هل تنطلق مجدداً عملية السلام الكردية في تركيا؟

من خلال السماح بشكل غير متوقع لمحاميي زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بزيارته في سجنه والسماح بزيارة عائلته فيما بعد، أثارت الحكومة التركية جدلاً بشأن إمكانية إحياء عملية السلام لإنهاء الصراع المستمر منذ 35 عاماً.

ينظر المتشككون إلى هذه الخطوات على أنها خدعة من الرئيس رجب طيب أردوغان للفوز بأصوات مئات الآلاف من الناخبين الأكراد في إسطنبول، والذين ردوا على سياسة "العصا" التي انتهجها الرئيس في السابق بالتصويت لمرشح المعارضة لرئاسة البلدية في انتخابات الحادي والثلاثين من مارس، من خلال عرض "الجزرة" عليهم قبل إعادة الانتخابات في الثالث والعشرين من يونيو.

وفي أعقاب إعلان فوز المرشح أكرم إمام أوغلو بفارق أقل من 14 ألف صوت من أصل أكثر من ثمانية ملايين صوت، ألغى مجلس الانتخابات التركي هذه النتيجة وأمر بإعادة إجراء الانتخابات البلدية بعدما زعم حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان حدوث مخالفات.

وستكون خسارة السيطرة على بلدية إسطنبول بمثابة ضربة كبرى لمكانة أردوغان إذ أنه بدأ صعوده إلى السلطة عندما اُنتخب لرئاسة بلدية المدينة في عام 1994 وشغل أنصاره هذا المنصب منذ ذلك الحين.

وقد نفى محامو أوجلان والمسؤولون الأتراك مراراً وتكراراً أن الاجتماعات الأخيرة لها أي علاقة بانتخابات إسطنبول، لكن وسائل التواصل الاجتماعي والمعلقين في الصحف تكهنوا بأن أوجلان والحكومة أبرما اتفاقاً لمساعدة حزب العدالة والتنمية على الفوز في انتخابات الثالث والعشرين من يونيو.

وقال خاقان طهماز من مؤسسة السلام، وهي منظمة تركية غير حكومية تعمل على السلام والمصالحة، إن من الطبيعي أن يحاول الحزب الحاكم استخدام الزيارات للفوز بأصوات الأكراد، لكن من غير المرجح أن يغير الأكراد تأييدهم.

وأردف طهماز قائلا "لن يهتم الناخبون الأكراد الذين صوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية في الماضي بما يقوله أوجلان"، في إشارة إلى الكتلة الكبيرة من الأكراد المحافظين المعارضين بشدة لحزب العمال الكردستاني. وفي الوقت نفسه، قال طهماز إن حزب العدالة والتنمية قد يحلم فحسب بالفوز بأصوات بقية السكان الأكراد، الذين يدعمون حزب الشعوب الديمقراطي بشكل عام.

وقال البروفسور فرحات كنتيل من جامعة إسطنبول شهير "لا يوجد أشياء مطلقة في السياسة. يمكن أن تتغير الموازين والتحالفات المحلية والأجنبية دائماً. يمكن لتركيا أن تتبع مرة أخرى هذا الطريق الذي يطلق عليه عملية السلام". لكنه قال إن القتال المرير الذي أعقب انهيار وقف إطلاق النار الذي استمر لمدة عامين في عام 2015 قد أدى إلى انعدام الثقة التي لا يمكن استعادتها بسهولة.

وبعد لقائهم الأول مع أوجلان في الثاني من مايو، قرأ محاموه بياناً من زعيم حزب العمال الكردستاني قال فيه إن المصالحة في تركيا أصبحت ضرورية أكثر من أي وقت مضى. وقال أوجلان إنه وقف وراء دعوته في عام 2013 لوقف إطلاق النار. أدى تركيز زعيم حزب العمال الكردستاني على الديمقراطية والمصالحة إلى زيادة الشائعات عن تخفيف محتمل في سياسة حزب العدالة والتنمية.

وقال يكتان تركي يلمظ، وهو زميل بعد درجة الدكتوراه في منتدى الدراسات الإقليمية، وهو مؤسسة بحثية مقرها برلين، إن أوجلان استخدم عن عمد عبارات غامضة من أجل قياس رد الفعل على دعواته.

وتابع تركي يلمظ قائلاً "عندما انتهت عملية السلام، كان الوضع أسوأ مما كان عليه قبل بدء عملية السلام. عندما تنظر إلى درجة وأثر وتدمير العنف الذي تلا ذلك، ترى صورة لا يمكن أن تُضاهى". ونتيجة لذلك، أصبح الجانب الكردي حذراً للغاية الآن، على حد قول تركي يلمظ.

وقد أقام جناح الشباب في حزب العمال الكردستاني حواجز في المدن في جنوب شرق تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية في أواخر عام 2015 بعد أن أعلن قادة المجموعة الانفصال عن الحكومة المركزية. أرسلت قوات الأمن الدبابات وسوت أجزاءً من المدن بالأرض. وقُتل كثيرون من المدنيين في المعارك التي نشبت في الشوارع المكتظة بالسكان.

كانت محادثات السلام التي بدأت في عام 2009 وانتهت في عام 2015 عبارة عن مفاوضات مغلقة بين حزب العمال الكردستاني والحكومة، والتي لم تسع للحصول على دعم المعارضة. وقال سيزاي تيميلي، الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي، إن القضية الكردية لا يمكن تركها الآن لحزب العدالة والتنمية بمفرده. وأضاف "سيكون هناك المزيد من المؤسسات والوكالات حول طاولة السلام. ثمة حاجة إلى دستور جديد. نحن نحافظ دائماً على آمالنا في السلام".

وقال طهماز إن بيان أوجلان بعد اجتماع الثاني من مايو لم يكن موجهاً إلى حزب العدالة والتنمية وحده. وتابع طهماز قائلاً "إنها رسالة للمعارضة والحركة السياسية الكردية والحكومة والقوى الدولية". وأضاف أن الجهود قد تفتح الطريق في الوقت المناسب لعملية سلام جديدة. وقال "تبدأ عمليات السلام في لحظات تبدو شبه مستحيلة".

كانت الحرب الأهلية السورية عاملاً مهماً أدى إلى انهيار محادثات السلام في عام 2015. فقد استولت القوات الكردية السورية في سوريا على معظم شمال شرق البلاد بمساعدة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لقتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ترى تركيا أن القوات الكردية السورية - وحدات حماية الشعب الكردية - تمثل امتداداً لحزب العمال الكردستاني.

وتنفي وحدات حماية الشعب الكردية أي صلات بحزب العمال الكردستاني، لكن كلاهما ينتمي لنفس المنظمة الكردية الأكبر، وتعترف وحدات حماية الشعب بأن أوجلان زعيمها الفكري.

ومنذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أواخر العام الماضي أنه يعتزم سحب القوات الأميركية من سوريا، بدأت وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية التي تهيمن عليها الوحدات محادثات مع الرئيس السوري بشار الأسد لطلب الحماية إذا شنت تركيا هجوماً على الأراضي الخاضعة لسيطرة الأكراد.

وفي أعقاب لقائه الثاني مع محاميه في الثاني والعشرين من مايو، دعا أوجلان قوات سوريا الديمقراطية إلى الامتناع عما وصفه "بثقافة الصراع" والإبقاء على "حساسيات تركيا في الاعتبار".

وقال قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني يوم السبت إنه مستعد للدخول في حوار مع كل من تركيا والحكومة السورية.

وأردف كوباني قائلاً "بنموذج الزعيم أوجلان، هزمنا أيديولوجية داعش الإرهابية والفاشية. ولهذا السبب، نعتقد أن الزعيم أوجلان سيكون له دور كبير في حل الأزمة السورية".

وقال طهماز إن التطورات في سوريا فرضت ضغوطاً على تركيا لتغيير سياستها بشأن الأكراد وإن أنقرة قد تسعى إلى التعاون مع أوجلان للمساعدة في حل القضية.

وقال واهب جوشكون، الأكاديمي بجامعة دجلة في مقاطعة ديار بكر بجنوب شرق تركيا، إن تحركات الحكومة كانت مرتبطة بسوريا أكثر من إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في الثالث والعشرين من يونيو.

وأضاف "ثمة تطورات مهمة في سوريا. أعتقد أن شائعات عملية السلام المنتشرة مرتبطة بشكل مباشر بتلك التطورات". وقال إن هناك محادثات مباشرة وغير مباشرة بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية بشأن مصير شمال سوريا لا تزال مستمرة.

واختتم بقوله "يبدو أنه إذا أمكن التوصل إلى اتفاق في سوريا، فقد تبدأ تركيا عملية جديدة من أجل حل القضية الكردية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/abdullah-ocalan/renewed-kurdish-peace-process-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.