هل تصمت أنقرة عن قضية الإيغور أم تضحّي بالاستثمارات الصينية

  إسطنبول – خفتت حدة انتقادات الحكومة التركية للصين فيما يتعلق بقضية الإيغور مجدداً، ويعزو مراقبون ذلك نتيجة للأزمة الاقتصادية في البلاد، وتدهور العلاقات مع الغرب عموما، وسعي أنقرة للحفاظ على حد أدنى من العلاقات الطبيعية مع الصين، وذلك على الرغم من تأثيرات سلبية محتملة لهذا الموقف على الانتخابات المحلية نهاية الشهر الجاري.

وبعد سنوات من الصمت الحذر، أعادت انتقادات أنقرة العنيفة الشهر الماضي لطريقة معاملة الأقليات المسلمة في الصين، الأمل لأبناء هذه الجالية الكبيرة العدد في تركيا.

يقول عبد الولي أيوب بصوت مرتفع وقد لمعت عيناه وراء نظارته، وهو من الإيغور الذين فروا من الصين عام 2015 بعد سجنه لأكثر من عام، "كنت سعيدا للغاية عندما صدر رد فعل تركيا".

قال أيوب أثناء احتساء الشاي محدقا بالترامواي في أحد الأحياء الشعبية في إسطنبول إنه يأمل "أن تبذل تركيا المزيد، لأنها تستطيع ذلك".

وأيوب اختصاصي باللغات يطالب بتدريس لغة الإيغور في رياض الأطفال.

وبعد دفاعها بشدة عن الإيغور المسلمين الناطقين بالتركية، أوقفت حكومة رجب طيب أردوغان انتقاداتها منذ عام 2016 تجنباً لإغضاب بكين في سياق مشاكلها الاقتصادية وعزلة أنقرة المتزايدة في الغرب.

لكن الشهر الماضي، فاجأت وزارة الخارجية التركية الجميع من خلال وصفها "سياسة الاستيعاب المنهجي" للإيغور بأنها "عار على الإنسانية"، داعية بكين إلى إغلاق معسكراتها "لإعادة التثقيف".

وتقول منظمات حقوق الإنسان، إن ما يصل إلى مليون من الإيغور وآخرين من الأقليات المسلمة محتجزون في مراكز "إعادة التثقيف" هذه في إقليم شينجيانغ، في غرب الصين.

إلا أن بكين تنفي هذه الاتهامات وتقول إن هذه المعسكرات "مراكز تدريب مهني" لمحاربة "التطرف".

من جهته، قال محي الدين جان إيغور، رئيس مؤسسة تركستان الشرقية (تسمية يطلقها الإيغور على شينجيانغ)، ومقرها إسطنبول، "كانت هناك أوقات التزمت خلالها الدولة التركية الصمت، لكن تركيا تتحرك اليوم".

ويضيف متسائلا "هل يكفي هذا؟ لا لكنني مقتنع بأنها ستبذل قصارى جهدها من الآن فصاعدا".

كانت أوضاع الإيغور تثير توترا في تركيا حيث تم إحراق الأعلام أمام ممثليات دبلوماسية صينية.
كانت أوضاع الإيغور تثير توترا في تركيا حيث تم إحراق الأعلام أمام ممثليات دبلوماسية صينية.

في السابق، كانت أوضاع الإيغور تثير توترا في تركيا حيث تم إحراق الأعلام أمام ممثليات دبلوماسية صينية، كما تعرضت مجموعة من السياح الكوريين الجنوبيين لتعديات بعد اعتقاد خاطئ بأن أفرادها من الصين.

في عام 2009، اتهم أردوغان، رئيس الوزراء آنذاك، بكين بارتكاب "نوع من الإبادة الجماعية" ضد الإيغور، وفي المقابل، يعتبر رد الفعل التركي اليوم أكثر اعتدالاً.

منذ عام 2016، عندما تعرضت تركيا لمحاولة إنقلاب وما تلاها من أزمات مع الغرب وتدهور في الاقتصاد، تسعى أنقرة إلى الاقتراب من الصين، كما يقول سلجوق كولاكوغلو، مدير مركز دراسات آسيا-المحيط الهادئ في أنقرة.

وأضاف أن "تركيا بدأت تعتبر الصين مصدراً لرؤوس الأموال بدلاً من الدول الغربية وتسعى إلى الحصول على مزيد من الاستثمارات الصينية في مجالات النقل والطاقة وصناعة التعدين".

ومع مضاعفة دعواتها لتعزيز التعاون بين البلدين، وعدت تركيا عام 2017 ب "القضاء" على القوى "المعادية للصين" في أراضيها.

وتابع كولاكوغلو "اليوم، يواجه أردوغان معضلة تكمن في الاختيار بين الدفاع عن المصالح الاقتصادية للبلاد أو الاستجابة لقلق الناخبين الأتراك"، في حين ستجري انتخابات محلية حساسة في 31 مارس.

وكان السبب في رد الفعل التركي هو إعلان بعض وسائل الإعلام وفاة شاعر شهير من الإيغور هو عبد الرحيم هييت، وقد نفت بكين ذلك بسرعة.

لكن مع دخول الاقتصاد التركي في حالة ركود، تعرف الحكومة أن الثمن قد يكون مرتفعاً إذا تجاوزت انتقاداتها للصين التي بلغ حجم المبادلات التجارية معها 26,6 مليار دولار العام الماضي.

وكرد فعل تحذيري، دعت بكين مواطنيها إلى "توخي اليقظة" في تركيا وأغلقت قنصليتها مؤقتا في إزمير الشهر الماضي.

قال أيوب "لا نريد أن تقطع تركيا علاقاتها مع الصين، لكن هذا لا يعني أن عليها أن تغض النظر عن كارثة إنسانية".

إذا كان صوت تركيا مهما بالنسبة إليه، فذلك يعود لاقتناعه أنه يمكنها أن "تؤثر على الرأي العام في الدول المسلمة الأخرى" التي تمتنع عن توجيه انتقادات، حتى أن بعضها يدعم سياسة بكين في شينجيانغ.

بدوره، يقول عمير بيكالي، أحد الناجين من مراكز "إعادة التثقيف" في الصين، واللاجئ في تركيا حالياً "لم أطلب من الحكومة أبدًا شن حرب من أجلنا أو منحنا المال".

وطلبه الوحيد فقط هو "إثارة القليل من الضجيج".