هل قامت حكومة أردوغان فعلا بدراسة جدوى لمشروع قناة إسطنبول؟

 

من البديهي أن يسبق تنفيذ أي مشروع إعداد دراسة جدوى عنه. وفي رأيي، إنه من الصعب جداً تصديق أن مثل هذه الدراسة قد أجريت قبل الإعلان عن مشروع قناة إسطنبول. وحتى إذا زعمت الحكومة التركية قيامها بهذا الأمر، فمن المؤكد أن دراسة كهذه لن تكون موثوقاً بها بدرجة كافية.
إنّ دراسة الجدوى هي دراسة مفصلة تتضمن تقييما دقيقا لجدوى فكرة أي مشروع استثماري، وهل هو مشروع عملي، سيعود بالنفع أم لا؟ لتخرج في النهاية بتقرير متعدد الأبعاد مهم للغاية؛ إذ إنه يضطلع ببحث الجوانب التقنية والمالية والبيئية والقانونية والاقتصادية وغيرها من الجوانب المهمة الأخرى للمشروع وتقييمها.
وينطوي حساب العائد الاقتصادي للمشروع على المدى البعيد على عدد من الجوانب؛ يأتي على رأسها حساب تكلفة المشروع، والدخل الذي سيدره هذ المشروع على المدى الطويل؛ فعلى سبيل المثال، ليس من السهل التكهن بقيمة الدخل الذي ستدره الأراضي، التي ستزداد قيمتها؛ نظراً لوقوعها في نطاق منطقة القناة، ولكن على أقل تقدير يمكن حساب ذلك عن طريق التخمين فقط؛ لأن هذه الحسابات لا بد أن تنطوي على نسبة مخاطرة توضع لها تقديرات مختلفة أيضاً.
ومع ذلك، فإن أهم دخل سيمكن تحصيله من مشروع القناة هو بالطبع الإيرادات، التي ستحصل عليها الحكومة، مقابل السماح بعبور السفن والناقلات من هنا. وهو أمر يستحيل، في الوقت الراهن، حسابه كذلك، بل ولا يمكن حتى وضع نسبا تقديرية له. وسبب هذا بسيط للغاية؛ حيث يرتبط الدخل، الذي سيتم تحصيله، ارتباطاً مباشرًا، من الناحية النظرية، بعدد السفن، التي ستعبر القناة، والمقابل المادي، الذي ستدفعه تلك السفن. والواقع أنه من السهولة بمكان تخمين هذين الأمرين بالنسبة للسفن، التي تعبر مضيق البوسفور حالياً، بل في المستقبل كذلك؛ وبالتالي يمكن وضع رقم تقريبي لعدد تلك السفن، والرسوم التي ستدفعها وفقاً لحمولتها.
ومع ذلك، فإن بنود اتفاقية مونترو قد تعرقل جميع هذه الحسابات، خاصة وأننا نجهل عدد السفن، التي تمر من البوسفور، وأحجامها في الوقت الحالي، بل ويصعب حسابها كذلك. 
تنص الاتفاقية الموقعة من إحدى عشرة دولة في عام 1936 صراحة على ما يلي: 
1    "ضمان حرية عبور السفن من المضيق، بغض النظر عن حمولتها، دون إخضاعها لأي إجراء أو تفتيش"، كما يحظر على تركيا تحصيل أية "ضرائب أو رسوم" نظير عبور تلك السفن. ويُسمح فقط لتركيا بتوفير مرشد للسفن العابرة، حال طلب تلك السفن. (المادة 1 و2) (يتضمن الملحق رقم 1 تحديد بعض الرسوم التي يمكن تحصيلها مقابل ذلك).
2    لا يجوز، في حالة إجراء أي تعديل على المادة رقم (1)، التي تضمن حرية عبور السفن من المضيق، تغيير عبارة "فترة غير محدودة"، التي تتضمنها هذه المادة، أو حذفها. (المادة 28).
3    تناولت اتفاقية مونترو بالتفصيل الحالات، التي يجوز فيها إجراء تغيير أو تعديل على أيّ من مواد الاتفاقية، وذكرت صراحة أن القيام بأمر كهذا لا بد أن يسبقه عقد مؤتمر جديد يتم من خلاله التصويت على القرار النهائي، الذي سيخرج به هذا المؤتمر. (المادة 29).
4    خلاصة الأمر، لقد صيغت اتفاقية المضائق بشكل يمنع تركيا من وضع شرط جديد بخصوص تحصيل رسوم من تلك السفن؛ وبالتالي أجد أنه من المستحيل، في ظل الشروط الحالية، تقدير عدد السفن، التي ستمر من القناة. من ناحية أخرى، سيعد إجبار السفن على اتخاذ طريق بعينه للمرور، أو فرض رسوم عليها، انتهاكًا قانونياً جسيماً لبنود تلك الاتفاقية؛ لذلك، يستحيل حساب عدد السفن، التي ستختار العبور من القناة، في ظل وجود معبر مائي مجاني.
5    وعلى فرض أن دراسة الجدوى قد تضمنت أرقاماً "تخمينية" لعدد تلك السفن، فلا شك أن هذه الفرضية تنطوي على مجازفة شديدة للغاية؛ إذ ليس من الصواب المقامرة بمليارات الدولارات في استثمار مبني على "تخمينات"، دون التأكد من قرار الدول، التي تستخدم المعابر المائية في هذه المنطقة بكثرة، أو على الأقل استطلاع رأي الدول المعنية باتفاقية مونترو في هذا الصدد.
6    ولا بد أن يسبق الحديث عن الاستثمارات القيام بدراسة جدوى جادة. وفي رأيي، إن التذرع بأن التفكير في الدخل بعد الانتهاء من المشروع أمر طبيعي في حالة "المشروعات العملاقة" فقط، يشبه من يُعجِّل ببناء بيته، دون استيفاء شروط البناء.
7    وفي واقع الأمر، إن قناة إسطنبول هي موضوع شائك متعدد الأوجه. لا أحد ينكر أن أي مشروع استثماري ينطوي على نسبة مخاطرة، ولكن يجب أن تكون جدواه الاقتصادية أكبر بكثير من نسبة المخاطرة تلك. وهذا يستلزم أن تتوافر البيانات الخاصة بالمشروع، وأن تكون بيانات موثوقة يمكن تقييمها؛ فعلى سبيل المثال، لا يمكن التعبير عن التوقعات الخاصة بالبيئة بالأرقام، كما لا يمكن حساب الواردات والمصروفات في هذا المجال بالآلة الحاسبة كغيرها من العمليات الحسابية المباشرة الأخرى. وهذا يعني أنه لا بد أن تكون تقارير الجدوى الاقتصادية، وبيانات الواردات والمصروفات أكثر تحديدًا ووضوحًا وشفافية.
8    والواضح، من الوضع الحالي، أن جميع الحسابات الخاصة بإيرادات القناة ومصروفاتها تنطوي على مخاطر ذات بعد دولي أيضًا. وإذا أردنا الدقة فهي ليست "مخاطرات" بل "أخطار" تطل برأسها صوبنا. ألم يفكر أردوغان وحكومته ماذا سيحدث إذا قررت الدول، التي تعبر سفنها عبر المضيق، بالإجماع الاستمرار في استخدام مضيق البوسفور، وفق شروط اتفاقية مونترو؟
9    من الذي سيتحمل تكلفة تنفيذ هذا المشروع، إذا رأت هذه الدول مصلحتها الاقتصادية في الاستمرار في استخدام المعبر الحالي، وأعرضت عن استخدام القناة الجديدة؟ في هذه الحالة، لن تجد الحكومة حلاً آخر سوى استغلال منطقة القناة، التي تكلفت المليارات، في تسيير رحلات رومانسية للمواطنين.
10    ماذا سيحدث لو قالت لنا الشركات المُشَغِّلة للسفن "أنتم تريدون منا أن نستخدم قناتكم الجديدة بذريعة أنكم ترغبون في المحافظة على البوسفور من الخطر. حسناً، ليكن ما تريدون! ولكن نريد، في المقابل، أن نحتفظ نحن أيضاً بحقنا في العبور المجاني. طبقوا هذا النظام في قناتكم  إذن!" أليس من الجنون المجازفة بهذا الشكل؟
11    لعلّ أكثر الفرضيات تفاؤلاً هي أن الحكومة ستقوم بتوجيه سفن الشحن للمرور عبر هذه القناة، ولكن حتى إذا قامت بهذا الأمر، فسيكون العائد محدوداً؛ لأنه عندما تختار السفن العبور من القناة، فهذا سيعني أن الضغط سيقل على مضيق البوسفور؛ الأمر الذي سيجعل بعض السفن تفضل المرور من البوسفور من جديد. وهذا يعني أن السفن التي تمر عبر البوسفور لن تقل عن عدد معين.
12    هناك مصطلح في الاقتصاد يطلق عليه اسم "التكلفة الضمنية"، أو كلفة الفرصة الضائعة. ويطلق هذا التعبير على التضحية بثاني أفضل بديل عند اتخاذ خيار اقتصادي. والتكلفة الضمنية هذه لا تُسجَّل في الدفاتر الحسابية، ولكنها تعتبر عاملاً مهماً في التوصل إلى كثير من القرارات. وهذا يعني أنه إذا كان من الممكن أن تستغل نفس الأموال في تنفيذ عمل أكثر ربحية، فهذا يعني تحقيق الربح الذي فقدته في اختيارها الأول. وفي رأيي، إن هذا الأمر لم يتحقق كذلك.

لكن سؤالنا الأساسي هنا: هل من الممكن أن تكون الحكومة جاهلة بما أوردته في هذا المقال، أم أنها تعرف، ولكنها تتغافل عن ذلك؛ لأن هناك أطرافاً سوف تستفيد من هذه المجازفة؟  أعتقد أن المستقبل سيشهد طرح دراسة الجدوى الحقيقية لهذا المشروع..

وفي النهاية أتمنى أن يتمتع الجميع بالصحة والسلامة في العام الجديد..

 

_______________________________________
- هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kanal-istanbul/kanal-istanbulun-olmayan-fizibilite-raporu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.