هل سيقبل أردوغان بنتيجة انتخابات إسطنبول المعادة؟

تتبقى أيام قليلة على جولة الإعادة المرتقبة للانتخابات على منصب رئيس بلدية إسطنبول والمقررة في الثالث والعشرين من يونيو الجاري، ولعلها فرصة مناسبة للتفكير في الأثر المحتمل للنتيجة على العلاقات الخارجية لتركيا.

هناك على الأرجح أربع نتائج محتملة: أن يحقق أكرم إمام أوغلو، المرشح عن حزب الشعب الجمهوري - وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد - انتصارا لا تشوبه شائبة؛ أو أن يحقق بن علي يلدريم المرشح عن حزب العدالة والتنمية الحاكم - وهو رئيس وزراء سابق للبلاد - انتصارا لا تشوبه شائبة؛ أو أن يفوز إمام أوغلو ويعترض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية على النتيجة؛ أو أن يتحقق ليلدريم فوز تعترض عليه المعارضة وتثير مزاعم بوجود تلاعب بالتصويت.

نظريا، بوسع المعارضة أن تتلاعب بالنتيجة بما يحقق مصالحها، لكن التجارب الانتخابية والتفاصيل المتعلقة بإدارة التصويت في إسطنبول تجعل من غير المرجح، إن لم يكن من المستحيل، أن تنجح المعارضة في تحقيق انتصار من خلال التلاعب.

وإن كرر إمام أوغلو الفوز بنفس النتيجة أو حقق أفضل منها، فإن الديمقراطيات الأجنبية ستبادر على الفور بالإشادة بنزاهة العملية الانتخابية، أو ستصدر – بحذر شديد – بيانات تهنئة مع تجنب تسليط الضوء على الهزيمة المذلة للرئيس أردوغان.

في كلتا الحالتين، سترسل هذه الدول بهدوء رسالة إلى حزب العدالة والتنمية تدعوه فيها إلى احترام النتائج، بينما يرجح ألا تتحدث الدول غير الديمقراطية والتي تحكم بطريقة سلطوية عن انتصار المعارضة أو أن تصوره وكأنه دليل على الممارسات الديمقراطية لصديقهم الحميم الرئيس أردوغان.

في حالة فوز يلدريم بطريقة يُنظر إليها باعتبارها حرة ونزيهة، فإن ردود الفعل الخارجية ستأتي خافتة، رغم احتمال أن تبادر روسيا وقليل من الدول الأخرى من أصدقاء تركيا من الدول شبه الديمقراطية أو السلطوية بالإشادة بنجاح أردوغان وحزب العدالة والتنمية مع تقديم التهنئة ليلدريم.

ستكتفي الدول الديمقراطية ببيانات هادئة على الأرجح تحمل تعليقات عن احترام إرادة الشعب التي عبر عنها بطريقة نزيهة، رغم احتمال أن تميل بعض هذه الدول للإشارة بطريقة غير مباشرة إلى وجود انحياز في العملية الانتخابية.

الاحتمال الثالث، وهو فوز إمام أوغلو بفارق ضئيل يجد حزب العدالة والتنمية فيه فرصة للاعتراض على النتيجة وفرض إجراء جولة انتخابية أخرى، من شأنه أن يثير الحكومات الأجنبية لإدانة الممارسات التي يقوم بها حزب العدالة والتنمية واللجنة العليا للانتخابات.

فالدول الديمقراطية جمعاء لن ترى في إجراء جولة جديدة من التصويت سوى محاولة صارخة أخرى للتلاعب بالعملية الانتخابية من جانب الحزب الحاكم.

كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار هذه سيدفع المستثمرين الأجانب بعيدا، مع استثناء الاستثمارات الروسية بالطبع التي سترى في الأمر فرصة لزيادة اعتماد تركيا على الأموال الروسية الممزوجة بالنفط. كما ستضطر وكالات التصنيف الائتماني إلى خفض تصنيف الديون التركية بدرجة كبيرة.

ستزيد ولا شك الانشقاقات في صفوف حزب العدالة والتنمية، إذ سينأى أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بالانتخابات الحرة وبالإحصاء العادل للأصوات بأنفسهم عن أردوغان ومن والاه.

غير أني لا أرى هذا احتمالا قائما، إذ أنه لن يحقق لأردوغان وحزب العدالة والتنمية نتائج جوهرية ملموسة، أو قد لا يحقق له شيئا على الإطلاق، باستثناء تأجيل دفع الفاتورة السياسية من خلال هذه الممارسات الانتخابية البغيضة.

لا يزال أردوغان سياسيا نفعيا وعليه أن يدرك أن تكلفة مثل هذا السيناريو تفوق بكثير أي نفع يمكن أن يتحقق من وراء تأجيل آخر للقبول بإرادة جموع الناخبين.

الاحتمال الأكثر ترجيحا هنا سيكون التدخل في عملية التصويت، من قبيل منع أنصار إمام أوغلو من الوصول لمراكز الاقتراع، وإخفاء أوراق التصويت نفسها، والتلاعب في عملية فرز الأصوات.

الأمر الفصل هنا أن ينجح أردوغان و حزب العدالة والتنمية في القيام بذلك مع النجاح في إنكار حدوثه، ثم توفير الغطاء للجنة العليا للانتخابات لإعلان انتصار يلدريم.

ورغم أن إمام أوغلو وأنصاره سيسعون جاهدين لمراقبة العملية الانتخابية من أجل منع أي تلاعب خفي بالتصويت وعملية الفرز، فإن إعلان فوز يلدريم سيمثل التحدي الأكبر لقادة الدول الأجنبية، خاصة أولئك الذين يقودون ديمقراطيات تقليدية قوية.

في الوقت نفسه، فإن روسيا والصين والدول السلطوية ستقبل بفوز يلدريم في الانتخابات وستشيد باللجنة العليا للانتخابات لقرارها إعادة التصويت في هذه الانتخابات.

سيعكف المعلقون والسياسيون في الغرب على تناول هذا الصراع، سواء بشجب نتيجته المنافية للديمقراطية أو بالتزام الصمت.

ولتبرير أي تأخير محتمل في إدانة نتيجة انتخابات جرى التلاعب بها، فإن هؤلاء المعلقين والسياسيين في الغرب سيتذرعون بضرورة الحفاظ على الاستقرار في بلد عضو في حلف شمال الأطلسي هو صاحب ثاني أكبر جيش بين الدول الأعضاء؛ وأمة تحظى بموقع جغرافي استراتيجي مهم يمكنها من خلاله صد المتطرفين والجهاديين ومنع موجات المهاجرين من الوصول إلى أوروبا.

كما أن تركيا شريك تجاري كبير يواجه بالفعل متاعب اقتصادية لا يستهان بها؛ وبه قدر كبير من الانقسام السياسي بشأن أردوغان ورؤيته لمستقبل البلاد.

لن نجد في الغرب إجماعا بشأن تركيا، وسيكون على الاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة على الأقل الرد على نتيجة محتملة لهذا التصويت تنطوي على سرقة حقيقية واضحة لحقوق الملايين من الناخبين في إسطنبول.

من الضروري أن تبادر الدول الغربية بالاتفاق على رد موحد على أي تلاعب بهذه العملية الانتخابية وإيصال ردها هذا بطريقة سرية إلى الحكومة السرية قبل أن يجرى التصويت، ومن ثم منع مثل هذا التلاعب. وهناك احتمال أن تكون الحكومات الغربية قد فعلت ذلك بالفعل.

الأكثر ترجيحا هنا أن تكون الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي قد أوصلت، كل على حدة، رغبتها أو توقعاتها بأن تسمح تركيا بإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

يرجح أن يكون هذا قد تم بطريقة منسقة ومنظمة كفرقة غنائية تقرأ الكلمات من النوتة الموسيقية لكنها تظهر في قاعة الحفل في أوقات مختلفة فيجد الجمهور على الأرجح عروضا فردية عديدة ربما تخرج أقل إبهارا لكنها تنطوي على أداء أكثر اتساقا.

سيتحدث الاتحاد الأوروبي كثيرا عن الأمر، لكنه ومع توقف المفاوضات الخاصة بعملية انضمام تركيا - للتكتل والتي لا يعتقد أحد أنها ستستأنف قريبا - لن تتوفر لديه قدرة كبيرة على التحرك.

ستصدر على الأرجح إدانات شفهية عن منظمات أوروبية غير حكومية، بينما لن تصدر عن حكومات دول الاتحاد الأوروبي سوى القليل من التحركات الملموسة وهي تراقب بحذر موقف العلاقات التجارية وتدفق المهاجرين والتعاون المشترك في مجال مكافحة الإرهاب.

سيظل تركيز واشنطن منصبا على علاقات تركيا مع دول مثل روسيا وإيران، في حين لم تظهر إدارة ترامب سوى رغبة محدودة في التدخل أو حتى التعليق بشكل غير مباشر على ما ستعتبرها شأنا داخليا لدولة أخرى لا أثر مباشرا لها على المصالح الأميركية.

لنتذكر هنا كيف أحجمت الولايات المتحدة عن اتخاذ خطوات كبيرة فيما يتعلق بفنزويلا. هناك أيضا قرار الولايات المتحدة بشأن برنامج طائرات إف-35 المقاتلة ووعدها باتخاذ إجراءات أخرى إن أقدمت تركيا على إتمام صفقة شراء منظومة الدفاع الجوي الصاروخية إس-400 من روسيا وهنا سيتبين لنا قلة الفرص بأن تجهر الولايات المتحدة بضيقها من تصرفات أنقرة. (عند هذه النقطة، لا يبدو من المرجح أن يتم التوصل لحل يرضي جميع الأطراف بشأن صفقة شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخية إس-400 الروسية.)

لكن حتى في غياب رد موحد من الغرب، سيكون من قبيل عدم الحكمة ألا تحترم تركيا إرادة الناخبين، سواء باتخاذ قرار بإجراء تصويت جديد للانتخابات أو بإعلان فوز يلدريم بمنصب رئيس بلدية كبرى مدن البلاد دون أن يكون هو الفائز الحقيقي في الواقع.

إن من شأن التأثيرات الاقتصادية وخسارة ثقة المستثمرين وخفض التصنيف المالي لتركيا وفقدان دعم صندوق النقد الدولي أن يسبب مشاكل حقيقية للشعب التركي.

وفي الوقت نفسه، فإن انحراف تركيا عن التقاليد والأعراف الديمقراطية سيزيد بلا شك إن تم مرة أخرى الإطاحة بنتيجة الاختيار الشعبي لمنصب رئيس بلدية إسطنبول، أو أن يتم اعتبار يلدريم رئيسا لبلدية كبرى مدن البلاد رغم أن أكثر من نصف عدد الناخبين يعتقدون بقوة أنها نتيجة غير عادية، وهذا هو السيناريو الأسوأ.

ستتبدد في هذه الحالة ثقة الأتراك في أي عملية انتخابية تجرى تحت إشراف حزب العدالة والتنمية بطريقة ربما لا يقدر أحد على تغييرها.

باختصار، سواء احترم أردوغان نتيجة التصويت في انتخابات الإعادة على منصب رئيس بلدية إسطنبول أو اختار عدم احترامها، فإن هذا التصويت سيساهم بصورة كبيرة في رسم صورة العلاقات الخارجية لتركيا، خاصة ما يتعلق منها ببقاء هذا البلد ضمن مجموعة الدول غير المثالية أو ذات الممارسات المعيبة أو ضمن الديمقراطيات الانتخابية التي لا تتوقف عن احترام إرادة الناخبين.

أو قد يقرر الزعيم التركي أن يدير ظهره لإرادة الناخبين وينضم لحفنة الحكام السلطويين الذين يضعون رغباتهم الشخصية لتكريس السلطة قبل إرادة المواطنين.

لكن من أجل صالح تركيا ومواطنيها، فإن من الضروري احترام نتيجة التصويت في الثالث والعشرين من يونيو.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-democracy/will-erdogan-respect-istanbul-rerun-result
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.