هل تخلّى أردوغان عن صهره البيرق وانحاز لوزيره صويلو

أنقرة – هل تخلّى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن صهره بيرات البيرق؛ وزير المالية والخزانة، واختار الانحياز لوزير داخليته سليمان صويلو الذي رفض استقالته التي قدّمها مساء الأحد؟ هل يضحّي أردوغان بالبيرق لينقذ نفسه أم أنّه يبقي صويلو ليتلافى انشقاقات جديدة في حزبه، وسينتظر الفرصة المناسبة للتخلّص منه؟

هل كان صويلو يناور ويضغط لانتزاع مزيد من المكتسبات والدعم من أردوغان؟ هل أحرج أردوغان بتلك الاستقالة أم تراه كان يحاول تخفيف الضغوطات عليه؟ أين موقع البيرق بين الاستقالة ورفضها من قبل الرئيس؟ هل ناور أردوغان بدوره واستوعب صدمة الاستقالة ليعيد ترتيب أوراقه على مهل لحين تجاوز الأزمة وتحيّن الفرصة للتضحية بصويلو؟

لا يخفى أنّ حزب العدالة والتنمية يرزح تحت صراعات الأجنحة والتيارات فيه، وكلّ تيّار يسعى للهيمنة على القيادة فيه وإقصاء التيارات الأخرى، كتيّار سليمان صويلو الذي يبدو على خلاف معلن مع تيار البيرق، والذي يحاول اكتساب الأفضلية بحكم قرابته لأردوغان، ناهيك عن تململ في القاعدة، وأحاديث عن انشقاقات في صفوفها للانضمام إلى أحزاب جديدة خرجت من رحم العدالة والتنمية، وبدأت بمنافسته، كحزب الديمقراطية والتقدم الذي يتزعمه وزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان، وحزب المستقبل الذي يترأّسه أحمد داود أوغلو.

وكشفت استقالة وزير الداخلية التركي التي رفضها أردوغان عن توترات في حزب العدالة والتنمية الحاكم، وعن تخبّط في إدارة الحكومة للأزمة التي تسبب بها فيروس كورونا، وما تنجم عنها من تداعيات وتأثيرات خطيرة من شأنها تعميق جراحها أكثر.

أظهرت استقالة صويلو التي وصفت بأنّها ضارة لحزب العدالة والتنمية، الارتباكَ الذي يمرّ به الحزب في هذه الفترة، والذعر الذي يعيشه جرّاء الفشل حتّى الآن في مواجهة أزمة كورونا، وما يمكن أن ينجم عنها في المستقبل القريب، ولاسيما أنّ هناك سخطاً شعبياً متزايداً على سياسة إدارته للأزمة.

ويمثّل صويلو أحد مراكز السلطة الهامة داخل الحزب الحاكم، ويبدو أنّه تمكّن من تعزيز مكانته، وتغيير مسار معركة السلطة داخل الحزب باستقالته، وأجبر أردوغان على الانحياز له علناً وتفضيله على صهره البيرق في هذه المرحلة، على أمل أن يتمكّن من تحجيم البيرق أكثر لاحقاً، وإبعاده عن طريقه لزعامة الحزب.

وليس من المؤكّد ما إن كان أردوغان مستعداً للتخلي عن البيرق، وجعله كبش فداء بدلاً من صويلو، أو أنّه سيحتفظ به لمرحلة قادمة قد تشتدّ فيها الضغوطات عليه، ويمكن أن يضحّي به حينها لينقذ نفسه من الورطة التي تلوح في الأفق.

وفي هذا السياق قالت وكالة رويترز إن استقالة صويلو بعد إعلانه حظر التجول في أكثر من ثلاثية ولاية تركية، والذي بدا أنه كان صدر على عجل وبشكل مفاجئ، فضح توترات في قيادة العدالة والتنمية الحاكم الذي يحاول تلافي مزيد من الانشقاقات في صفوفه.

أردوغان بين نارين
أردوغان بين نارين

وقدم وزير الداخلية سليمان صويلو استقالته يوم الأحد، بعد أن أعطت السلطات يوم الجمعة مهلة ساعتين فقط بفرض حظر التجول لمدة 48 ساعة في المدن الرئيسية في تركيا، ما تسبب في مشاهد فوضوية مع اندفاع الحشود لتخزين المؤن والمواد التموينية.

وحاول الوزير التركي تحمل المسؤولية الشخصية عن تلك المشاهد الفوضوية، وعمل على تبرئة أردوغان من أية مسؤولية، على الرغم من أن تلك الخطوة تمّت بعد موافقته عليها، ورغم ذلك أثارت استقالته موجة من الدعم له والتعاطف معه على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعلن أردوغان بسرعة أنه رفض الاستقالة وسيبقى صويلو في منصبه.

وقال مسؤول في حزب العدالة والتنمية لرويترز شريطة عدم نشر اسمه "ليس سراً الآن أن هناك صراعاً وبعض القضايا الخلافية بين البيرق وصويلو منذ زمن" وأضاف أنّ استقالة صويلو كانت تفجيراً لتلك الخلافات، وتظهيراً لها للملأ. وأردف المسؤول الحزبي كذلك أنّ صويلو عزز موقفه بالفوز بتأييد علني من أردوغان.

منذ تعيينه وزيرًا للداخلية قبل أربع سنوات، قاد صويلو، 50 عامًا، حملة قمع فيها عشرات الآلاف من الأشخاص للاشتباه في صلتهم بشبكة غولن المتهمة بالوقوف وراء محاولة انقلاب في 2016. ووصفت جماعات حقوق الإنسان عملية التطهير بأنها عشوائية وغير متناسبة وتستهدف لخنق المعارضة، لكن حملة صويلو عززت مكانته داخل الحزب وبين قاعدته الداعمة. بحسب مسؤول في العدالة والتنمية.

وقال المسؤول لرويترز "بغض النظر عما يقوله أي شخص، فإن لديه السلطة وتم تعزيز تلك السلطة بالفعل في قضية الاستقالة." وقال مسؤول من حزب معارض لرويترز إن خسارة صويلو كانت ستوجه ضربة لحزب العدالة والتنمية.

ومع تراجع قيمة الليرة التركية، وتفاقم العجز الاقتصادي، يبدو أن تصريحات البيرق ووعوده وتأكيداته أن تركيا ستتجاوز الأزمة، وأنّ الاقتصاد التركي قوي ويتعافى بسرعة، وأنّها لم تلجأ لأي مؤسسة أو منظمة دولية خلال إدارتها للمرحلة الحالية من وباء فيروس كورونا، لا تلقى أذناً صاغية لدى الأسواق التي تئنّ تحت وقع الضغوطات المتراكمة.

وبين معادلة الأمن والاقتصاد، وعلى وقع تسارع الأزمات، يترنّح حزب العدالة والتنمية الذي يمضي في سياسة ضبابية مشوّشة، ويتخبّط في أساليب المعالجة والمواجهة، ويحاولا ترتيب بيته الداخليّ قبل أن يتعرّض لمزيد من الهزائم والانتكاسات.

أصبح من الجليّ أنّ حزب أردوغان بات في عين العاصفة، ومقبلاً على انهيار أكبر في المرحلة القادمة، وأنّ صراع التيارات المتباينة، ذات المصالح المتناقضة، قد تعجّل بتفتيه أكثر، بحسب ما يؤكّد محللون، ومن شأن ذلك أن يكون القشة التي تقصم ظهره، وتضع نقطة النهاية لرحلته في السلطة مدّة عقدين من الزمن.