هل تركيا حليف موثوق به للولايات المتحدة؟

هل تحظى تركيا بصفة الحليف الموثوق للولايات المتّحدة في المنطقة؟ إلى أيّ حدّ يمكن للشريكين والحليفين في الناتو أن يواصلا تعاونهما الاستراتيجي والعسكري في ظلّ الظروف والمستجدات الراهنة؟ ألا تحتاج الولايات المتحدة بعد الآن لتركيا في الشرق الأوسط؟

ويكمن ردّ الولايات المتحدة على هذه الأسئلة أو أسئلة مشابهة وراء وصف الرئيس الأميركي بايدن للأحداث التي وقعت خلال عمليات ترحيل الأرمن عام 1915 بأنها "إبادة جماعية"، وذلك بحسب ما قال الكاتب التركي محمد يلماز في مقال منشور له اليوم الثلاثاء في موقع تي24 التركي.

يبدو أنّ أنقرة تواجه أزمة حقيقية في علاقاتها مع الولايات المتّحدة، ولاسيّما أنّ محاولاتها لرأب الصدع، وتخفيف حدّة الاحتقان تبوء بالفشل مرّة تلو أخرى، ولم تجدِ محاولة أنقرة لتعزيز أوراقه لدى واشنطن بإظهار نفوذه في البحر الأسود، ودخوله على خطّ الازمة الروسية الأوكرانية، كما لم تنجح محاولات ثني الرئيس بايدن عن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في عهد الإمبراطورية العثمانية، بحسب ما يلفت محللون.

وتبذل واشنطن وأنقرة جهدا مضنيا لإصلاح العلاقات التي تصدعت في السنوات الماضية بسبب عدد من القضايا من بينها قيام تركيا بشراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس-400 الذي كان من شأنه فرض عقوبات أميركية على أنقرة بالإضافة إلى خلافات بشأن سياسة كل منهما في سوريا ونزاعات قضائية.

وأشار يلماز إلى أنّه بالنسبة لأولئك الذين يبحثون عن إجابة سريعة دون مزيد من اللغط، فإنّ الولايات المتحدة لا تنظر إلى تركيا على أنها حليف موثوق بها، وتعتقد أنه يمكن تحقيق ذلك بسهولة إذا دعمت تركيا عند سؤالها، ويمكن القول إنه لا يمكن تقييم السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة في المنطقة لفترة طويلة من حيث التحالف.

ولفت إلى أنّ عدد من الملفات الخلافية بين الجانبية، منها شمال المنطقة الكردية الشمالية في سوريا، والتي تحظى باهتمام خاص من واشنطن التي لا تتراجع خطوة إلى الوراء دعمها لها، وهذه القضية هي بالنسبة لتركيا "قضية وجود". كما لفت إلى أنّ الأولوية الأميركية في هذا الشأن ليست مخاوف تركيا.

وذكر الكاتب أنّ صفقة شراء منظومة صواريخ إس-400 الروسية، أدّت إلى إحداث شرخ في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، وهي طريقة سهلة للغاية للمشكلة التي كان يمكن حلها، وتمّ تحويلها إلى أزمة خطيرة، واستبعاد تركيا من برنامج إف-35، والتكليف بفرض عقوبات يمكن تكرارها في مناطق مختلفة من هذا التحذير.

ونوّه إلى أنّ من الواضح أيضًا أن القصر الرئاسي لم يكن لديه الخبرة والمعرفة الدبلوماسية لإدارة هذه المشكلة، والتي لا يمكن التغلب عليها إلا بدبلوماسية صبورة ومتطورة.

وربما تشمل خيارات تركيا للانتقام من الوصف التاريخي من جانب الرئيس الأميركي جو بايدن للقتل الجماعي للأرمن إبان الحقبة العثمانية بالإبادة الجماعية، تعليق اتفاق دفاعي مهم مع الولايات المتحدة حسبما ذكر مسؤول تركي على صلة بالأمر.

التحرك من جانب بايدن يعد رمزيا إلى حد كبير
التحرك من جانب بايدن يعد رمزيا إلى حد كبير

وذكرت وكالة بلومبرغ للأنباء أنه في حين أن هذا التحرك من جانب بايدن يعد رمزيا إلى حد كبير، إلا أنه يرسي نهج الإدارة في العلاقات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي من المتوقع أن يقوم بتقييم الخلاف بعد ترؤسه اجتماعا لمجلس الوزراء الاثنين.

يذكر أنه منذ الرئيس الراحل رونالد ريجان لم يستخدم أي زعيم أميركي هذا المصطلح خوفا من أن يترتب على ذلك جفوة مع تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وأفادت بلومبرغ بأن مسؤولا رفيعا بإدارة أردوغان على دراية كبيرة بالمداولات التركية بشأن هذا الأمر ذكر أن أحد التداعيات لتحدي بايدن للحليف تركيا واستخدامه مصطلح الإبادة الجماعية للأرمن، هو قيام تركيا بتجميد اتفاقية التعاون الدفاعي والاقتصادي، التي جعلت في الإمكان التعاون مع الولايات المتحدة في صراعات إقليمية مثل سوريا والعراق وذلك منذ التوقيع عليها في عام 1980 .

وسيؤدي تعليق هذه الاتفاقية إلى تهدئة حليف سياسي رئيسي وهو دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية، وتعزيز الدعم بين صفوف الناخبين القوميين في الداخل. لكن تعميق المواجهة مع الولايات المتحدة سوف ينطوي على مجازفة بتقويض الاقتصاد التركي في وقت يشتد فيه وباء كورونا.

وأوضحت بلومبرغ أن الأزمات الأخيرة مع الولايات المتحدة تسببت في أضرار مالية هائلة بالنسبة لتركيا وقد تحد هذه المرة من رد أنقرة.

ودعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الأميركي جو بايدن إلى التراجع بسرعة عن إعلانه أن مذابح الأرمن إبان الإمبراطورية العثمانية عام 1915 إبادة جماعية، وهي خطوة قال إنها تؤثر على العلاقات الثنائية وتضعفها.

وأثار إعلان بايدن التاريخي الذي صدر يوم السبت حنق تركيا العضو مع الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي والتي قالت إن الإعلان "جرح عميق" في العلاقات المتصدعة بالفعل بسبب عدد من القضايا.

وفي أول تصريحات له منذ بيان البيت الأبيض يوم السبت، قال أردوغان إن "الخطوة الخاطئة" ستعيق العلاقات، ونصح الولايات المتحدة "بالنظر في المرآة" مضيفا أن تركيا ما زالت تسعى إلى علاقات "جوار ودي" مع أرمينيا.

وقال أردوغان إنه يتوقع "فتح الباب أمام فترة جديدة" في العلاقات ومناقشة جميع الخلافات مع بايدن خلال قمة حلف شمال الأطلسي في يونيو حزيران. لكنه حذر من أن العلاقات ستتدهور أكثر إذا لم تنجح الدولتان الحليفتان في حل قضايا الخلاف.

وقال "الآن نحتاج إلى تنحية خلافاتنا جانبا والنظر في الخطوات التي بإمكاننا اتخاذها من الآن فصاعدا، خلاف ذلك ليس أمامنا اختيار سوى أن نفعل ما يمليه علينا المستوى الذي انحدرت إليه العلاقات يوم 24 أبريل" مشيرا إلى يوم صدور الاعتراف الأميركي بأن مذابح الأرمن إبادة جماعية.