هل تُشعل كوارث كورونا الاقتصادية شرارة الثورة التركية؟

 

إسطنبول - يرى مراقبون سياسيون أنّ سوء إدارة أزمة فيروس كورونا في تركيا، أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، إنما تبحث في كل ما تواجهه البلاد من أزمات عن مكاسب تمنح الرئيس رجب طيّب أردوغان مزيداً من سلطات الاستبداد بحق المعارضة والشعب بهدف ترسيخ سلطته، وهو ما يُنذر بالمقابل على نحوٍ مُعاكس بمزيد من التصدّع وتزعزع الثقة بالحكومة التركية، وتزايد الاستياء الشعبي من أسلوب إدارة الأزمة الصحية وضعف قدرات مواجهة الوباء، في بلد يواجه بالأساس صعوبات اقتصادية لا يُستهان بها.
وحول ذلك، تقول أندريا كيندال تايلور التي تدير برنامج الأمن عبر المحيط الأطلسي في مركز الأمن الأميركي الجديد، إنه في بداية انتشار الوباء العالمي "ظن العديدون أن هذه الأزمة ستشكل فرصة، ستوجد تربة خصبة للحكام المستبدين تتيح لهم انتزاع المزيد من السلطة" لكن على العكس يبدو أن "هذه الأزمة ستتطور بشكل متباين جداً بين مختلف الدول".
ورغم كل الإجراءات الاحترازية، التي يؤكد خبراء وعلماء أنها جاءت متأخرة جداً وكانت في أغلبها ارتجالية، إلا أن حالات الوفاة في تركيا بسبب فيروس كورونا تخطت الأربعة آلاف حالة، وهناك ما يقرب من 145 ألف حالة مؤكد إصابتها، وهو ما يعكس سلسلة القرارات الفاشلة التي أدّت للاستقالة المرفوضة لوزير الداخلية التركي سليمان صويلو، بعد إقالة وزير النقل وعشرات الاستقالات في قطاع الصحة، فضلاً عن استمرار اعتقال عدد كبير من الأطباء لأسباب سياسية مختلفة قبل الأزمة.
ووجد الرئيس التركي، الذي ما زال في السلطة منذ نحو ربع قرن، نفسه أمام معادلة صعبة، ما بين كبح انتشار الفيروس والحفاظ على الاقتصاد الذي كان يُفاخر به حتى قبيل بدء الأزمة الاقتصادية في العام 2018 الذي شهد بدء التدهور الحاد في الليرة التركية.
كما وتشكل الأزمة مرحلة حرجة لأردوغان الذي يواجه تحديات سياسية جديدة من قبل رؤساء البلديات المنتخبين حديثا، المُنتمين لأحزاب المعارضة، والذين سيطروا على كبرى المدن التركية في الانتخابات المحلية مارس ويونيو 2019.
وفي حين انتهجت الحكومة دبلوماسية المساعدات بإرسالها معدات طبية إلى دول أخرى، إلا أنّ مارك بييريني الباحث في معهد كارنيغي الأوروبي، رأى أن ذلك "لن يحجب الحقائق الأكثر إشكالية". وأوضح أن "الخيارات التي اتخذت في المجال النقدي، والعمليات العسكرية والحركات المخلّة بالاستقرار في شرق المتوسط طرحت إشكاليات كبيرة، ستزداد صعوبة على ضوء الانكماش الاقتصادي الناجم عن الوباء".
ولفتت منظمات غير حكومية إلى أن الأنظمة المتسلطة غالباً ما تواجه هذه الصعوبات بالقمع، فتعمد إلى تقويض المزيد من الحريات المدنية والرقمية، في إشارة لاعتقال ناشطين أتراك حاولوا التوعية مبكراً بمخاطر الوباء عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وحذرت منظمة العفو الدولية مؤخراً في تقرير لها بأن حكومات العالم تواجه وباء كوفيد-19 بـِ "تدابير قمعية وتعسفية لا تحترم واجباتها على صعيد حقوق الإنسان".
وقالت كيندال تايلور "إذا تمكنت الأنظمة المتسلطة بصورة عامة، من تخطي المرحلة، فسيخرجون منها أكثر قمعا وأقل ليبرالية وأكثر تشددا".
من جهته، انتقد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس التقويض البالغ لحقوق الإنسان تحت عباءة أزمة جائحة كورونا.
وقال ماس في البرلمان الألماني: "نتابع بقلق كبير كيف عززت الأزمة الحكومات الاستبدادية"، ممثلا على ذلك بتزايد الأعمال القمعية ضد صحفيين في روسيا وفنزويلا وإيران وتركيا والصين، وقال: "حتى في وسط أوروبا، نرى كيف استُخدمت تدابير الطوارئ لتقويض سيادة القانون".
الجدير ذكره، أنّه فور الإعلان الرسمي المتأخر عن أوّل حالة إصابة بفيروس كورونا في تركيا مارس الماضي، عقد أردوغان اجتماعاً لإدارة أزمة الوباء كان أبرز المُشاركين فيه رئاسة الشؤون الدينية التركية، بينما لم تتم بالمقابل دعوة الجمعية الطبية التركية التي تضم في عضويتها ما يزيد عن 80 ألف طبيب، ولعلّ هذا ما يُفسّر القرارات السلبية الخاطئة التي فاقمت الأزمة.
وملأت السلطة الدينية التي يُديرها حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، الفراغ الذي تسبب به الارتباك الحكومي الواضح وغياب أي إجراءات ملموسة ومدروسة، لتتم الاستعاضة عنها بالدعاء والصلوات، وإطلاق حملة تبرعات شنّت عليها المعارضة التركية هجوماً شديداً، فيما اعتبر ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي أنّ الحكومة عليها مساعدة مواطنيها وليس العكس، وذلك على غرار ما تقوم به معظم دول العالم من دعم لمواطنيها.
وحول خلية التصدّي لأزمة فيروس كورونا برئاسة أردوغان، والتي ضمّت "ديانت" واستبعدت نقابة الأطباء، يقول الكاتب والمحلل التركي في "واشنطن بوست" جان دوندار، إنّ الرئيس التركي اختار بذلك أن يتحدث كرجل دين عبر حثّه على "ترك الأمور لله"، وليقول لاحقاً "مساعدة ربنا ستكون إلى جانبنا" دون أيّ إجراءات علمية ملموسة خاصة بعد تأخر ردّ الفعل الأولي.
ورأى الصحافي الذي اختار ألمانيا كمنفى له، إنّ هذا الوباء أظهر "كيف تآكلت الأسس العلمانية لنظام التعليم" بينما تعثر الاقتصاد التركي وكان نظام الرعاية الصحية "غير مُستعد للتحدّي الذي يواجهه اليوم".
ومع خضوع الجيش التركي بأكمله لسيطرة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، بعد اعتقال وإقالة عشرات الآلاف من الجنود وكبار الضباط بحجة المشاركة في المحاولة الانقلابية يوليو 2016، أو تأييدها، يرى مراقبون للوضع السياسي والاقتصادي في التركي، بأنّ محاولة الإطاحة القادمة بأردوغان لن تكون انقلاباً عسكرياً، بل ثورة شعبية كبرى، بنموذج أكثر تنظيماً من احتجاجات حديقة غيزي التي وقعت عام 2013، والتي شهدت حينها أكبر مظاهرات معارضة للحكومة منذ أن وصل الحزب الإسلامي الحاكم الذي يقوده أردوغان إلى السلطة في عام 2002.