هل تضع أنقرة نواة لدويلة إسلامية متشدّدة تهدّد وحدة سوريا؟

إسطنبول - ما الذي تسعى تركيا إلى التخطيط له في شمال سوريا تحت مسمّى المنطقة الآمنة التي تنادي بضرورة إنشائها منذ سنوات؟ هل تخطّط لوضع نواة لدويلة إسلاميّة سنّيّة متشدّدة تابعة لها تهدّد بها وحدة الأراضي السورية وتستخدمها لمحاربة الأكراد وضرب أيّ محاولة لتعزيز الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا؟

يزعم أردوغان أنّه يسعى إلى إنشاء المنطقة الآمنة بطول 120 كم بين مدينتَي تل أبيض ورأس العين على الحدود التركية، ويعمل على توطين اللاجئين السوريين من العرب السنّة فيها، وبخاصة من الجماعات المسلّحة الموالية لأنقرة، والتي شكّلت عصابات من المرتزقة دخلت المنطقة مع بدء الغزو التركي لها، فيما يسمّى بعملية نبع السلام.

ويلفت محللون إلى أنّ تركيا ستقوم بتحويل المنطقة الآمنة إلى نواة لدويلة متشدّدة تحارب بها جوارها الإقليمي، وتهدّد من خلالها وحدة الأراضي السورية، ناهيك عن إلغاء وتبديد أيّ حلم للأكراد بالسيطرة على منطقة جغرافية ممتدّة من شرقي الفرات إلى دجلة على الحدود العراقية.

وينوّهون إلى أنّها تخطّط لاحقاً للتوغّل أكثر في عمق الأراضي السورية صوب الرقّة، ودير الزور، وصياغة كيان سنّيّ في تلك المنطقة، وطرد الأكراد الذين يتواجدون في بعض القرى والبلدات فيها، وإحلال مَن ستقوم باستقدامهم فيها، بحيث تبقي المتشدّدين كبنادق وأسلحة مأجورة توظّفهم هنا وهناك حين الطلب والحاجة.

ويشير مراقبون إلى أنّ أنقرة تخطّط لإنشاء معبر لنقل عشرات الألوف من الإرهابيين والمتشدّدين مع عائلاتهم من إدلب إلى المنطقة الآمنة، وستعمل على إنشاء بيوت لهم وتوطينهم، بحيث يظلّون أدواتها للتهديد والابتزاز والاستغلال والضغط، وستعمل على توسيع رقعة المنطقة الآمنة من خلال الإيحاء بتعاطف الحاضنة الاجتماعية ذات الغالبية العربيّة السنّيّة التي تعيش في المنطقة، والتي عانت على مدار سنوات التهميش والغٌصاء وقلّة الاهتمام من قبل النظام السوريّ.

وعملت أنقرة على اللعب في الميدان السوريّ واستعملت عدداً من أوراقها وساهمت بتأجيج الحرب السوريّة المستمرة منذ أكثر من ثماني سنوات من خلال اعتمادها سياسة الحدود المفتوحة للجهاديين العابرين للحدود، والوافدين للمشاركة في الحرب السورية من مختلف الأصقاع، واحتفظت بتواصل معهم عبر خطوط محدّدة، ناهيك عن تزويدهم بالدعم المادّيّ واللوجستيّ، بحسب ما يؤكّد معارضون سوريّون.

ولطالما تشدّقت تركيا بضرورة المحافظة على وحدة الأراضي السوريّة، وهي التي وُصفت بأنّها تساهم في تمزيق التراب السوريّ، والتدخّل لقضم بعض المناطق السوريّة المحاذية لها بذريعة محاربة الإرهاب، وهو ما فعلته في منطقة عفرين التي قامت بغزوها واحتلالها منذ أكثر من عام، وكلّفت متشدّدي موالين لها بإداراتها، وبنت جداراً عازلاً يفصلها عن محيطها السوريّ، كما مارست السياسة نفسها في مناطق درع الفرات، حيث بدأت بالتعاطي معها كمستعمرات تركية.

تركيا تخطّط لاحقاً للتوغّل أكثر في عمق الأراضي السورية
تركيا تخطّط لاحقاً للتوغّل أكثر في عمق الأراضي السورية

أطلق أردوغان على الميليشيّات الموالية له ممّا يسمّى بالمعارضة السورية توصيف الجيش المحمّدي، في إشارة عنصريّة إلى أنّهم يقاتلون الكفّار والملاحدة الذين يتمّ تجسيدهم وتمثيلهم في الأكراد الذين تعتبرهم أنقرة أكبر تهديد على حدودها، وتعتبرهم خطراً وجوديّاً عليها ينبغي التخلّص منه بشتّى السبل.

واستغلّت تركيا ورقة اللاجئين السوريين الذين وفدوا إليها، وادّعى رئيسها أردوغان بداية أنّهم ضيوف، وأنّه سيتعامل معهم كما تعامل الأنصار مع المهاجرين، وذلك للإيحاء بأنّه لا حدود للأخوة التي تجمع بينه وبينهم، في حين أنّ سياسته لفتح الحدود كانت عبارة عن تخطيط مسبق للضغط على الدول الإقليمية والأوروبيّة، والبقاء كلاعب رئيسي في الأزمة السوريّة، بحجة استضافته لحوالي أربعة مليون سوريّ في بلاده.

وسيكون من شأن المنطقة الآمنة التي يخطّط لها أردوغان إحداث شرخ في التركيبة الديمغرافية في المنطقة، بحيث يفصل من خلالها بين المدن ذاتن الغالبية الكرديّة، كوباني (عين العرب) ورأس العين والدرباسية وعامودا والقامشلي والقحطانية والجوادية ورميلان وصولاً إلى المالكية شرقاً في المثلث الحدودي بين سوري وتركيا والعراق.  

كما سيكون من شأنها أن تلعب دوراً كبيراً في التطهير العرقيّ الذي يمارسه الجيش التركيّ عبر وكلائه وأدواته من المرتزقة والميليشيات المتشدّدة التي تجد في تركيا نصيراً لها، وتقبل بالتبعية والإذعان لها، وتستعدي السوريين من مختلف المكوّنات الأخرى في المنطقة، كالأكراد والأرمن والآشوريين والسريان، وغيرهم من الإثنيات والأقليات الدينية والعرقية.

كما أن مخطّط إنشاء المنطقة الآمنة يأتي في سياق التوسّع التركيّ، وفي إطار العثمانية الجديدة التي ينادي بها الرئيس أردوغان، الذي لا يخفي طموحاته باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية المنهارة منذ قرابة قرن من الزمن، كما يرد في لعبة خلق بؤر للتوتّر والنزاع تضمن لتركيا التدخّل تحت أقنعة ومزاعم مختلفة.  

وأصبح أردوغان يُعرّف وكأنّه يحاول حلّ مشاكله الداخلية على حساب الأرض السوريّة، فتراه يبيع ويشتري بدماء السوريّين، ويعقد الصفقات هنا وهناك، ينقل الإرهابيين المسلّحين من إدلب إلى ليبيا تارة للمحاربة إلى جانب الميليشيات التي تدعمها أنقرة هناك، وتارة أخرى يقوم باستعمالهم لضرب الوحدة الوطنية السورية، وتوجيه بنادقهم صوب الأكراد السوريين.