تتعلق بالناحية السياسية.

أعتقد أنه من الضروري هنا أيضا التذكير بأننا خضنا بالفعل من قبل معركة "ديمقراطية الصناديق" مع حزب العدالة والتنمية. وترقب الجميع نتائج صندوق الاقتراع معتبرا إياها مصدر الشرعية الوحيد، و"مظهر الديمقراطية" لدى السلطة. وبدا الأمر كما لو أن جميع الجهات الفاعلة على الساحة السياسية تشارك في "سباق" متكافئ الفرص، وأن جميع المواطنين أحرار ومتساوون في الحقوق الاقتصادية والسياسية مثل حرية تداول المعلومات والتعبير عن الرأي، وإمكانية المناقشة الحرة؛ لذلك لم تخضع مثل هذه الأمور للنقاش، وجرت الانتخابات، وانصرف اهتمام الجميع إلى متابعة النتائج، التي ستتمخض عنها صناديق الاقتراع.  

خضنا العديد من الانتخابات، التي نتج عنها اتخاذ خطوات حاسمة، خاصة فيما يتعلق ﺒ "انتخاب الرئيس عن طريق الاستفتاء" عام 2007 والتعديلات الدستورية عام 2010 والاستفتاء الذي أتاح رفع المادة رقم 15، التي تمنع التدخل في عمل القضاء ومحاكمة المتورطين في انقلاب 12 سبتمبر، وغيرها من الخطوات التي رسَّخت دعائم النظام الحالي.

لقد استخدمت السلطة الحالية "الصناديق" ضد المعارضة تحت زعم تحقيق الديمقراطية، ومع هذا لم تُتَح لنا الفرصة – في حالة الاستفتاءين المذكورين أعلاه- للتحدث أو مناقشة كيف اخترنا لأنفسنا بونابرت جديد، ولم يناقش أحد كيف شاركنا في بناء قصر سيأخذ مكان البرلمان، ولم نجد الفرصة كذلك لمناقشة كيفية التخلص من الدستور الذي تآمرت السلطة الحالية على وضعه بعد أحداث 12 سبتمبر، والسبب في هذا كله أننا للأسف افتقدنا بالفعل حرية التعبير عن الرأي.  

السؤال الآن، هل من الصواب أن نوجه هذا "السيف" صوب السلطة الحالية في المرحلة الراهنة؟

في الواقع، نحن نعلم يقينا أن معركة "ديمقراطية الصناديق" قد انتهت، وأن الحكومة قد طوت هذه الصفحة تماما، ولا تفكر في فتحها مرة أخرى في الوقت الراهن؛ ومن ثم يمكننا التخمين أن دعوة رئيس بلدية إسطنبول ﻟ "مبارزة صناديق" جديدة لن تلق قبولا من جانب حكومة العدالة والتنمية. كما أنني لا أعرف لماذا ينبغي أن نقصر موضوع الاستفتاء على مشروع قناة إسطنبول في جلسة واحدة تقرر مصيره، هل عجزت المعارضة عن أن تبحث لنفسها عن مصدر جديد للشرعية والقوة معا بعيدا عن "الصناديق"؟ ألا ينبغي عليها أن تبني هذا المصدر بنفسها؟ 

لقد أثار الحديث عن مشروع قناة إسطنبول ردة فعل تلقائية من جانب المواطن التركي بعد الذكرى السيئة التي علقت في ذهنه في أعقاب المجزرة، التي تعرضت لها غابات جبال "كاز" في إسطنبول؛ ومثلما توافد المواطنون على جبال "كاز" من كافة أنحاء تركيا للتعبير عن رفضهم للاعتداء على الطبيعة في هذا المكان، فقد ظهرت مؤشرات مماثلة أيضا عندما اصطف المواطنون في طوابير طويلة أمام الإدارات البيئية المحلية لتقديم احتجاجات على التأثير الضار الذي سيخلفه المشروع على الطبيعة.

ومهما كان الدافع لدى هؤلاء المواطنين، فإن الرغبة والإرادة في المشاركة في القرارات المتعلقة بهم وطرق التعبير عنها تُعد مؤشراً حقيقيا لكون هذا المجتمع ديمقراطي حقيقي. نعم، أليس هذا هو الموضوع الذي ظللنا نناقشه لسنوات، أو بتعبير أدق، أليس هو الموضوع الذي لم تتح لنا الفرصة لمناقشته، أليست هذه هي الديمقراطية الحقيقية، التي نبحث عنها؟  

ألا يعتبر حزب العدالة والتنمية الاقتصاد-السياسي مفهوما مرادفا لمفهوم "الديمقراطية"؟ ألا يوجد تناقضا واضحا هنا بين مفهوم الاقتصاد-السياسي المعادي للبيئة ومفهوم الديمقراطية؟  ولكن ما سيحدث هو أن حزب العدالة والتنمية سيقوم بإدخال تعديلات جذرية على قانوني المناقصات والاشتراطات البيئية لتمرير هذا المشروع. ويجدر بالذكر هنا أن تنظيم المناقصات العامة جرى تغييره 186 مرة خلال 16 عامًا. أما التغييرات الخاصة بقانون البيئة، فلا يمكن حصرها. وفوق هذا وذاك، فإن هم أردوغان الأول هو أن يُقال أنه نجح في شيء. 

تفكر الحكومة الحالية بمنطق "كيف تستغل الطبيعة في تحصيل الأموال"، وهم في ذلك لا يهتمون بإهدار المياه أو الاعتداء على الأراضي الزراعية في سبيل البحث عن المعادن الموجودة تحت غابة من الغابات؛ فلم يكتفوا ببناء محطة واحدة لتوليد الطاقة الكهرومائية في كل وادي، واقترحوا بناء العشرات منها؛ رأوا الأشجار كثيرة، وقالوا لأنفسهم لنقطع أشجار الغابات ونستخرج المعادن، ونزرع الشتلات بديلا عنها؛ الطيور أيضا غيرت مسارات هجرتها بسبب الانبعاثات المتصاعدة؛ فنحن ندخن والمحطات الحرارية تدخن، ولدى كل منا غاز طبيعي في بيته، ثم يأتون ويقولون سنبني محطات نووية في "أق كويو". لقد ضاقت الأرض بالمواطن التركي ولم يعد يجد مكانا يمكن أن يذهب إليه بسيارته. قالوا لنملأ سواحل البحر الأسود بالصخور، ونربطها بالمساحات الخضراء، دعونا نحرق الغابات، ونملأ الخلجان، ونشيد المرافق السياحية... لقد اضطر أردوغان نفسه بعد كل هذه الإجراءات غير المحسوبة، التي اتخذها حزب العدالة والتنمية طوال عشرين عاما، إلى القول "لقد خُنا إسطنبول"، "لقد خُنا آيدَر"، وفي المقابل عندما حاول بعض الشباب الاعتراض على قطع "ثلاث أو خمس أشجار"، قال عنهم إنهم "خونة"، وألقوا بهم جميعا في السجون.

هل يمكننا أن نفتح الباب أمام مستقبل أكثر إشراقا لتركيا دون مناقشة مستفيضة لنظام الاقتصاد-السياسي، الذي يتبعه حزب العدالة والتنمية، الذي يجسم فوق صدورنا اليوم، ومناقشة المنطق الذي يستمد منه الدعم المجتمعي؟ هل سنخرج من هذا الظلام بمجرد تغيير الأشخاص الذين يجلسون فوق مقعد السلطة؟ هل يمكننا الاستعانة بوسائل مثل الشعوبية والقيادة (الكاريزمية) التي تحظى بقبول من الشعب في سبيل إقامة الديمقراطية الحقيقية؟ 

قد لا تبدأ الحكومة مشروع قناة إسطنبول على الإطلاق، وقد لا تتاح لها الفرصة أو المجال للبدء كذلك، ولكن يبقى القول إن الأسلوب الذي تتبعه المعارضة في عملها هو الذي سيحدد بكل إخلاص ماهية وأطر الديمقراطية التي تريدها المعارضة بالفعل، وسيضع يدها على المبادئ الحقيقية لهذا الديمقراطية؛ لهذا السبب أعطوا الفرصة للحركة الشعبية المناهضة لهذا المشروع للتشكل والاتساع، دعونا ننظم مئات من ورش العمل المشابهة، ونتحدث فيها عن مساوئ هذا المشروع كي نحيط المواطنين علما بما يجري، ونتصدى لعقلية حزب العدالة والتنمية.

________________________________________

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kanal-istanbul/kanal-projesi-icin-referandum-dogru-yol-mu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.