هل سيغير أردوغان جلده مع إعلانه التقارب مع أوروبا؟

خفف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الأسابيع الأخيرة من حدة خطاباته بالإعلان عن إصلاحات بعيدة المدى في الاقتصاد والديمقراطية ودولة القانون، مع العودة إلى احضان الغرب الذي حدد مستقبل تركيا في الاتحاد الأوروبي.

ولكن هل يعدّ هذا التغيير الجديد في الاتجاه تخلصا من جلد الرئيس السياسي؟ أو أن رجل تركيا القوي قرر أن يلعب لعبة البقاء وسط الانكماش الاقتصادي والمغامرات الأجنبية خلال العام الثامن عشر لسلطة حزبه؟

من الواضح أن فوز الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن وقمة الاتحاد الأوروبي التي اقترب موعدها في ديسمبر وفرتا ساحة ليظهر أردوغان "الرؤية" الجديدة التي يرغب في اتّباعها. وتمنحنا نظرة على أسس حزب العدالة والتنمية وتاريخه بمعلومات كافية لتحليل الخطاب الحالي الذي تبناه أردوغان.

وصل حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه إلى السلطة بعد الانتخابات العامة في 3 نوفمبر 2002. ومع السلطة التي احتفظ بها لحوالي عقدين، تحول الحزب من نظام برلماني إلى نظام حكم الرجل الواحد. وخلال هذه الفترة، تراجعت البلاد في جلّ الوعود التي قطعها حزب العدالة والتنمية.

أصبح معظم الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية بعيدين عن أردوغان والحزب. ونذكر مثال عبد اللطيف شنر، الذي كان من الأعضاء المؤسسين للحزب ووزيرا سابقا للاقتصاد، وهو اليوم مُشرّع في حزب الشعب الجمهوري المعارض. وكان من أوائل الذين تركوا حزب العدالة والتنمية.

كما تشمل اللائحة السياسي اليميني السابق، محمد بكار أوغلو، الذي أصبح ينتمي إلى حزب الشعب الجمهوري أيضا. وأسس علي باباجان وأحمد داود أوغلو، وكلاهما من الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية، حزبيهما الخاصين.

وأصبح عبد الله غول، الذي كان أول رئيس وزراء ثم الرئيس تحت حكم حزب العدالة والتنمية، الآن منبوذا. وتجدر الإشارة إلى أن أردوغان وغول كانا مقربين لدرجة أن أردوغان كان يطلق عليه كنية "أخي".

كان الوضع الحالي مخيبا لآمال الكادر الذي كان يمثّل "روح" حركة مللي غوروش الإسلامية خلال تأسيس حزب العدالة والتنمية وتوليه السلطة.

واكتسب التراجع الديمقراطي زخما إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016. وأُعلنت حالة الطوارئ لمدة سنتين إثر محاولة الانقلاب في البلاد، وصدرت مراسيم قوانين مكّنت من تجاوز الإجراءات التشريعية والقضائية مما فاقم التراجع الديمقراطي أكثر.

كما عزز التعديل الدستوري لسنة 2017، والذي أدى إلى قيام نظام الرجل الواحد في البلاد والانتخابات العامة في 2018، وهي أول انتخابات رئاسية تنفيذية أسفرت عن فوز أردوغان، وقيام النظام الجديد. ووضعت كل هذه التطورات السياسية تركيا تحت عبء سياسي واقتصادي وقضائي أثقل.

وفي 11 نوفمبر، صرح أردوغان في المؤتمر الحزبي بأن الحكومة تبذل أقصى جهودها للإصلاحات وهي الآن في طريقها إلى مرحلة جديدة تتميز بتدعيم الاقتصاد والديمقراطية ودولة القانون. وفي 21 نوفمبر، حضر عددا من المؤتمرات الحزبية التي عُقدت في مدن مختلفة عبر الانترنت، وخطا إلى الأمام بالإشارة إلى رؤية جديدة.

جاءت تصريحات أردوغان قبل قمة الاتحاد الأوروبي المقررة في 10-11 ديسمبر، حيث قد تفرض الكتلة عقوبات على تركيا. وقال الرئيس التركي خلال عطلة نهاية الأسبوع إنه يرى مستقبل تركيا في أوروبا، فيما يمكن اعتباره إشارة إلى سياسة الغرب، في تناقض حاد مع تصريحاته السابقة بأن "الاتحاد الأوروبي يسير في طريقه الخاص، ونحن نمضي في طريقنا".

وأعرب أردوغان عن توقعه بعدم فرض عقوبات على تركيا، إثر القمة التي عقدت في بروكسل، وقال ما يلي:

"لا نعتقد أن لدينا أي مشاكل مع الدول أو المؤسسات لا يمكن حلها من خلال السياسة والحوار والمفاوضات... أبقينا هذه القنوات مفتوحة دائما، وسنواصل ذلك".

وزار المتحدث باسم الرئاسة ابراهيم كالين بروكسل قبل القمة بدلا من وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، وأجرى عددا من الاتصالات مع أعضاء مفوضية الاتحاد الأوروبي وبعض المسؤولين الآخرين.

ويُعتقد أن سلطة كالين كانت على حساب رئيس دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية فخر الدين ألتون، وخاصة بعد استقالة وزير الاقتصاد السابق بيرات البيرق، وهو صهر أردوغان. ولوحظ تضرر مجموعة البيرق وألتون وعصابة البجع المؤثرة داخل حزب العدالة والتنمية بعد الاستقالة، وأصبح كالين متقدّما على ألتون.

أكد كالين انعكاسات التكتل والقارة على رسائل أردوغان خلال برنامج تلفزيوني حضره بعد مفاوضات بروكسل. وقال: "نحن بحاجة إلى اعتماد التغييرات، نحتاج لإدخال قوانين جديدة. لا تزال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي حاسمة... سيتم إدخال تشريعات جديدة من شأنها تعزيز حقوق مواطنينا وحرياتهم الديمقراطية".

وتزامن فوز بايدن مع استقالة البيرق واستبدال محافظ البنك المركزي التركي. وكان للبيرق دور حاسم في إدارة القنوات الدبلوماسية مع إدارة دونالد ترامب من خلال جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي. وقرر الرئيس التركي إقالة محافظ البنك المركزي، مراد أويصال من منصبه، واستبداله برئيس الاستراتيجية الرئاسية والموازنة ناجي إقبال بينما يواجه بنك خلق الحكومي القضاء الأميركي لدوره في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ضد إيران بين 2010 و2016. وكان أويصال قد شغل عدة مناصب إدارية رفيعة في بنك خلق التركي.

على الرغم من تصوير سلاسة علاقات تركيا مع روسيا، لم تتحقق النتائج التي أمل الحزب الحاكم في تحقيقها في ليبيا أو سوريا أو قره باغ. وأصبحت تركيا منبوذة في الصراع مع الاتفاقية الأذرية الروسية الأرمينية، إذ اتفقت أرمينيا وأذربيجان على وقف القتال في المنطقة المتنازع عليها في أوائل نوفمبر في اتفاق تم توقيعه مع روسيا. وتحاول تركيا كسب حضور رمزي بإرسال جنود إلى مركز مراقبة مشترك مع روسيا في أذربيجان في "نصر كبير" للرأي العام المحلي.

وفي ليبيا التي مزّقتها الحرب، هناك وقف لإطلاق النار وعملية سلام مستمرة مع القاهرة وتونس، وستتوج بالانتخابات في ديسمبر 2021. ولا تلعب تركيا دورا نشطا هناك أيضا، على عكس روسيا وفرنسا ومصر.

أصبحت كل من السياسة الخارجية والاقتصاد لتركيا مزرية بشكل متزايد، والهدف من الحكومة هو نزع فتيل التوتر الأخير في المجتمع وتضييق مساحة المعارضة.

لكن أردوغان يواجه معضلة أكبر تتمثل في ارتباطه في البرلمان مع شريكه الأصغر في الائتلاف، حزب الحركة القومية وزعيمه دولت بهجلي، الذي كان في تحالف مع الحزب الحاكم على مدى السنوات الماضية. ويمنع هذا التحالف أردوغان من تجسيد ما دعا إليه ومن اتباع "نظرته" الجديدة. ويشير بهجلي وحزبه إلى أنهما لا يؤيدان تلك الخطوات من خلال رسائل التهديد التي نقلوها عبر المافيا.

يبدو أن أردوغان قرر التراجع بعد تهديدات حزب الحركة القومية. ففي يوم الأحد الماضي، انتقد نائب رئيس الوزراء السابق بولنت أرينتش، وهو اليوم عضو في المجلس الاستشاري الأعلى التابع للرئاسة، سجن المفكّر التركي عثمان كافالا والسياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش. وفي وقت سابق من شهر مايو، انتقد عضو المجلس الاستشاري الأعلى للرئاسة التركية ووزير العدل بين عامي 2002 و2007، جميل جيجيك، اعتداء حراس السجن على الصحفي باريش بهليفان.

أعرب أردوغان، في مؤتمر حزبي حضره عبر مكالمة فيديو في 22 نوفمبر، أن تعليقات أرينتش وجيجيك، دون تسميتهما صراحة، تعبّر عن رأيهما الشخصي ولا تقلقه. وقال أردوغان في كلمة أمام أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم "على الرغم من أننا عملنا معا في الماضي، فإنه لا يمكن ربط تعليقات شخصية لأي فرد بالرئيس أو بحكومتنا أو بالحزب".

تشير جميع التطورات الأخيرة إلى أن شيئا لن يتغير بالنسبة للحكومة التركية وأن أردوغان ليس لديه أي نية لتحقيق وعوده المعلنة، على الرغم من خطابه الأقل حدّة.

ويبدو التردد وعدم اليقين بشأن اتخاذ تلك الخطوات وما يسمى بنوايا الإصلاح شكلية وليست خطوات قد يتخذها أردوغان. وسيكون تبنيها مفاجأة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/are-erdogans-reform-plans-eu-embrace-shedding-his-political-skin
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.