أحوال تركية
يوليو 12 2019

هل تنجح تركيا بتحويل العراق إلى حديقة خلفية لها

إسطنبول - تسعى الحكومة التركية إلى استغلال العراق وتحويله إلى حديقة خلفية لها من أجل التهرّب من أيّة عقوبات أميركية محتملة عليها على خلفية شرائها منظومة صواريخ إس-400 الروسية، وتراها تعمل على تحويل العراق إلى ممر تجاري لها للوصول إلى الخليج العربي بتيسير ومساعدة من حليفتها قطر التي تعيش عزلة في محيطها الخليجي والعربي، بحسب ما يلفت مراقبون.  

ويحذر عراقيون من أنّ تركيا تعبث بنسيج العراق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لبلورته وتوظيفه وفق مصالحها، ويتساءلون عمّا يمكن أن يحصل على الأرض العراقية من مشاريع تدعم الاقتصاد التركي، وتقوم بتسخير الطاقات والقدرات العراقية لمصلحته.

وتنظر تركيا وإيران الآن إلى العراق كمصدر للعملة الصعبة ومنطقة مناورة مالية لغسيل الأموال والتهرب من العقوبات، خصوصا وأن العقوبات الأميركية آتية لتركيا إذا هي انساقت في موضوع أس-400، وظلّت على موقفها الرافض للدعوات والتحذيرات الأميركية لها بوجوب عدم حيازة منظومة الصواريخ الروسية التي تتعارض مع أنظمة أسلحة الناتو، والأسلحة الأميركية، ولاسيما مقاتلات إف35 التي أعلنت واشنطن إيقاف إرسالها لتركيا.  

شكوك كثيرة من هذا القبيل تثار في الشارع العراقي، ولاسيما بعد انتقال عدد من الشركات التركية إلى العراق، والعمل على مشاريع مثل سكك حديدية، وتفعيل اتفاقيات تؤمن للأتراك والإيرانيين خطوطاً بحرية وبرية مشتركة، تفيد بالنهاية تهرّب إيران من العقوبات، وفي الوقت نفسه تتعارض مع العداء التركي للعراق، إن كان في مجال استهداف الأكراد أو اختراق المجتمع العراقي..

وتهيّئ المشاريع التركية في الوقت نفسه بنية تحتية لأنقرة لتتملص من أية عقوبات أميركية بسبب أزمة أس-400، أو أية عقوبات أوروبية على خلفية الأزمة القبرصية، والتوترات والتهديدات التركية لقبرص والتنقيب في المتوسط، رغم معارضة قبرص والاتحاد الأوروبي لذلك.

بالموازاة مع رؤية تركيا للعراق كملاذ اقتصادي، فإن العراق يعتبر عقدة تجارية وممرّاً مهماً للوصول التركي إلى الخليج على طريق سهل، ومن مسافة قريبة، ولا يستبعد مراقبون للشؤون التركية أن يكون هناك تشجيع ودعم لها من قبل قطر الحليفة لها.  

تحرص تركيا على التدخل بالشؤون الداخلية للعراق
تحرص تركيا على التدخل بالشؤون الداخلية للعراق

ولتركيا باع في غسيل الأموال، والتهرّب من العقوبات الأميركية والالتفاف عليها، وما تزال قضية بنك خلق، وعمليات التهرّب عبر التحويلات المالية التي كانت تجري فيه، حاضرة ومتجددة، ولم يتمّ إغلاق الملفّ بعد، وذلك على الرغم من تدخلات الرئيس التركي المباشرة، ودفاعه المستميت عن المتورطين بتلك العمليات والتحويلات.

ومع أن العراق احتلّ في العام الماضي المرتبة الرابعة بين أكثر البلدان استيرادا من تركيا، بحسب ما نقلت الأناضول عن إسماعيل غولا رئيس مجلس المصدّرين الأتراك الذي ذكر أن ما يصل إلى 12 ألف شركة تركية في مختلف القطاعات، تصدّر منتجاتها حاليا إلى العراق، إلا أنّ الساحة العراقية تحظى بأهمية كبيرة لدى تركيا، ليس من الناحية الاقتصادية فحسب، بل من الناحية الجيوسياسية التي تشكل مصدر قلق لتركيا التي تمر بعدة أزمات سياسية واقتصادية.

ويلفت محللون اقتصاديون أنه يمكن للشركات التركية أن تحقق فوائد كبيرة من الانتقال إلى العراق، لتتجاوز الكثير من العقبات بالاقتراب من أحد أكبر أسواقها الإقليمية، في ظل استقرار العملة العراقية المربوطة بالدولار، والتي تسمح باستقرار سياسات الإنتاج والتصدير إلى بلدان أخرى.

ويشيرون إلى أنه في المقابل يمكن لهجرة الشركات أن تعمق الأزمات التركية الناجمة بشكل أساسي عن السياسات المالية الملتوية، التي تعتمدها حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، إضافة إلى تصعيد المواجهات مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول المنطقة.

ودأبت تركيا على التدخل بالشؤون الداخلية للعراق، والتعاطي مع المكونات السياسية والإثنية العراقية بشكل منفصل، والتنسيق معها ودعم بعض الأطراف من أجل الحصول على نسبة أكبر في التمثيل الحكومي وإدارة البلاد، وتواصل استغلال التقسيمات الطائفية والعرقية لإحداث تغيير يوافق مصالحها في الجغرافيا السياسية العراقية، وتتسبب بزيادة أوضاع العراق تعقيدا، وخاصة عبر الملفين الكردي والتركماني.

وفي مايو الماضي زار رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي أنقرة واتفق مع الرئيس أردوغان على تعزيز تعاون شامل في المجالين الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وحاول أردوغان تحميل العراق الجميل بالقول إن المستثمرين الأتراك لم يتخلوا عن العراق بعد عام 2003، حتى وسط مناخ الإرهاب، وساهموا في إعادة إعمار العراق. وأكد أن بلاده تستهدف الوصول بحجم التجارة بين البلدين إلى 20 مليار دولار، وأن هذا الحجم ليس كافيًا.

وذكر أردوغان أنه اتفق مع عبدالمهدي على إنشاء ممر تجاري يمتد من الأراضي التركية إلى جنوبي العراق. وأعرب عن رغبة بلاده في إثراء علاقات تركيا مع كافة مناطق العراق عبر إعادة تفعيل قنصلياتها، وافتتاح أخرى تدريجيًا. وأشار إلى إمكانية إسهام بلاده في تلبية احتياجات العراق على المدى القريب بمجال الطاقة الكهربائية، وذلك على الرغم من أنّ أنقرة تقوم بتعطيش العراق، وابتزازه عن طريق منع مياه دجلة عنه، وإنشاء سد إلسو الذي يهدد بتجفيف العراق وحرمانه من حقوقه المائية.