أحوال تركية
أغسطس 06 2019

هل نجحت روسيا بإبعاد تركيا عن الغرب؟

هل تمكّنت روسيا من إحداث شرخ كبير في العلاقات التاريخية التي تربط تركيا بشركائها الغربيين؟ هل نجحت بإبعاد تركيا عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من خلال إعلانها الدعم لأردوغان فيما يتعلق بالتسلح والتنقيب شرق المتوسط؟ هل حقّق بوتين الذي يعوّل كثيرا على دعم تركيا لدفعها للابتعاد بشكل نهائي واستراتيجي عن علاقاتها الأطلسية التاريخية القديمة ما يصبو إليه؟ هلّ عمّقت موسكو جراح أنقرة أم أنّها خفّفت عنها محنتها مع الغرب؟

تعمل روسيا على تذكية الصراعات المتفاقمة بين تركيا من جهة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وذلك في سياق سعيها لتوسيع الفجوة بين الطرفين، ودعم تركيا في مواقفها المتشددة تجاه الغرب، وتعزيز مطامحها بالتسلح والتكنولوجيا النووية، ناهيك عن استغلال الملفات الشائكة العالقة بينهما، والعمل على تغذية عوامل الشقاق لتوسيع رقعة الخلافات بينهما.

وأدت العلاقات التركية الوثيقة مع موسكو إلى امتلاك تركيا لأنظمة الدفاع الصاروخي إس-400 الروسية الصنع في صفقة 2017 التي بدأت تؤتي ثمارها هذا العام، بعد أن تسلمت أنقرة الأجزاء الأولى من شحنة إس-400. ويُنظر إلى الصفقة على أنها مثال صارخ على انجراف تركيا بعيدًا عن حلفائها في الناتو، الذين يعتبرون وجود نظام روسي على الأراضي الحليفة بمثابة خرق أمني كبير محتمل.

وأكد الرئيس رجب طيب أردوغان، الثلاثاء، أن شراء تركيا منظومة إس-400 الدفاعية الصاروخية لم يكن خيارا استراتيجيا بل تجاريا بحتا. واعتبر أن أمن تركيا هو بمثابة أمن حلف شمال الأطلسي والمنطقة برمتها. وأكد أنه لا يوجد أي دليل ملموس على أن منظومة إس-400 ستضر بحلف الناتو وبمقاتلات إف-35. وأردف إن تحويل مسألة شراء تركيا منظومة الدفاع الجوية إلى أزمة، في الوقت الذي لا تشكل شراء البلدان الأخرى للمنظومة ذاتها مشكلة تذكر، أمر لا نراه ينمّ عن حسن نية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة العرب اللندنية، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يراهن على توسيع دائرة الخلاف بين تركيا وحلفائها التقليديين سواء الاتحاد الأوروبي كعمق اقتصادي أو حلف الأطلسي كعمق عسكري، وهو ما يرهن الرئيس التركي إلى موسكو التي باتت تسحبه بشكل سريع إلى صفها ليكون ورقة في صراعها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

ويسعى بوتين إلى إنجاح هذا التكتيك الروسي، الذي يضع كأولوية له توسيع الانشقاق التركي عن التحالفات الغربية التقليدية إلى أبعد مدى، من خلال إطلاق مواقف داعمة لأردوغان في قلب الأزمات التي تحيط به من كل ناحية، وآخرها التصعيد في الساحل الشرقي للمتوسط ومحاولة أنقرة التنقيب بالقوة عن الغاز والنفط لتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع اليونان والاتحاد الأوروبي، فضلا عن قبرص ومصر وإسرائيل.

الصفقة تضع روساتوم في السيطرة الكاملة على المصنع
الصفقة تضع روساتوم في السيطرة الكاملة على المصنع

وبادرت موسكو إلى إعلان دعمها لحق تركيا في التنقيب في موقف مثير خاصة أنه يناقض الحلف غير المعلن للأرثوذكسية الشرقية بين روسيا واليونان. وأبدت روسيا استعدادها لمرافقة تركيا في التنقيب عن مصادر الطاقة التقليدية في المياه الإقليمية، الواقعة شرق البحر المتوسط. ويعتبر الموقف الروسي تدخلا واضحا في السجال الذي اندلع بين تركيا والاتحاد الأوروبي حول أنشطة التنقيب التي تقودها تركيا في المنطقة.

ويلفت الصحفي بورزو دراغي في مقال بصحيفة الإندبندنت البريطانية اليومية، إن انحراف تركيا عن شركائها الغربيين لصالح روسيا تدعمه استراتيجية موسكو المتمثلة في تحويل القوة الاقتصادية إلى نفوذ سياسي وميزة استراتيجية. وقد أتاح هذا الفرصة لموسكو لتشغيل ميناء على ساحل البحر المتوسط ​​التركي بفضل دبلوماسية الطاقة الداهية.

وتحقق تقدم مهم للمصالح الروسية في عام 2010 عندما فازت شركة الطاقة النووية روساتوم بمحاولة بناء أول محطة نووية لتركيا في أكويو، جنوب تركيا. وأتاحت الصفقة الأصلية لشركة روساتوم وشريكها التركي بناء المصانع والمستودعات والمؤسسات التجارية والمباني الإدارية والمباني الأخرى في الموقع. لكن البناء توقف، حتى عادت أنقرة بشروط جديدة. وقال إن الصفقة الجديدة تضع روساتوم في السيطرة الكاملة على المصنع، وتسمح لها ببناء وتشغيل الموانئ والمحطات البحرية.

ويرى خبراء في الشؤون الروسية أن الرئيس الروسي يتطلع إلى توفير الدعم السياسي لتركيا وجعلها مشكلة استراتيجية حقيقية بالنسبة للاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي. ويربط محللون ما بين موقف بوتين في شأن طموحات تركيا في مجال الطاقة في شرقي المتوسط وتفاهمات يسعى إليها مع أردوغان في سوريا لاسيما في منطقة إدلب. ويضيف هؤلاء أن موافقة العواصم الكبرى لأي تسوية تتعلق بسوريا بما في ذلك تمويل إعادة الإعمار بات يحتاج إلى تعديل موازين القوى الدولية في كل المنطقة، وأن دعم روسيا لتركيا في مجال الطاقة يوسع من نفوذ روسيا ويعيد توزيع المشهد الدولي في المنطقة.

وتعاونت روسيا عن كثب مع تركيا في النزاع السوري، على الرغم من أن كلّاً منهما يدعم طرفاً من أطراف الحرب السورية، وتشاركت معها في محادثات أستانة للسلام، التي تُدار كبديل للمفاوضات المتوقفة التي أقرتها الأمم المتحدة، ووقعت معها العام الماضي اتفاق سوتشي لمنع هجوم النظام السوري على إدلب، آخر معقل للمعارضة.

وقال الرئيس التركي الأحد إن تركيا ستقوم بعملية عسكرية في منطقة خاضعة للأكراد شرقي نهر الفرات بشمال سوريا، وأكّد أنه أبلغ روسيا والولايات المتحدة بالعملية لكنه لم يكشف عن موعد انطلاقها. ويمكن فهم عدم التعليق الروسي على الأمر بأنه بمثابة ضوء أخضر لحثّ تركيا على التوغلّ شرق الفرات، والإيقاع بينها وبين واشنطن التي تدعم المقاتلين الأكراد هناك.