هل تقلب المواجهات في ليبيا وسوريا العلاقات الروسية التركية؟

كانت الضربة الجوية التي وقعت في أواخر فبراير والتي أسفرت عن مقتل 34 جنديًا تركيًا في محافظة إدلب السورية بمثابة الهجوم الأكثر دموية على القوات المسلحة التركية منذ عقود، وذكرت تقارير أن روسيا كانت وراء ذلك.

وكنتيجة لذلك، قامت تركيا بتدوير آلة الحرب الخاصة بها رداً على ما حدث، وشنت هجمات على وكلاء مدعومين من إيران في إدلب وأرسلت آلاف الجنود وقوافل المعدات العسكرية لتعزيز موقعها بشكل كبير في آخر محافظة يسيطر عليها المتمردون في سوريا.

ومع ذلك، لم تلاحق حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان القوات الروسية أو تنتقد زعيمها، الرئيس فلاديمير بوتين. وبدلاً من ذلك، بدأ الاثنان في عقد المفاوضات التي استمرت أسبوعاً قبل التوصل إلى اتفاق إدلب لوقف إطلاق النار الذي بدأ العمل به منذ ثلاثة أشهر، وكبح العنف بشكل حاد والسماح لعشرات الآلاف من النازحين بالعودة إلى ديارهم.

وقال أليكسي خليبنيكوف، محلل شؤون الشرق الأوسط في مجلس الشؤون الدولية الروسي، لـ "أحوال تركية" "إنها بداية جيدة للتوصل إلى تسوية أكبر ونهائية".

رأى خليبنيكوف في اتفاق وقف إطلاق النار أنه يسلط الضوء على كيفية نمو العلاقات الروسية التركية واستقرارها منذ تراجعها في أوائل عام 2016، عندما فرضت روسيا عقوبات قاسية ضد تركيا بسبب إسقاطها طائرة روسية على طول الحدود السورية.

ثم اتخذت العلاقات مساراً آخراً عندما التزمت تركيا بشراء أنظمة الدفاع الصاروخية الروسية الصنع "إس 400"، وتجري أنقرة الآن محادثات لشراء طائرات مقاتلة روسية من طراز "إس يو 35". وفي العام الماضي، تضاعف الاهتمام الروسي بقطاع العقارات في تركيا ثلاث مرات تقريبًا وازداد عدد السياح الروس إلى تركيا ليصبحوا الأكبر من حيث العدد من أي جنسية أخرى.

وقال خليبنيكوف "تمكنت الدولتان من إيجاد صيغة عمل مشتركة على الرغم من وجود الكثير من الاختلافات. لقد قررتا عدم التركيز على هذه الخلافات، والتركيز بدلاً من ذلك على الأشياء المشتركة التي تجمعهم".

ومن الأمثلة على ذلك صواريخ "إس 400" الروسية التي اشترتها تركيا على الرغم من الاحتجاجات الأميركية والناتو المتكررة والتهديد بفرض عقوبات أميركية. وفي أواخر أبريل، أعلنت أنقرة عن تأخير تفعيل نظام "إس 400"، مستشهدة بوباء كورونا. وقد جادل المحللون في أن التأخير يتعلق أكثر بشراء الوقت للتفاوض على صفقة مع الولايات المتحدة تتضمن إنقاذًا ماليًا وتجنب العقوبات.

وفي الأسبوع الماضي، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، إن تركيا لا تزال ملتزمة مبدئياً بتفعيل نظام "إس 400"، مما ألمح إلى بعض الغموض. وقال خليبنيكوف إن موسكو لن تكترث لعدم اكتسابها للمعرفة التقنية المحتملة التي يمكن اكتسابها من خلال تشغيل النظام الصاروخي "إس 400" جنباً إلى جنب مع معدات الدفاع الأميركية وتلك التابعة للناتو، لأن هذا لم يكن أبدًا من بين أهدافها.

وقال خليبنيكوف "بالنسبة لروسيا، إنها صفقة منتهية. لقد تلقت مقابل هذه الصواريخ، وهي الآن تستعد لتسليم النظام الصاروخي لتركيا. لا يهم إذن ما إذا كانت تركيا ستستخدمه أو تخزنه فقط في مستودع عسكري".

لا تزال موسكو وأنقرة على طرفي نقيض في الحرب السورية، حيث تدعم روسيا بقوة الرئيس السوري بشار الأسد، بينما تقف تركيا ضده منذ الأيام الأولى للصراع. لكن منذ وقف إطلاق النار في إدلب، تمكن الاثنان من تمديد دورياتهما المشتركة لتأمين امتداد طويل من الطريق السريع "إم 4" الهام شمال غربي سوريا.

وقال خليبنيكوف "تمكنت الدوريات على مدى الشهرين ونصف الشهر الماضيين من الاتساع والتمدد من عدة كيلومترات إلى 25 كيلومترًا. هذا إنجاز مهم، لكن الجزء الأصعب ما زال أمامنا".

وتوقع خليبنيكوف بعض المواجهات في منطقة "جسر الشغور"، وهي منطقة أخرى في نهاية الطريق السريع "إم 4" وتعتبر معقلاً للجماعات الجهادية مثل هيئة تحرير الشام المدعومة من تركيا وحزب تركستان الإسلامي، والذي ورد أنه هاجم قافلة تركية مؤخرا.

واعترف خليبنيكوف بأن عملية وقف إطلاق النار هذه غير فعالة وستحتاج إلى تحديث، لكنه توقع أيضًا أن تستمر، على الأقل على المدى القصير. وفي إشارة إلى حشد تركيا لحوالي 15 ألف جندي و6 آلاف وحدة عسكرية، رأى خليبنيكوف فرصة ضئيلة لاستئناف الأسد هجوم إدلب في أي وقت قريب.

وقال "سيكون عملاً انتحارياً إذا قام الأسد بعملية عسكرية كاملة ضد الأتراك. لن يستطيع الأسد محاربة الجيش التركي في إدلب علانية بدون دعم روسي، وسيدرك أن روسيا لن تقاتل الجيش التركي، لأن ذلك غير مقبول". 

ولكن رأى خليبنيكوف طريقا واحدا لتجديد العنف. حيث بعد افتتاح الطريق السريع "إم 4"، وإذا فشلت تركيا في التزامها، كجزء من صفقة سوتشي، بفصل المتمردين المتطرفين عن المعتدلين وإنهاء وجود "هيئة تحرير الشام" في إدلب، فقد يكون لدى روسيا سبب وجيه لبدء عمليات محدودة مع القوات السورية.

وتوقع ريان بول، محلل شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤسسة ستراتفور الاستشارية، أن تواصل القوات التركية فصلها بين المتمردين، حيث جعلت المشاكل الاقتصادية العميقة التي تواجهها تركيا بالإضافة إلى الوباء حكومتها أكثر خوفاً من المخاطر وبحاجة إلى حلفاء.

وقال بول لـ "أحوال تركية" "في سوريا، على وجه التحديد، يدفع الأتراك إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة مع هيئة تحرير الشام والمجموعات المتطرفة الأخرى. يهتم الأتراك الآن أكثر بالتأكد في أن هذه الجماعات لن تخل بعلاقتها مع روسيا، حيث تشعر تركيا بالقلق بشأن جميع العلاقات التجارية والسياحية بينها وبين روسيا".

وتظهر ليبيا كمسرح آخر للصراع بين الدولتين، حيث عززت تركيا في الأشهر الأخيرة دعمها العسكري لحكومة الوفاق الوطني الواقعة في طرابلس، مما ساعد على تحقيقها لتقدم على الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر المدعوم من الإمارات وفرنسا ومصر وروسيا.

ومع بدء تدخل تركيا في تحويل مسار الأمور، يبدو أن روسيا تضاعف من دعمها بدليل ظهور طائرات مقاتلة من طراز "إم آي جي 29" الروسية في الشهر الماضي في ليبيا. وتقول موسكو إنها لم ترسل الطائرات وأصرت على إنكار تورطها في ليبيا، وذلك عن طريق إرسال المرتزقة من مؤسسة فاغنر غروب الخاصة. توقع خليبنيكوف أن تستمر روسيا في دعم حفتر، ولكن ليس إلى حد إنهاء الحرب.

وقال خليبنيكوف "لا أعتقد أن روسيا تريد إلقاء كل ثقلها على حفتر وجعله يفوز لأنها بحاجة إلى الحفاظ على دور الوسيط هذا"، مضيفًا أن روسيا قدمت أيضًا بعض الدعم لحكومة الوفاق الوطني وسعت بشكل رئيسي إلى الوصول إلى نهاية الطريق، "إن الطريقة الوحيدة للتوصل إلى تسوية دائمة هي محاولة إيجاد حل وسط بين الأطراف المتحاربة".

وكما هو الحال في سوريا، تجنبت روسيا وتركيا إلى حد كبير المواجهة المباشرة في ليبيا، لكنهما لا تزالا تقفان في أهداف متقاطعة، خاصة وأن أنقرة تهدف إلى التخلص من حفتر وتبدو وكأنها مستميتة في الدفاع عن اتفاق حدودها البحرية مع حكومة الوفاق الوطني. أعلنت تركيا مؤخرا عن خطط لبدء الحفر الاستكشافي قبالة سواحل ليبيا.

كما أطلقت هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية موقعًا إخباريًا باللغة الروسية بهدف محاربة التضليل والتلاعب من خلال الصحافة. رأى المراقبون أن هذه الخطوة هي جزء من حرب معلومات ناشئة، حيث تهدف روسيا وتركيا إلى تقديم وجهات نظرهما الخاصة حول سوريا وليبيا وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك، مثل الطاقة وشرق المتوسط.

ونشرت وكالة أنباء سبوتنيك الحكومية الروسية مرارا قصصاً أغضبت الحكومة التركية، مثل واحدة في فبراير زعمت أن تركيا سرقت محافظة هاتاي التركية من سوريا من قبل. وعلى الرغم من هذه المعارك الروسية التركية الناشئة في سوريا وليبيا وعلى الإنترنت، شعر خليبنيكوف بالثقة في أن العلاقة ستبقى قوية وإيجابية. وقال "تبنون الثقة والتعاون ليس بين عشية وضحاها - يستغرق الأمر شهورا وسنوات لبناء ذلك"، مضيفا أن كلا الجانبين يدركان أنه لا تزال هناك مخاطر حقيقية. وأضاف خليبنيكوف "بالنظر إلى استثمار الدولتين في تطوير علاقاتهما على مدى السنوات الماضية، فإنهما تعلمان أنهما لديهما الكثير لتخسراه". 

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/russia-turkey/might-face-offs-libya-syria-upend-russian-turkish-relations