أحوال تركية
يوليو 22 2019

هل تصبح تركيا الأطلسية جزءاً من الماضي على يد أردوغان؟

أنقرة – هل وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعناده، وسياساته التي توصف بالمتهوّرة، والانفعالية من قبل معارضيه، نهاية لتركيا المنضوية في إطار حلف شمال الأطلسي – الناتو، منذ حوالي سبعين عاماً؟ هل ما نشهده من توتّرات متصاعدة بين تركيا والحلف الأطلسي مجرّد خلافات عابرة أم أنّها تجلّيات أزمة عميقة بدأت منذ استلام حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحكم في تركيا منذ 17 عاماً؟

ما البدائل التي يمتلكها أردوغان بابتعاده عن الناتو؟ هل سيضطرّ إلى طرق باب تجمع "خماسي شنغهاي" الذي تتزعّمه الصين وروسيا؟ وهل يعوّض تجمع شنغهاي الذي يرنو إليه أردوغان ثقل الناتو وتأثيره لأنقرة؟ إلى أيّ حدّ يكون الناتو بدوره مستعدّاً للتخلّي عن تركيا التي تحتلّ مركزاً جيواستراتيجياً مهمّاً، وتعدّ حارساً للبوابة الشرقية له؟ هل يقوم الرئيس التركي بابتزاز حلفائه في الناتو من أجل تمرير مصالحه على حساب شركائه في الحلف؟

بعد أن استبعدت الولايات المتّحدة أنقرة من برنامج طائرة إف-35 الشبح المقاتلة، وبحثها فرض عقوبات عليها بسبب أزمة صفقة منظومة صواريخ إس-400 الدفاعية الروسية التي استلمت أنقرة في الأسبوع الماضي الأجزاء الأولى منها، هل يلجأ حلف الناتو بدوره إلى استبعاد أنقرة وتعليق مشاركته في الحلف؟

يلفت محللون أنّه إذا واجهت تركيا أية عقوبات من جانب الولايات المتحدة، فإنّها تجد أمامها سبيلاً آخر سوى أن تحول وجهها صوب الدول ذات الثقل في آسيا، وأن تسعى إلى تكوين تعاون أوثق مع تلك الدول، ولكن يكون السؤال الأبرز في هذه الحالة، ما الذي سيحدث عندما تدير تركيا وجهها عن الغرب، وعندما تسعى إلى حجز مكان لها بين الدول الآسيوية؟

وهناك خشية لدى بعض الأتراك من أنّ رئيسهم يمضي بهم إلى التهلكة، بتعكيره صفو العلاقات مع الحليفة التقليدية واشنطن، ومع حلف الناتو الذي كان يشكّل الحصن الدفاعي لأنقرة، ويكون الوضع الراهن مذكّراً إيّاهم بواحدة من أكثر الفترات مخاطرةً في التاريخ التركي الحديث، عندما كانت الإمبراطورية العثمانية مضطرّة للاختيار بين أحد الأطراف إبان الحرب العالمية الأولى، اختارت الوقوف إلى جانب ألمانيا التي خسرت الحرب، كان ذاك الاختيار بمثابة الطلقة الأخيرة في نعش الإمبراطورية التي دامت أكثر من أربعة عقود.

وفي الوقت الذي حصلت فيه تركيا، على أولى شحنات النظام الصاروخي الأسبوع الماضي، انتقلت التوترات مع الولايات المتحدة إلى مستوى جديد. وتتهم واشنطن تركيا بالحصول على معدات عسكرية قادرة على تقويض التحالف العسكري، الذي يعدّ روسيا خصماً. ولكن، هل يستحق الخلاف ذلك بالنسبة لتركيا؟

انحرفت أنقرة بعيدا عن حلفائها داخل الناتو
انحرفت أنقرة بعيدا عن حلفائها داخل الناتو

وترى تركيا أنّ من حقّها تعزيز قوّتها الدفاعية، وأنّ هذا قرار سيادي، وأكّد أردوغان أكثر من مرّة أنّ من حق بلاده حماية أمنها القومي، كما أكد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، الخميس، أن إخراج بلاده من برنامج طائرات إف-35، سينعكس سلبا على قوة حلف الناتو. وأضاف "إخراجنا من برنامج إف-35 سيكون له تأثير سلبي على قوة الناتو وخاصة الجناح الجنوبي". من ناحية أخرى، يقول خبير الصناعات العسكرية التركي، أردا مولود أوغلو: "ستكون قدرات النظام إس-400 محدودة للغاية، حيث لن يتم دمجها في نظام رادار الدفاع الجوي لحلف شمال الأطلسي".

وفي الوقت نفسه، يقول خبراء إن شراء نظام إس-400 قد عزز العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وروسيا، حيث انحرفت أنقرة بعيدا عن حلفائها داخل الناتو، لكن مصطفى أيدين، من جامعة "قادر هاس" في إسطنبول، يتبنى رأيا مخالفا. ويقول أيدين: "العلاقة بين تركيا وروسيا مازالت تتطور"، مشيرا إلى حقيقة أن هذه العلاقة شهدت أزمة في عام 2015 بسبب إسقاط طائرة روسية، كما يدعم كل منهما طرفا مختلفا في الحرب السورية. وما زالت روسيا ترى تركيا منافسا جيوسياسياً، بحسب ما يراه خبير الصناعات العسكرية، مولود أوغلو، الذي أضاف أن موسكو لن تفكر في إقامة تحالف دفاعي دائم بصورة أكبر مع تركيا، بسبب وضعها عضوية أنقرة في الناتو.

وكان أمين عام الناتو، ينس ستولتنبرغ، شدّد الأربعاء، على أهمية تركيا وإسهاماتها في الحلف، مؤكدًا أن تعاون الحلف معها "أعمق وأشمل من مقاتلات إف-35 الأميركية. وأوضح ستولتنبرغ أنهم تابعوا عن كثب عملية شراء تركيا للمنظومة الروسية، وأنهم تناولوا هذا الأمر مع الوحدات المعنية داخل الحلف، مضيفًا "أي دولة لها القرار الخاص بها في مسألة شراء الأنظمة الدفاعية التي تريدها، لكن المهم بالنسبة للحلف هو ما إذا كانت هذه الأنظمة تتوافق وظيفيًا مع نظيرتها بالناتو أم لا". وتابع قائلا "وأنظمة (إس-400) التي اشترتها تركيا لن تندمج مع الأنظمة الدفاعية للناتو، وذلك لأن هذه الأنظمة لا يمكن أن تعمل معًا، كما أن تركيا لم تطلب أمرًا كهذا".

ولا تقتصر مشاكل أردوغان على تعليق واشنطن مشاركة بلاده في برنامج إف-35، بل هناك العقوبات التي فرضها الاتّحاد الأوروبي على أنقرة بسبب الأزمة القبرصية، حيث، ردا على عمليات التنقيب التركية الأخيرة قبالة السواحل القبرصية، قام الاتحاد الأوروبي الساعي إلى بديل عن روسيا لإمداده بالغاز، بإقرار عقوبات تشمل اقتطاع 145,8 مليون يورو (164 مليون دولار) من أموال صناديق أوروبية كانت ستوجه إلى تركيا عام 2020.

ويقول خبراء إن تركيا لن تتراجع.. وعقوبات الاتحاد الأوروبي خفيفة، غير مؤلمة، وتركيا تعلم جيدا أنه ليس لديهم أي رغبة في المواجهة. وأنّ أنقرة لن تتراجع ما لم يفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات قاسية تؤذي اقتصادها.. وهذا ما يبدو صعباً، ولاسيّما أنّ حلف شمال الأطلسي والتجارة ومسألة المهاجرين، كلها ذات أهمية كبرى بالنسبة لهم.

إلى أين يقود أردوغان بلاده بممارساته التي توصف بالشعبوية؟ هل يقودها إلى الهاوية بحسب ما ينذر معارضوه، أم إلى القمّة بحسب ما يكرّر أمام جماهيره؟ هل ينقذ بهذه التصرّفات والقرارات اقتصاد بلاده المتهاوي أم تراه يتسبّب له بمزيد من الأزمات؟ أسئلة ستجيب عنها الأيّام القادمة التي يبدو أنّها تحمل الكثير من الأخبار والمفاجآت لتركيا..