هل تنجح تركيا في إقناع واشنطن باستخدام الجولاني ضدّ "قسد"؟

واشنطن / القاهرة – ذكر المحلل سيث فرانتزمان في جيروساليم بوست أن المبعوث الأميركي السابق لسوريا جيمس جيفري ومسؤولين آخرين في واشنطن، يعتبرون الجماعات المتطرفة مثل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) بمثابة "أصول" للسياسة الأميركية في سوريا.
وبالعودة لحوار صحفي أجري مؤخراً مع زعيم الهيئة أبومحمد الجولاني، قال فرانتزمان إن المتطرفين يمثلون أنفسهم، إلا أنهم لا يشكلون تهديدًا لأمن أوروبا والولايات المتحدة.
وقال: "إنهم يبيعون أنفسهم للغرب الآن"، لكنه حذّر في نفس الوقت من أن تنظيم داعش خرج أيضًا من هذه البيئة والفكر نفسه، ثم انتقل إلى مرحلة ارتكاب الإبادة الجماعية بحق الأقليات، ومن ثم شن عمليات إرهابية في العديد من دول العالم لاحقًا. "
ووفقًا لفرانتزمان "من غير الواضح لماذا ستقود الولايات المتحدة تحالفا ضد داعش من ناحية، ثم تتعامل بعد ذلك بشكل مختلف مع الجماعات التي تشبه تنظيم الدولة الإسلامية، وعلى أنها مصدر قوة من ناحية أخرى"، مُلمحاً إلى وجود تضارب في السياسة داخل إدارات مختلفة في حكومة الولايات المتحدة.
وقال إنّ بعض أعضاء وزارة الخارجية الأميركية كانوا مقربين من تركيا، وكانوا "يسخرون علانية من البنتاغون والمكون العسكري للتحالف بقيادة الولايات المتحدة".
وبرأيي المحلل، فإنّ هذا قد يعني في ساحة المعركة السورية أنه يمكن استخدام هيئة تحرير الشام "كأداة" ضدّ قوات سوريا الديمقراطية "قسد" المدعومة من الولايات المتحدة.
وبعث أبومحمد الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام برسائل إلى الولايات المتحدة تحاول إظهاره كشخص معتدل يمكنه المساهمة في عملية التوصل إلى تسوية نهائية للأزمة السورية، وذلك بالتزامن مع رسائل تركية إلى واشنطن، ما يكشف عن خطط تركية لضمان إعادة تموضع أنقرة في المعادلة السورية عبر الترويج لمشروع سلام من خلال مناطق آمنة في الشمال السوري.
وبحسب صحيفة "العرب" اللندنية واسعة الانتشار، فقد كشف التزامن بين الرسائل الموجهة مؤخرا من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأبومحمد الجولاني إلى واشنطن وعواصم أوروبية عدّة عن خطط لخلق فرص إعادة تموضع أنقرة في الأزمة السورية عبر طرح مشروع سلام يمكنها من استثمار الغرب في المناطق الآمنة بالشمال السوري.
وقالت الصحيفة في مقال لها اليوم، إنّ حديث زعيم هيئة تحرير الشام في سوريا أبومحمد الجولاني الأخير بشأن عدم تهديد حركته للولايات المتحدة وأوروبا، لم ينفك عن مضمون رسائل الرئيس التركي التي يحث خلالها الولايات المتحدة وأوروبا على التعاون، كمنطلق لتحقيق أهدافه المعطلة في الشمال السوري وإزاحة ما يُعيق التوفيق بين نظامه وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن.
الجولاني الذي يرغب في تقديم نفسه بمظهر عصري محاولا إزالة صورته النمطية كقيادي لتنظيم متطرف من أذهان الغرب وتقديم نفسه كلاعب سياسي معتدل، أكد خلال الحوار الذي أجرته معه صحيفة “فرونت لاين” الأميركية أن تنظيمه “لا يشكل أي تهديد أمني أو اقتصادي للولايات المتحدة والدول الغربية”، طارحا جملة تصورات ضمن محاولاته المتكررة لتبديد مخاوف الغرب من أهداف حركته وأفكارها وارتباطاتها.
 

هل تنجح تركيا في إقناع واشنطن باستخدام الجولاني ضدّ "قسد"؟

استند الحوار المنشور على الشبكة الأميركية وجرى تضمينه بوثائقي عنوانه “داخل سوريا الأسد” على مقابلة جمعت بين الجولاني والصحافي الأميركي مارتن سميث في إدلب عبر تركيا في فبراير الماضي، لكنها نشرت قبل أيام، وفيه طرح الجولاني نفسه بصفته لاعبا محليا معتدلا.
وزعم الجولاني استحقاقه أن يكون طرفا في التسوية السياسية النهائية بسوريا وأن يُرفع اسم تنظيمه من قوائم الإرهاب الدولية، بالنظر إلى التحولات التي يجريها على مستوى الشكل والمضمون من خلال التغييرات التكتيكية التي تهدف للترويج للهيئة بوصفها كيانا سياسيا معارضا لحكومة دمشق، لا بوصفها فصيلا جهاديا متشددا معاديا للغرب.
وتزامن هذا التوجه مع تحركات تركية تحاول إعادة التموضع اصطفافا مع الولايات المتحدة والدول الغربية في الأزمة السورية، على خلفية شعور أردوغان بأن فشله في الوفاء بالتزاماته في الشمال السوري، وتحديدا في إدلب، من شأنه دفع روسيا بالتعاون مع الحكومة السورية إلى الانطلاق بقوة لتغيير المعادلات القائمة هناك على حساب المصالح التركية.
وسبقت مطالبات الجولاني من واشنطن مراجعة مواقفها من حركته، مناشدات أطلقها الرئيس التركي لنظيره الأميركي والرؤساء الأوروبيين عبر مقال له نشرته “بلومبرغ” في منتصف مارس الماضي، عارضا على بايدن التعاون في الملف السوري لكبح روسيا وتصفية الحسابات معها، مشددا على أن السلام في سوريا يعتمد على الدعم الغربي القوي، على أمل تحقيق خططه الخاصة بإنشاء منطقة آمنة وإعاقة روسيا في إدلب.
وسعي هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) المصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية منذ العام 2013 لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية مرتبط بالترويج للاستدارة التركية باتجاه الغرب لتثبيت مكاسب أنقرة وتعظيمها في الشمال السوري، وبمساعيها بشأن إذابة الخلاف مع إدارة بايدن المتعلق بالممارسات ضد المكون الكردي.
وتحرص أنقرة على وضع حد للتلويح بورقة هيئة تحرير الشام باعتبارها جزءا من القوى التابعة والموالية لتركيا بسوريا من خلال الإصرار من قبل الولايات المتحدة على إبقائها كمنظمة إرهابية، كأداة لإجبار تركيا في المقابل على قبول الحوار مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني المسيطر على شمال شرقي سوريا وتصنفه أنقرة إرهابيا كفرع لحزب العمال الكردستاني.
وينطوي طرح أنقرة لصيغة تعاون وتنسيق مع واشنطن والعواصم الأوروبية متضمنة احتواء وقبول هيئة تحرير الشام وهو ما وضح من مطالبة أردوغان الغرب بدعم المعارضة السورية الشرعية واتخاذ موقف واضح من وحدات حماية الشعب الكردية، على مخطط تركي لإزاحة الأكراد من المعادلة بحيث لا تُستخدم هيئة الجولاني كأداة للمقايضة في سبيل الضغط على أنقرة للاعتراف بوحدات حماية الشعب والحوار معها.
عرض الرئيس التركي صيغة تعاون مع الولايات المتحدة ودول أوروبا بالملف السوري لم يجبره على تغيير تكتيكاته التي استخدمها أثناء تعاونه مع موسكو منذ العام 2016، حيث يريد المُضي في شن عمليات عسكرية على الأكراد، مقابل تثبيت نفوذ حلفائه الجهاديين. واقتضى هذا التحول إقناع الأتراك للقوى الغربية بحلول سياسية لمعضلة الجهاديين وهيئة تحرير الشام في إدلب عبر الترويج للأخيرة بوصفها قادرة على فرض الاستقرار وتثبيت وقف إطلاق النار واحتواء وتحجيم الفصائل المسلحة الأخرى.
ومنحت أنقرة قادة هيئة تحرير الشام الضوء الأخضر لإبداء العديد من التغييرات في الشكل ومضمون التوجهات، بهدف كسب أطراف وجهات دولية تتبنى التطبيع مع الهيئة ورفعها من قوائم الإرهاب، كي لا تُتهم تركيا إذا قامت بذلك بشكل أحادي بدعم الجهاديين وغسل سمعتهم.