هل تتخلى تركيا عن أهداف النمو لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد

أنقرة – هل تضع تركيا أهدافها للنمو الاقتصادي جانباً لاستعادة الاستقرار المالي والتعامل مع التضخم؟ كم من الوقت ستحتاج تركيا لتحقيق ذلك؟ ألا يزيد ذلك الشكوك بقدرة إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على انتشال الاقتصاد المتعثّر من أزماته المتتالية؟

تثير السياسات الاقتصادية التركية شكوك المستثمرين والأسواق التي فقدت ثقتها بها، جراء التدخلات السياسية التي توصف بأنّها غير موضوعية من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في توجيهها وفرض الإملاءات على صنّاعها من المسؤولين الذين يحاول التحكّم بهم، بحسب ما يلفت محللون.

ونتيجة لذلك، فإنّ انعدام الثقة يرغم أنقرة على تقديم مزيد من التطمينات للمستثمرين والأسواق، بحيث يجب أن تعمل على توفير بيئة مناسبة لاستمرار الأعمال، وهذا ما يفرض بدوره تساؤلات عن إمكانية استعادة الثقة والمحافظة على استقرار الأسعار وسط تفاقم التضخم وانهيار الليرة المتواصل.

في هذا السياق قال سيموني كاسلوفسكي رئيس جمعية الصناعة والأعمال التركية، إن تركيا بحاجة إلى وضع أهدافها الطموحة للنمو الاقتصادي جانباً لاستعادة الاستقرار المالي والتعامل مع التضخم.

وقال كاسلوفسكي في مؤتمر عبر الإنترنت لرجال الأعمال بعنوان "الاقتصاد التركي في عام 2021"، إن الأمر سيستغرق وقتًا طويلاً لاستعادة الثقة في الاقتصاد، ويجب على السلطات أن تسعى جاهدة لتحقيق ذلك دون إبداء الرضا. تمثل جمعية الصناعة والأعمال التركية "توسياد" العديد من أكبر الشركات والمجموعات الصناعية في البلاد. وأضاف إن تركيا ستشهد فترة ستحتاج فيها إلى التخلي عن النمو الاقتصادي.

وشهدت تركيا أزمتها الثانية للعملة خلال عدة سنوات في عام 2019 حيث سعت السلطات إلى توسيع الاقتصاد خلال جائحة كورونا من خلال إبقاء أسعار الفائدة أقل من التضخم وتشجيع طفرة الاقتراض. وانخفضت الليرة إلى مستويات قياسية متتالية، مما دفع البنك المركزي إلى زيادة سعر الفائدة القياسي بأكثر من الضعف إلى 17٪ مع ارتفاع التضخم.

وقال كاسلوفسكي إن المعركة ضد التضخم، التي تسارعت إلى 14.6 في المائة في ديسمبر، ستستغرق بعض الوقت. وقال كذلك إن الثقة في الاقتصاد لها شرطان مسبقان: استقرار الأسعار والاستقرار المالي. وأضاف "لسوء الحظ، الاستقرار المالي غير ممكن في بيئة لا نستطيع فيها خفض التضخم".

وأردف كاسلوفسكي قائلاً إنه من خلال تأجيل المعركة ضد التضخم المرتفع لتنمية الاقتصاد، فإن الدولة تهدر مواردها الحيوية. وقال إن المعركة ضد التضخم قد تستغرق وقتًا أطول مما يعتقده الناس.

وكان وزير الخزانة والمالية التركي لطفي علوان، وعد أن عام 2021، سيكون عام إصلاح يركز على استقرار الاقتصاد الكلي. وأوضح في تغريدة على تويتر، أن تركيا ستتخذ موقفا حازما في مكافحة التضخم، وأن وزارته ستدعم السياسة النقدية عبر خطوات هيكلية.

وأضاف أن وزارته ستتخذ أيضًا التدابير اللازمة لضمان هيكل جيد ومستقر للانضباط المالي. وتابع: "في هذه الفترة التي تركز فيها السياسة النقدية على التضخم، سيتم توفير الدعم الإضافي الذي قد يتطلب بسبب الظروف الوبائية، من خلال سياسات مالية عامة انتقائية وموجهة".

ويتساءل المستثمرون في تركيا الآن عما إذا كان أردوغان، الذي يقول إن أسعار الفائدة المرتفعة تزيد من التضخم، سيسمح للبنك المركزي بالقيام بعمله، أو يضغط عليه لخفض تكاليف الاقتراض مرة أخرى.

وفي نوفمبر 2020، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان، عن سياسة اقتصادية جديدة للبلاد تمنح فرصا كبيرة للمستثمرين الأجانب، من خلال الاستناد إلى 3 ركائز أساسية هي، استقرار الأسعار، والاستقرار المالي، واستقرار الاقتصاد الكلي.

وأقال الرئيس رجب طيب أردوغان محافظ البنك المركزي مراد أويصال وعين مكانه ناجي إقبال في نوفمبر بعد أن سجلت الليرة أدنى مستوى قياسي جديد عند 8.58 للدولار. ومنذ ذلك الحين صعد نحو 15 بالمئة ليتداول عند 7.35 مقابل العملة الأميركية. وبعد ذلك رفع البنك أسعار الفائدة إلى 17 في المائة من 10.25 في المائة في السابق للدفاع عن الليرة.

وتعهد البنك المركزي التركي بالإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة هذا العام لخفض التضخم نحو هدفه متوسط ​​الأجل البالغ 5٪. ومن المقرر أن يبدأ البنك المركزي التركي بالإبلاغ عن تفاصيل معاملات مقايضة العملات بعد أن تعهد بزيادة الشفافية للمستثمرين في البلاد.

وقال البنك في بيان على موقعه على الإنترنت إن البنك سينشر بيانات الأسهم والتدفقات الخاصة بصفقات المبادلة "مع البنوك في الأسواق المحلية ومعاملات العملات الأجنبية الآجلة المسددة نقدًا بالليرة التركية والتي تتم في الأسواق" على أساس يومي اعتبارًا من يوم الاثنين - الخميس.

وكان محافظ البنك المركزي، ناجي إقبال قد تعهد بالإبلاغ عن المعاملات كجزء من حملة متجددة للشفافية حيث يسعى إلى تعزيز ثقة المستثمرين في المؤسسة. ويقول ناجي إقبال إن البنك المركزي لن يتدخل بعد الآن في أسواق العملات وتعهد بتعزيز الاحتياطيات. وقد رفع سعر الفائدة القياسي للبنك إلى 17 بالمائة من 10.25 بالمائة منذ تعيينه.

وأجرى البنك المركزي عشرات المليارات من الدولارات من صفقات المقايضة هذا العام، تاركًا صافي احتياطياته من العملات الأجنبية في المنطقة السلبية، حيث سعى للدفاع عن الليرة مع إبقاء أسعار الفائدة عند أقل من معدل التضخم السنوي.

وأفادت بيانات من وزارة التجارة التركية الثلاثاء الماضي بأن العجز التجاري لتركيا زاد 69.12 بالمئة إلى 49.91 مليار دولار في العام الماضي وفقا لنظام التجارة العام. وأظهرت بيانات الوزارة أن الواردات زادت 4.32 بالمئة إلى 219.43 مليار دولار في 2020، بينما تراجعت الصادرات 6.26 بالمئة إلى 169.51 مليار دولار.