هل تثير رحلة الدبيبة لروما وباريس غضب تركيا

روما/باريس - أجرى رئيس الوزراء الليبي عبدالحميد الدبيبة اليوم الاثنين مباحثات مع نظيره الايطالي ماريو دراغي في أول زيارة له إلى روما وفي ثاني لقاء وجها لوجه مع دراغي، بينما يحل غدا الثلاثاء ضيفا على الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون في رحلة خارجية قد تستنفر تركيا التي تعمل على انتزاع الحصة الأكبر من عقود اعمار ليبيا والقوة التي تدخلت عسكريا في النزاع بين شرق وغرب ليبيا ضمن أجندة التمدد الخارجي المحكومة بطموحات ومطامع شخصية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وتأتي زيارة الدبيبة لروما ثم لباريس على اثر خلافات حادة كادت تتحول إلى أزمة دبلوماسية بين رئيس الوزراء الايطالي والرئيس التركي وأيضا بين فرنسا وتركيا.

وكان دراغي قد هاجم بشدة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ونعته بالدكتاتور على خلفية تعرض رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للاهانة خلال لقاء جمعها هي ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل بأردوغان في أنقرة حيث خصص لزميلها مقعدا إلى جانب الرئيس التركي بينما تركت هي لفترة واقفة إلى أن وجهت إلى أريكة مقابلة.

ومن المتوقع أيضا أن تثير زيارة الدبيبة لباريس، غضب تركيا واستيائها، فماكرون يتزعم منذ فترة طويلة جهود كبح التمدد التركي في ليبيا ويدفع بشدة لإنهاء وجود أنقرة العسكري هناك.

كما أن فرنسا وإيطاليا ينافسان تركيا على عقود الاعمار في ليبيا وعلى الاستثمارات السخية في قطاعات الطاقة والإنشاءات، وهو صراع آخر بدأ يتشكل في الساحة الليبية بين أكثر من دولة في زحام لم يهدأ منذ أن أفضى ملتقى الحوار الليبي برعاية الأمم المتحدة إلى تشكيل سلطة تنفيذية تشمل حكومة وحدة وطنية ومجلسا رئاسيا.

وستتعاون إيطاليا وليبيا في مشاريع جديدة في قطاع الطاقة، وفق ما أعلن الدبيبة ودراغي اثر مباحثات ثنائية تناولت استثمارات الطاقة والهجرة والأمن، في أول زيارة لرئيس الوزراء الليبي لأوروبا منذ توليه منصبه في مارس.

وتأكيدا للأهمية الإستراتيجية لليبيا بالنسبة لإيطاليا، شكل اللقاء ثاني اجتماع وجها لوجه بين الجانبين منذ ابريل، حين قام دراغي بأولى رحلاته الخارجية إلى ليبيا، المستعمرة الإيطالية السابقة، بعد توليه منصبه كرئيس للوزراء. وقال إنّ التعاون في قطاع النفط بين البلدين سيتوسع بدون أن يقدم تفاصيل محددة.

وأكد بعد اجتماع الاثنين أن "الإمكانيات كبيرة وشركاتنا مستعدة للقيام بمشاريع"، مضيفا "في أساس كل هذه المشاريع هناك حاجة. الحاجة إلى حماية كل الذين سيضعون هذه المشاريع موضع التنفيذ".

وتسعى ليبيا التي تعتبرها إيطاليا مهمة لمصالحها الاقتصادية والخارجية، لوضع حد لفوضى مدمرة مستمرة منذ عقد في أعقاب الانتفاضة التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، وذلك بموجب عملية سلام ترعاها الأمم المتحدة. ومن المقرر أن تفضي العملية السياسية في خواتمها إلى انتخابات عامة في ديسمبر المقبل.

وتريد إيطاليا حماية مصالحها الوطنية في البلد الغني بالنفط، حيث يعد عملاق الطاقة الإيطالي إيني فاعلا أجنبيا بارزا، فيما تتنافس أكثر من دولة على الظفر بعقود الاعمار السخية وعلى رأسها تركيا التي أوجدت لنفسها موطئ قدم في الساحة الليبية من خلال تدخلها عسكريا لصالح ميليشيات حكومة الوفاق السابقة في مواجهة هجوم كان بدأه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر للسيطرة على العاصمة طرابلس وإنهاء فوضى السلاح وسطوة الميليشيات.

وليبيا إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية لآلاف من المهاجرين الساعين لعبور البحر المتوسط للوصول إلى أوروبا وخصوصا إيطاليا، كل عام. ووصل هذا العام حتى الآن 14 ألف مهاجر إلى ايطاليا، بحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة.

وتوفر روما سفنا ومعدات وتدريبات لقوات خفر السواحل الليبية لمنع المهاجرين من مغادرة سواحل البلاد، في سياسة تندد بها منظمات حقوقية لأنها تلحظ إعادة المهاجرين لمراكز احتجاز في ظروف مزرية.

وقال الدبيبة إنّ "مشكلة الهجرة لن تحل فقط في منطقة المتوسط لكن بالعودة إلى الجذور حيث تبدأ الهجرة. وهي ليست فقط مسؤولية ليبية أو مالطية أو إيطالية بل مسؤولية مشتركة".

وقبل لقائه دراغي، شارك الدبيبة في منتدى أعمال مع وزير الخارجية لويجي دي مايو لتحديد الفرص التجارية للشركات الإيطالية في ليبيا.

وقال دي مايو "نريد أن يكون رواد الأعمال لدينا قادرين على بناء تفاعلات متميزة مع حكومة الوحدة الوطنية"، مضيفا "نحن في نقطة تحول حاسمة في عملية الاستقرار السياسي في ليبيا. يشهد المسار نحو السلام والاستقرار الدائم في البلاد زخما جديدا".

وأفاد الدبيبة بأنّ البلدين يسعيان إلى "برامج اقتصادية وتكنولوجية قابلة للتطبيق" وأن ليبيا ستفعل "كل ما هو ممكن لتنفيذ هذه البرامج".

ومن روما سيحل الدبيبة ضيفا على الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون اعتبارا من الغد الثلاثاء في أول زيارة خارجية له لباريس منذ توليه منصبه.

ومن المقرر أن تكون عملية تحقيق الاستقرار في ليبيا على رأس جدول الزيارة وفق ما أعلن قصر الاليزيه اليوم الاثنين.

وستجدد فرنسا في هذه المناسبة مطالبتها بسحب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا فضلا عن دعمها لتنظيم انتخابات، بحسب الرئاسة الفرنسية.

وتحاول ليبيا الخروج من عقد من الفوضى والاقتتال بعد سقوط نظام معمر القذافي. وتم تكليف إدارة رئيس الوزراء المؤقت (عبدالحميد الدبيبة) بتوحيد المؤسسات الليبية والتحضير لانتخابات في 24 ديسمبر القادم بموجب عملية أطلقتها الأمم المتحدة في نوفمبر من العام الماضي.

ويعتبر انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة أمرا محوريا في هذه العملية إذ تسببت القوى الخارجية إلى حد كبير بتأجيج الصراع الليبي.

وأفادت الأمم المتحدة في ديسمبر من العام الماضي بأن ثمة 20 ألف مرتزقة ومقاتل أجنبي في ليبيا يتوزعون على عدة مجموعات من جنسيات مختلفة بينهم روس وتشاديون وسودانيون وسوريون، لكن هناك أيضا عدة مئات من الجنود الأتراك الذين يتواجدون في ليبيا بموجب اتفاق ثنائي أبرم مع الحكومة السابقة في طرابلس وكذلك آلاف من المرتزقة السوريين الذين جندتهم أنقرة من فصائل سورية موالية لها.

وبفضل هذا الاتفاق، دعمت أنقرة عسكريا الحكومة في طرابلس في صد هجوم نفذّه المشير خليفة حفتر، رجل الشرق القوي الذي استفاد في الماضي من دعم فرنسا ودول عربية وغربية.

وقام الدبيبة بزيارة للجزائر يومي السبت والأحد ودرس البلدان اللذان يشتركان في نحو ألف كيلومتر من الحدود، استئناف الروابط البرية والبحرية بينهما.