يونيو 18 2019

هل سيُعيد تاريخ تركيا نفسه مع تباعدها عن حلفائها؟

تجد تركيا نفسها في مفترق طرق بشأن قرارها شراء أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400، حيث بات حلفاؤها في الولايات المتحدة قاب قوسين أو أدنى من وقف تسليم طائرات من طراز إف-35 بسبب هذا الموضوع.

وتُظهر واقعة أخرى حدثت قبل قرن، تتشابه مع موقف إف-35، إلى أي مدى قد تكون للأزمة تداعيات على تركيا وحلف شمال الأطلسي تتجاوز الحصول على هذا الطراز من الطائرات المقاتلة.

في عام 1908، بعد وصول المُحدثين المعروفين باسم "الأتراك الشباب" إلى السلطة، خاضت الدولة العثمانية سباقاً للتسلح البحري مع اليونان في بحر إيجه، انطلاقاً من إصرارها على تحديث سلاحها البحري المتهالك.

طلبت الدولة العثمانية سفينتين مقاتلتين من بريطانيا عام 1911. وبعد ذلك بثلاث سنوات، توجه وفدٌ من الدولة العثمانية إلى لندن لتسلم السفينتين المقاتلتين، "السلطان عثمان" و"رشادية".

ومع سداد الدفعة الأخيرة من الثمن المتفق عليه، انتظر الوفد الحصول على السفينتين – اللتين كان علم الدولة العثمانية يرفرف بالفعل فوقهما – لكن انتظارهما كان دون جدوى.

في الأول من أغسطس 1914، وبعد مرور ثلاثة أيام على اندلاع الحرب العالمية الأولى، صادرت الحكومة البريطانية السفينتين وضمّتهما إلى أسطولها البحري.

وساعدت تلك الخطوة على ميل الشعب إلى الوقوف في الصف الألماني خلال الحرب، حيث رأت رعية الدولة العثمانية أن تلك الخطوة تمثل "خيانة من جانب بريطانيا".

وبعد مرور عشرة أيام على استيلاء الحكومة البريطانية على السفينتين، لاحقت بحرية الحلفاء سفينتين ألمانيتين من البحر المتوسط إلى بحر مرمرة. وبعد أن دخلت السفينتان إلى مياه الدولة العثمانية، أعلنت الدولة العثمانية شراء السفينتين ورفعت علمها عليهما وأعادت تسميتهما ليصبحا "ياوز سلطان سليم" و"مدللي". لكنها أبقت على ربان وطاقم كل من السفينتين.

تبين بعد ذلك أن هذا الخيار كان مصيرياً للدولة العثمانية، التي وجدت مُورّداً جاهزاً للسفن الحربية في ألمانيا بعد أن حرمتها بريطانيا من ذلك. وبطبيعة الحال، فإن هذا انعكس على خيارات العثمانيين لحلفائهم مع تصاعد الصراع. ودخلت الدولة العثمانية الحرب، التي كانت الأخيرة لها، إلى جوار ألمانيا في التاسع والعشرين من أكتوبر 1914، عندما هاجمت موانئ تابعة للروس المتحالفين مع بريطانيا في البحر الأسود.

وبينما ليس هناك اليوم ما يجعل تركيا تضطر إلى اختيار جانب تقف فيه من بين إمبراطوريات أوروبية متحاربة، فإن طلب العثمانيين الحصول على سفن حربية يحمل في طياته تشابهات محددة مع المأزق الحالي.

وحتى الآن، وعلى الرغم من أن القوات الجوية التركية اشترت رسمياً أربع طائرات مقاتلة جديدة من طراز إف-35، فإن تلك الطائرات ما زالت موجودة في الولايات المتحدة لأغراض التدريب. وليس واضحاً إلى الآن ما إذا كانت تركيا ستتسلم الطائرات، أم ستجد نفسها محرومة من المعدات التي اشترتها ودفعت ثمنها كما حدث في عام 1914.

وترفض الولايات المتحدة تماماً إرسال طلبيات تركيا من الطائرات المقاتلة إف-35 إلى أنقرة، إذا مضت الأخيرة قدماً في خططها لشراء أنظمة الدفاع الصاروخي إس-400. وحذر مسؤولون في الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي تركيا بشأن مخاوفهم من أن الأنظمة الروسية ستخلق مخاطر أمنية على معدات حلف شمال الأطلسي العسكرية، لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يبدو مُصرّاً على المضي قدماً في الصفقة.

وعلق البنتاغون تسليم معدات إف-35 لتركيا في بداية أبريل، وفصّل خطاب من القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي باتريك شاناهان لوزير الدفاع التركي خلوصي أكار الأسبوع الماضي الخطوات التالية التي ستقود إلى إقصاء تركيا عن برنامج الطائرات إف-35، وحدد مهلة أخيرة تنتهي في 31 يوليو لكي تعدل تركيا عن قرارها بشأن أنظمة إس-400.

وتثير كل تلك التطورات تساؤلاً بشأن ما إذا كان الشعور بالإحباط سيدفع تركيا إلى شراء أسلحة بعينها سيجعل تركيا تُغيّر محورها كما فعلت قبل مئة عام.

ولا يبدو أن أياً من الجانبين مستعد للتراجع. وفي ظل الضغوط الشديدة التي تتعرض لها العلاقات الأميركية التركية بالفعل بسبب خلافات أخرى، يتكهن الخبراء بأن العلاقات باتت على حافة الانهيار.

وقال روبرت فارلي، المُحاضر الأول في مدرسة باترسون للدبلوماسية والتجارة الدولية في جامعة كنتاكي إن "تركيا هي فقط مثال آخر يُظهر أن الولايات المتحدة تحب الشركاء، لكنها ليست بحاجة لشركاء.

"يتسلل إلىّ شعورٌ بأن الولايات المتحدة ترغب فعلاً في الابتعاد. هناك الكثير من الإحباط، ليس فقط بشأن شراء إس-400، ولكن أيضاً بشأن جوانب أُخرى في العلاقة، خاصة بشأن القضية الكردية".

وما زال الدبلوماسيون الأتراك والأميركيون يُجرون مباحثات من آن لآخر بشأن ما يبدو أنه خلاف آخر غير قابل للحل، وهو هذه المرة بشأن الميليشيات الكردية في شمالي سوريا. وتدعم الولايات المتحدة جماعات من بينها وحدات حماية الشعب الكردية، التي تنظر إليها أنقرة على أنها تشكل خطراً أمنياً بسبب ارتباطها بالمتمردين الأكراد في تركيا.

وأرسل الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسائل متباينة إلى تركيا بشأن سوريا، ووعد بسحب كل القوات الأميركية في ديسمبر الماضي، قبل أن يتراجع عن قراره في الشهر التالي ويهدد تركيا بدمار اقتصادي إذا هاجمت المجموعات الكردية.

وفي ظل حدة التوترات بين أنقرة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي، فإن مكان تركيا في الحلف صار موضع تدقيق شديد.

وقال سنان أولغان، رئيس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية – وهو مؤسسة بحثية مستقلة في إسطنبول، إن "الموقف الحالي مختلف تماماً. فتركيا عضو من أهم الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. ومن ثم فإنه ليست هناك مساع لتحالف جديد.

"لا أعتقد أن التوتر السياسي الذي نتج عن قضية إس-400 سيدفع تركيا لوضع عضويتها في حلف شمال الأطلسي محل نظر. بطبيعة الحال، فإن هذا التوتر ستكون له تداعيات على العلاقات التركية الأميركية، وبالتالي على علاقات تركيا مع حلف شمال الأطلسي. بيد أنني لا أرى في هذا الأمر نقطة قرار فيما يتعلق بالاستمرار في عضوية التحالف".

لكن كارلو ماسالا، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الألمانية في ميونيخ، يعتقد أن القضية ستكون لها تداعيات بالغة قد تُمزّق حلف شمال الأطلسي وتعيد تشكيله.

وقال ماسالا "أعتقد أن قضية إف-35 تضع تركيا في مفترق طرق. إذا لم تحصل تركيا على الطائرات إف-35، فإنه يتعين على أنقرة أن تبحث عن طائرات أخرى مقاتلة. وفيما يبدو هم يتواصلون بالفعل مع الصين.

"وفي وجود الطائرات الصينية وأنظمة الدفاع الجوي الروسية، فإن الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي سينهار. لن يكون هناك دفاع جوي متكامل بعد ذلك، ولا قدرات لحملات جوية".

وأفادت الصحافة في تركيا هذا الشهر بأن الطبقة البيروقراطية الأمنية في أنقرة تدرس طائرات روسية أو صينية كبدائل محتملة إذا أوقفت الولايات المتحدة تسليم الطائرات إف-35.

وقال ماسالا إن "تركيا تُدير ظهرها لحلف شمال الأطلسي، لكنها لن تغادره بالطبع، لأنها لن تتخلى عن حق الفيتو. هذا الأمر سيعقّد سياسات حلف شمال الأطلسي بشدة في المستقبل".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-us/will-turkey-experience-deja-vu-f-35-crisis-places-alliances-peril
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.