هل تنجح تركيا بموازنة علاقاتها مع واشنطن وموسكو والناتو

أنقرة - يحتاج بايدن إلى إعادة رسم التحالف مع تركيا، ذلك أنّ تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي ليست حليفًا علمانيًا قويًا وغربيًا في الحرب الباردة كما كانت في السابق، فهي الآن يديرها إسلامي شعبوي يشتري أسلحة من روسيا ويتدخل عسكريًا في المنطقة ويبتعد عن الأعراف والقيم الديمقراطية الأوروبية، حسبما قال والتر راسل ميد، الزميل البارز في معهد هدسون وكاتب عمود في صحيفة وول ستريت جورنال.

ويلفت راسل ميد إلى أنّ هذا هو السبب في أن الرئيس الأميركي جو بايدن، في اجتماعه مع الرئيس رجب طيب أردوغان في قمة حلف شمال الأطلسي في بروكسل الأسبوع المقبل، يجب أن يعيد رسم التحالف الأميركي مع تركيا، وتراه يقول إن بايدن "يحتاج إلى تطوير طريقة جديدة للتفكير في هذه العلاقة المهمة".

وقال الباحث الأميركي إنّه "على الرغم من القطيعة الحالية بينهما، فإن أميركا وتركيا لديهما مصالح مشتركة". وأضاف: "يرغب كلا البلدين في رؤية السلام والنظام في ليبيا وسوريا والعراق. كلاهما يرغب في كبح نفوذ إيران. كلاهما يرغب في الحد من قوة روسيا في الشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز. وعبر الامتداد الشاسع لآسيا الوسطى، تود كل من أنقرة وواشنطن أن ترى دولًا مثل أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان تقاوم المحاولات الروسية والصينية لضمها إلى أنظمة إمبراطورية متجددة".

وذكر ميد أنّه مهما حدث لأردوغان، فقد تصبح تركيا أكثر حداثة، لكنها لن تصبح بالضرورة أكثر غربية أو أكثر ديمقراطية. وستستمر سياسة أنقرة الخارجية في أن تصبح أكثر استقلالية وأقل قابلية للتنبؤ. وقال "إذا كانت واشنطن تتوقع أن تتصرف تركيا مثل هولندا أو النرويج أو إسبانيا، فإن العلاقة ستحبط كلا الطرفين". لكن إذا بدأ البيت الأبيض في التفكير في تركيا بالطريقة التي تفكر بها بشأن شركاء مثل فيتنام والهند، فسيكون صانعو السياسة قادرين على تقدير القيمة الجيوسياسية الحقيقية لأنقرة وإدارة التوترات التي ستظهر لا محالة بمهارة أكبر.

وشدّد الباحث ميد على أنّ مهمة بايدن في لقائه مع أردوغان ليست إنقاذ التحالف القديم بين الولايات المتحدة وتركيا، ولكن لوضع الأساس لتحالف جديد.

ويوم أمس قال مستشار الأمن القومي الأميركي، إنه عندما يلتقي الرئيس جو بايدن ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في 14 يونيو، سيتحدثان عن "الخلافات الكبيرة" بين بلديهما بشأن العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ونقلت رويترز عن جيك سوليفان قوله في إفادة بالبيت الأبيض إن الرئيسين سيتحدثان عن قضايا تتعلق بشرق البحر المتوسط ​​وسوريا وإيران من بين مواضيع أخرى كجزء من "جدول أعمال موسع". وسيناقشان أيضًا الدور الذي قد تواصل تركيا لعبه في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي المرتقب من ذلك البلد في سبتمبر المقبل.

وأضاف سوليفان إنّ "الرئيس بايدن يعرف أردوغان جيدًا، لقد أمضى الرجلان وقتًا طويلاً معًا، وأعتقد أنهما يتطلعان إلى الفرصة، للحصول على عمل مثل الفرصة لمراجعة النطاق الكامل للعلاقة،

وستكون هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها بايدن وأردوغان منذ انتخاب الرئيس السابق. وعند توليه منصبه، لم يتصل بايدن بأردوغان لمدة 93 يومًا. وأدانت أنقرة بشدّة قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في عام 1915 بعد فترة وجيزة من صدوره.

كما ذكر سوليفان أنّ من المرجح أن تشمل القضايا التي على رأس جدول أعمال الاجتماع سوريا وإيران وأفغانستان. القضية الرئيسية الأخرى التي سيناقشونها على الأرجح هي شراء تركيا لصواريخ الدفاع الجوي إس -400، والتي عارضتها بشدة وشجبتها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

وفي محاولة لإبداء حسن النية، من المحتمل عرضها من قبل تركيا تحسباً لقضية إس-400 التي ستتم مناقشتها خلال القمة، أعلنت أنقرة أنها سترسل خبراء روساً يعملون في تركيا على النظام إلى بلادهم. ومع ذلك، عارض الكرملين هذه الادعاءات، حيث قال المتحدث دميتري بيسكوف إن هؤلاء الخبراء كانوا ببساطة يعودون إلى ديارهم منذ أن أنهوا عملهم.

هل ينجح أردوغان باستغلال روسيا لابتزاز أميركا والناتو
هل ينجح أردوغان باستغلال روسيا لابتزاز أميركا والناتو

وأظهرت الأحداث الأخيرة أن تركيا تريد الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من جهة، وروسيا من جهة أخرى، حسبما كتب وزير الخارجية التركي السابق يسار ياكيش يوم الأحد.

قال ياكيش في مقال له في "عرب نيوز" إن علاقات أنقرة مع واشنطن وموسكو كانت "لعبة محصلتها صفر" لعقود، مع تحسن العلاقات التركية الروسية تحسنت العلاقات التركية الأميركية، والعلاقات بين تركيا والناتو تراجعت، والعكس صحيح.

اليوم، تركيا حريصة على إرساء سياسة أكثر استقلالية داخل الناتو، وفقًا لوزير الخارجية السابق، الذي قال إنّ هذه السياسة "تدفعها إلى الزاوية". وكتب أن "الناتو، بناءً على تحريض من واشنطن بشكل أساسي، يضغط على تركيا لتبني سياسة أكثر وضوحًا وتحديد الموقف الذي تريده بشكل صحيح في التوازن بين الناتو وروسيا". من جانبها، لا تتوقع موسكو أن تتبنى تركيا مثل هذه السياسة الواضحة. إنها سعيدة بسياسة أنقرة المستقلة قليلاً، طالما أن هذا لا يتعدى على مصالحها". وتشير الأحداث الأخيرة إلى أن سياسات تركيا انتهكت بالفعل مصالح موسكو.

القضية الأكثر حساسية التي يحددها ياكيش في العلاقات التركية الروسية في الوقت الحاضر هي الأزمة في أوكرانيا، حيث تنتقد روسيا خطاب تركيا فيما يتعلق بضمها لشبه جزيرة القرم وعلاقاتها العسكرية المتنامية مع كييف.

وإلى جانب الانضمام إلى الإجماع الدولي في إدانة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، أثارت أنقرة أيضًا قضية تتار القرم. هذه المجموعة العرقية لها روابط عرقية وثقافية بتركيا. وزعمت وزارة الخارجية التركية الشهر الماضي أن أتراك تتار القرم يواجهون صعوبات بسبب ضم روسيا وأن تركيا تقف إلى جانبهم.

وكان رد فعل روسيا على ذلك قويا. حتى أن المتحدث باسم وزارة الخارجية ذهب إلى حد التحذير من أن روسيا يمكن أن "تولي اهتمامًا لمشاكل مماثلة في تركيا" إذا استمرت أنقرة في إصدار مثل هذه التصريحات حول شبه جزيرة القرم، في ما يؤكد ياكيش أنه "يجب أن يكون إشارة واضحة إلى مشكلة تركيا الكردية".

ويؤكد ياكيش أن التتار عانوا من "مشقة لا توصف" ويؤكد أن هذه المشكلة كانت موجودة قبل ضم روسيا عام 2014 عندما كانت شبه جزيرة القرم جزءًا من أوكرانيا. وكتب "ما إذا كان ضم شبه جزيرة القرم من قبل روسيا تسبب في معاناة إضافية للتتار أمر مشكوك فيه". وأضاف إنّه "بغض النظر عن عدم قبول الضم، لا نعرف ما إذا كانوا سيكونون أكثر سعادة كمواطنين أوكرانيين أو روس".

يشك ياكيش بشدة في أن روسيا ستغادر شبه جزيرة القرم، نظرًا لاستراتيجيتها البحرية. في ضوء هذا الواقع، يفترض أنه إذا أرادت تركيا حماية حقوق التتار وقضيتهم، فإن "السياسة الأكثر منطقية ستكون التعاون والتفاوض مع روسيا".

والعامل الآخر الذي يفسد العلاقات بين أنقرة وموسكو هو التعاون العسكري التركي الأوكراني، حيث باعت تركيا مؤخرًا طائرات مسلحة بدون طيار إلى كييف، الأمر الذي أثار استياء موسكو كثيرًا.

وردا على ذلك، أوقفت روسيا الرحلات الجوية المدنية إلى العديد من الوجهات السياحية في تركيا. تدعي موسكو رسميًا أن هذا رد على عدد حالات كوفيد-19 في تركيا، والتي يعتقد ياكيش أنها مجرد ذريعة. وكان من المفترض أن تستأنف الرحلات الجوية في 1 يونيو، لكن روسيا مددت تعليقها حتى 21 يونيو. يتوقع ياكيش أن "أي تعليق آخر من شأنه أن يتسبب في ضرر كبير لصناعة السياحة في تركيا".

كتب ياكيش أن تركيا حسبت أنها بحاجة إلى القيام بإيماءات "مهما كانت شكلية، لإعادة التوازن في علاقاتها مع روسيا"، ونتيجة لذلك، دعت تركيا إلى أن "يخفف" الناتو من انتقاداته لبيلاروسيا، الحليف الوثيق لروسيا، بسبب قيامها مؤخرًا بمنع طائرة ركاب لاعتقال صحفي معارض، واعتبر ذلك "بادرة حسن نية تجاه موسكو" وسط العلاقات المتوترة.

ومن ناحية أخرى، لتحقيق التوازن في العلاقات مع الولايات المتحدة قبل اجتماع أردوغان في 14 يونيو مع بايدن، ادعت تركيا أن الفنيين الروس الذين يساعدونها في تشغيل نظام الدفاع الجوي الروسي إس-400 قد تم إرسالهم إلى بلادهم كبادرة حسن نية إلى واشنطن. ومع ذلك، ناقضت روسيا هذا الادعاء، قائلة إنهم سيغادرون تركيا لأنهم أنهوا عملهم. وكتب ياكيش: "ربما لم يكن بايدن معجبًا بهذه الإيماءات التجميلية".