هل تلاشت آمال المفاوضات التركية اليونانية

العديد من القضايا الملحة تقوض العلاقات بين اليونان وتركيا اليوم ومن المفاجئ أن هاتين الجارتين اللتان تحفلان بتاريخ من الصراع، لم تدخلا في حالة حرب بالفعل.

ويوم الجمعة، أنهى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحويل آيا صوفيا في إسطنبول من متحف إلى مسجد، بعد أسبوع من استنكار وزارة الخارجية اليونانية لمثل هذه الخطوة ووصفتها بأنها غير مقبولة وأنها خرق لمكانة التراث العالمي لليونسكو.

تم بناء آيا صوفيا ككاتدرائية في القرن السادس من قبل الإمبراطور البيزنطي جستنيان، وتحتل مكانًا خاصًا في قلوب العديد من المسيحيين الأرثوذكس، خاصة في اليونان، التي تعتبر نفسها وريثة البيزنطيين الناطقين باليونانية في القسطنطينية.

ووصف المسؤولون اليونانيون هذه الخطوة بأنها "استفزاز مفتوح للعالم المتحضر" وقالوا "القومية التي أظهرها أردوغان تعيد بلاده إلى ستة قرون مضت".

وأكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، يوم الأربعاء، على مزاعم تركيا المستمرة بشأن عدد من الجزر اليونانية في بحر إيجة، أنه على الرغم من معاهدة لوزان التي تمنع أي وجود عسكري في 23 جزيرة في بحر إيجه، فإن اليونان تحتفظ بوجود عسكري في 16 منها.

وقال نيكوس ميخايليديس، أستاذ مساعد في علم الإنسان بجامعة ميسوري سانت لويس، لأحوال تركية "تتجاهل النخب العسكرية والسياسية في تركيا تمامًا أن اليونان لا تقع فقط في البر الرئيسي. لدينا الآلاف من الجزر وهذا شيء لا يريدون رؤيته ولا يريدون قبوله".

وفي الأسبوع الماضي، اعترضت القوات الجوية اليونانية الطائرات التركية واشتبكت معها في معارك صاخبة بعد أن ارتكبت الطائرات المقاتلة التركية 50 انتهاكًا للمجال الجوي اليوناني فوق بحر إيجة في يوم واحد، وفقًا لما ذكره المراسل اليوناني.

وكانت قبرص مصدرًا رئيسيًا للتوترات التركية اليونانية منذ عام 1974، عندما غزت القوات التركية الدولة غير الساحلية في محاولة لتجنب مؤامرة انقلاب من أثينا. تم تقسيم الجزيرة منذ ذلك الحين بين جمهورية قبرص المعترف بها من قبل الاتحاد الأوروبي والجمهورية التركية لشمال قبرص، المعترف بها فقط من قبل تركيا. ومنذ أوائل عام 2019، أطلقت تركيا ست عمليات حفر للغاز الطبيعي في المياه الخاصة بقبرص، وقالت إنها تخطط للمزيد.

وقد أعلنت الولايات المتحدة يوم الأربعاء أن الجنود القبارصة سيكونون قادرين على المشاركة في برنامج تدريب عسكري أميركي كبير - وهي خطوة أولى محتملة نحو إنهاء حظر الأسلحة الأميركي على قبرص. ولكن انتقدت تركيا بسرعة هذه الخطوة.

وقال ميخايليديس "تركيا تمارس البلطجة على اليونان. وكانت تتنمر على قبرص، ولا تزال تحتلها ولا يريدون التفاوض على حل قائم على القانون الدولي".

ناقش البرلمان الأوروبي يوم الخميس دور تركيا السلبي في شرق البحر الأبيض المتوسط وليبيا، حيث تدعم أنقرة حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس. وقد زاد هذا الدعم في الأشهر الأخيرة، بشكل جزئي، لأن أنقرة وقعت صفقة حدود بحرية مع حكومة الوفاق الوطني أواخر العام الماضي متجاهلة بذلك جزيرة كريت، التي تقع بين سواحل ليبيا وتركيا، من على الخريطة.

وخلال هذا الأسبوع، خصصت تركيا مساحة شاسعة من شرق البحر الأبيض المتوسط بين ليبيا وكريت للتدريبات البحرية. وقالت أنقرة إنها تخطط لبدء الحفر قريبًا قبالة الساحل الليبي وربما بالقرب من جزيرة كريت.

وقال ميخاليديس "تأمل الحكومة اليونانية ألا يجرؤوا على الذهاب ومواصلة الحفر قبالة ساحل جزيرة كريت. ومن شأن هذا أن يخلق تداعيات خطيرة قد تنتهي في مواجهة عسكرية".

وحذرت أثينا من أن أي حفر في جرفها القاري سيثير رد فعل ساخن، وتحركت لتعزيز العلاقات مع إسرائيل حليفتها الإقليمية. ووقع الاثنان على عدة اتفاقيات دفاع هذا الشهر، تحدد التعاون المتزايد في الأسلحة والتدريب.

وتحالفت الدولتان كذلك في مجال الطاقة. ففي يناير، وقعت اليونان وإسرائيل وقبرص صفقة لبناء خط أنابيب تحت البحر طوله 1900 كيلومتر لنقل الغاز الطبيعي من حقول الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.

وأخيرًا وليس آخرًا، يبقى موضع الصراع على الهجرة واللاجئين. حيث استنتجت مجموعة "فورينسيكس آرشيتكتشر" البحثية الواقعة في لندن هذا الأسبوع أن يكون محمد العرب، 22 سنة، من حلب، قد قتل على يد جنود يونانيين في مارس. كان محمد من بين آلاف المهاجرين الذين يسعون إلى دخول اليونان بعد أن اتبعت تركيا تهديد أردوغان "بفتح البوابات" للاجئين، وربما تكرار أزمة 2015-2016، عندما دخل حوالي 2 مليون مهاجر إلى أوروبا.

وقد رفضت أثينا اتهامات باستخدام الذخيرة الحية، واتهم الكثيرون تركيا باستخدام اللاجئين كسلاح للضغط على أوروبا لتوفير تمويل أكبر لـ 3.5 مليون لاجئ موجود بالفعل في تركيا، أو لتقديم المساعدة لتركيا في محافظة إدلب السورية، حيث يوجد حوالي 2 مليون نازح يعيشون في مخيمات مخصصة على طول الحدود التركية.

تواجه اليونان والاتحاد الأوروبي الآن دعوات للتحقيق في وفاة العرب وسط مخاوف من تزايد الاعتداءات اليونانية على طول الحدود. وأفادت دويتشه فيله وبيللنغكات في مايو أن الشرطة اليونانية قامت بترحيل طالبي اللجوء قسراً إلى تركيا، مثلما فعلت تركيا مع السوريين في العام الماضي. وكانت هناك أيضًا عدة تقارير تفيد بأن قوات الأمن اليونانية دفعت قوارب المهاجرين إلى تركيا وأعادت المهاجرين عبر بحر إيجة على قوارب مطاطية بدون نوافذ.

وقال ألكسندر كلاركسون، المحاضر في الدراسات الأوروبية في كلية كينغز كوليدج في لندن، لأحوال تركية "لديك هذا الاضطراب المستمر في السياسة اليونانية خوفاً من الاضطرار إلى مواجهة موجة ثانية للماهجرين مثل عام 2015".

وقال إن عناصر أكثر وطنية واستبدادية داخل الشرطة اليونانية وأجهزة الأمن قد برزت إلى الواجهة، ولم يفعل المسؤولون الأوروبيون الكثير لتغيير أساليبهم. 

وقال كلاركسون "لم يدعم الاتحاد الأوروبي ضمنيًا استخدام القوة القصوى ضد مداخل اللاجئين المحتملين، بل إنهم أثنوا عليها إلى حد ما".

ورأى ميخاليديس، خبير الأنثروبولوجيا، أن أثينا تبذل قصارى جهدها وهي تقف في وضع صعب لم تتحمل فيه سوى القليل من المسؤولية، على عكس تركيا، التي لعبت دورًا في الحرب الأهلية السورية منذ أيامها الأولى وشنت مؤخرًا العديد من الهجمات العسكرية في شمال سوريا.

وقال ميخايليديس "تحاول الحكومة اليونانية منذ سنوات إقناع نظرائنا الأوروبيين بأننا بحاجة إلى إيجاد حل، ونحن بحاجة إلى مساعدة. لكن اليونان لا تستطيع أن تفعل ذلك بمفردها. نحن بحاجة إلى إيجاد حل مع تركيا والاتحاد الأوروبي".

واتفق وزير الداخلية الألماني، هورست سيهوفر، مع هذا الرأي. حيث قال يوم الثلاثاء إنه من العار أن الاتحاد الأوروبي لم يحل بعد مسألة الهجرة بعد مرور خمس سنوات من بدء أزمة اللاجئين 2015-2016.

وقال سيهوفر "لا يمكننا ترك إيطاليا أو مالطا أو اليونان أو إسبانيا وحدها للتعامل مع هذه القضية"، موضحا أن معظم دول الاتحاد الأوروبي رفضت قبول الوافدين الجدد كجزء من مبادرة جديدة.

وحتى سبتمبر على الأقل، عندما يُتوقع من المفوضية الأوروبية تقديم اقتراح إصلاح الهجرة، ستبقى اليونان عرضة لأهواء الحكومة التركية. وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، يوم الاثنين إن تركيا لم تعد قادرة على كبح أولئك الذين يريدون المغادرة إلى أوروبا.

وحثت أكبر جماعة سياسية في البرلمان الأوروبي، وهي حزب الشعب الأوروبي، الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء على الدفاع بقوة عن قبرص واليونان ضد العدوان التركي من خلال نشر القوات البحرية أو فرض العقوبات.

وفي تغريدة، وصف رئيس حزب الشعب الأوروبي، مانفريد ويبر، تصرفات تركيا بأنها غير مقبولة. وقال فانغليس ميماراكيس، رئيس الوفد اليوناني لحزب الشعب الأوروبي، إن أردوغان "تجاوز الحدود، وإذا استمر في تحدي أوروبا، فسيكون هناك رد فعل واحد وفوري".

وقال كلاركسون إن الوقت قد حان لتركيا للاستفادة من مكاسبها وبدء المحادثات. وقال "في النهاية، يجب التفاوض حول نزاع شرق المتوسط".

وخلال هذا الأسبوع، قال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إنه منذ المكالمة الهاتفية التي أجراها مع أردوغان في 26 يونيو، شعر بالراحة في التحدث معه. ولكن هل يشعر نظيره بنفس الشعور؟

تساءل كلاركسون عما إذا كان أردوغان قد ينتظر طويلاً، حتى تقوض الأزمة الاقتصادية في تركيا موقفها التفاوضي القوي أو أن تثير أنشطة أنقرة في أعالي البحار رد فعل مسلح.

ويتساءل كلاركسون "هل تركيا مستعدة للجلوس واستخدام هذا النوع من المزايا التي تبنيها حتى تتبع مسارًا للوصول إلى تسوية تفاوضية، الأمر الذي يتطلب تنازلات، وسيتطلب الاقتراب من أثينا ونيقوسيا؟".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-greece/turkeys-negotiating-window-greece-eu-may-be-closing