هل تؤدي ضريبة الخدمة الرقمية الجديدة في تركيا إلى نتائج عكسية

تتسم استجابة تركيا الاقتصادية لتفشي فيروس كورونا بأنها مشوشة. حيث أعلنت الحكومة في أنقرة عن إطلاق حزمة مساعدات مالية للحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد، ولكنها أدخلت أيضًا أو زادت الضرائب على العديد من السلع والخدمات، بما في ذلك الخدمات الرقمية والتبغ والواردات.

تم تصميم ضريبة الخدمات الرقمية، التي سُنت كجزء من حزمة من التدابير الاقتصادية في ديسمبر ثم تم فرضها من 1 مارس، في الأصل لاستهداف عمالقة التكنولوجيا الأميركية الذين يتجنبون دفع الضرائب، كما فعلت بعض دول الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، أضرت ضريبة الخدمات الرقمية بالشركات الصغيرة التركية والمبتدأين حديثاً بالعمل الالكتروني في وقت ارتفعت فيه المبيعات الالكترونية بشكل كبير بسبب انتشار فيروس كورونا.

ويعود تعميم ضريبة الخدمات الرقمية على مستوى العالم إلى أسس اقتصادية وسياسية. حيث كسبت شركة غوغل حوالي 34 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2019 من عائدات الإعلانات في جميع أنحاء العالم. حاولت شركات التكنولوجيا الكبيرة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها تحقيق أرباح على مستوى العالم ولكنها تدفع ضرائبها فقط في الولايات المتحدة.

ويعتبر البعض أن الشركات هي عبارة عن وسيلة للحكومة الأميركية لفرض الضرائب على دول أخرى، تذكرنا بما يسمى بالضرائب الاستعمارية. ومع ذلك، فإن فرض ضرائب على شركات التكنولوجيا هذه على أساس فرض السيادة وتحدي الوضع الراهن لا يأتي بهذه البساطة، نظرًا للهيكل المعقد الحالي لسلاسل الخدمة الرقمية.

قادت الدول الأوروبية اتجاه فرض ضريبة الخدمات الرقمية. حيث نفذت فرنسا أول ضريبة للخدمات الرقمية في يوليو 2019، ثم النمسا وإيطاليا في يناير 2020، ثم بريطانيا في 1 أبريل.

ثم اقترحت أنقرة لأول مرة فرض ضريبة اقتطاع بنسبة 15 بالمئة على الإعلانات الرقمية في بداية عام 2019. ثم، وسط التوترات السياسية مع الولايات المتحدة، انضمت تركيا إلى الاتجاه من خلال تمرير قانون ضريبة الخدمات الرقمية في ديسمبر 2019، والذي أصبح سارياً في 1 مارس. وتم نشر لائحة ثانوية تنظم ضريبة الخدمات الرقمية لتركيا في صحيفة "غازيت" الرسمية في 20 مارس.

ومع ذلك، ومن خلال فرض ضريبة الخدمات الرقمية دون أي تأخير، على عكس الضرائب الجديدة الأخرى مثل ضريبة الإقامة وضريبة العقارات، يبدو أن الحكومة قد أحدث أضراراً بدلاً من أن تجني ثمار هذه الضريبة. وعلى الرغم من أن المبيعات الالكترونية تجاوزت مبيعات التجزئة التقليدية حيث عزل الناس أنفسهم خلال تفشي وباء كورونا، إلا أن إيرادات ضريبة الخدمات الرقمية لا تزال ضعيفة، لا سيما وأنها تأتي بشكل رئيسي من الإعلانات الرقمية. وقد بلغ الحجم الإجمالي لصناعة الإعلان في تركيا 8.3 مليار ليرة (1.7 مليار دولار) في 2018 و 8.8 مليار ليرة (1.6 مليار دولار) في 2019.

تشكل الإعلانات الرقمية ثلث القطاع. وبالنظر إلى معدل الضريبة (7.5 بالمئة)، وغيرها من العوامل والمعايير الأخرى، ستقل إيرادات ضريبة الخدمات الرقمية المتوقعة عن مليار ليرة، أو حوالي واحد من الألف من إجمالي الإيرادات الضريبية.

إن حصة الشركات التركية في الإعلانات الرقمية لا تذكر، وبسبب سياسة التسعير العالمية لمقدمي الخدمات الرقمية، ستؤثر ضريبة الخدمات الرقمية في المقام الأول على الشركات الموجودة في تركيا من خلال توالي الضرائب. لا يمكن للشركات المستفيدة من الخدمات الرقمية تحديد الأسعار لأنها صغيرة مقارنة بعمالقة التكنولوجيا. ستدفع الشركات الأخرى التي تجري معاملات مالية مع هذه الشركات كأطراف ثالثة ضرائباً وربما تتحمل العبء الضريبي بأكمله. وبينما تفرض الحكومة بشكل ظاهري ضرائب على الشركات الأميركية، إلا أنه في واقع الأمر سيتم تحصيل الضريبة من الأتراك. وسيؤدي هذا فقط إلى زيادة تكاليف الشركات التي تعلن وتعمل بمجال التجارة الالكترونية.

إذن متى لا يمكن فرض ضرائب على الشركات الأجنبية؟ وماذا يمكن أن تكون عواقب هذه اللوائح؟

طالما أن تكاليف الإعلانات أقل من عوائدها، فستستمر الشركات في الإعلان بشكل يتناسب مع أهداف مبيعاتها. ووفقًا لشركة "باور ترافيك"، تحقق الشركات الصغيرة متوسط ​​دخل قدره 3 دولارات لكل 1.60 دولار تنفقه على "غوغل آد ووردز". وإذا ظلت هذه النسبة دون تغيير، فسوف يعكس مقدمو الخدمات زيادة التكلفة قدر الإمكان على عملائهم.

سوف تعاني الشركات ذات رأس المال المنخفض التي تمتلك ميزانية إعلانية ثابتة أو التي تجد صعوبة في تلبية احتياجاتها النقدية خلال الفترة بين الإعلان والعائد. ومن وجهة نظر الصناعة، ستتأثر القطاعات التقليدية التي تعمل بهامش ربح منخفض بشكل سلبي أيضًا. وبالتالي، ستحدث ضريبة الخدمات الرقمية أضراراً كبيرة بالنسبة لهؤلاء الضعفاء في اللعبة مقارنةً بالشركات المحلية الكبيرة، في الوقت الذي يشهد فيه التسويق الرقمي انتشاراً. 

بالإضافة إلى ذلك، لن تستفيد المتاجر التقليدية من فرض الضرائب على التجارة الالكترونية. حيث حدث تحول هيكلي في أنماط التجارة في السنوات الأخيرة، ضعفت من خلاله تجارة التجزئة بشكل مطرد بينما زادت مبيعات التجارة الإلكترونية بشكل ملحوظ، ويبدو أن هذا الاتجاه لا رجعة فيه.

وفي حين تباطأ معدل نمو تجارة التجزئة، ارتفعت المبيعات الالكترونية بوتيرة متسارعة بنسبة 38 بالمئة في عام 2019، وفقًا لمؤشر التجزئة لمعهد الإحصاء التركي "ترك ستات". وارتفع حجم سوق التجارة الإلكترونية، الذي كان يبلغ 25 مليار ليرة في عام 2015، إلى 60 مليار ليرة في عام 2018. وفي الوقت نفسه، زادت معاملات بطاقات الائتمان الالكترونية، التي سجلت 55 مليار ليرة في عام 2015، إلى 139 مليار ليرة في عام 2018.

ونظرًا لانتشار فيروس كورونا، سيشتري المتسوقون البضائع الكترونياً أكثر من أي وقت مضى، وسيكون لضريبة الخدمة الرقمية تأثيرًا ضئيلًا على اتجاه النمو العام في المبيعات الالكترونية. ومع ذلك، ستعمل ضريبة الخدمة الرقمية على تقليل ربحية البائعين الجدد بالمجال الالكتروني أو البائعين المحليين الذين يدفعون مقابل الإعلانات الالكترونية عن طريق تغيير هيكل التكلفة.

ويُعد غياب المكاتب المحلية لمقدمي الخدمات الرقمية الأجانب في تركيا من أكثر المشكلات أهمية بالنسبة لتطبيق ضريبة الخدمة الرقمية. حيث تمتلك شركات التكنولوجيا الكبرى الوسائل لتفادي ضريبة الخدمة الرقمية عالميًا، بما في ذلك وسطاءها في الخارج.

وفي الوقت نفسه، تعتبر الولايات المتحدة القضية تهديدًا يلوح في الأفق بالنسبة لشركاتها. وردت واشنطن على قانون ضريبة الخدمة الرقمية الفرنسي بالتحقيق فيه بموجب القسم 301 من قانون التجارة لعام 1974. كان تقرير الممثل التجاري الأميركي، الصادر في 2 ديسمبر 2019، ثابتًا، وركز على إضفاء الشرعية على الوضع الحالي وإهمال الجهود الضريبية العالمية بقيادة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

جادل التقرير بأن قانون الضريبة الرقمية لا علاقة له بوجود شركة في فرنسا، وأنه يفرض ضرائب على إجمالي الإيرادات بدلاً من الدخل، ويهدف إلى استهداف والتمييز ضد شركات التكنولوجيا الأميركية بممارسات خاصة غير مواتية تتعارض مع المبادئ الضريبية السائدة.

ومن ثم، هددت الولايات المتحدة بفرض تعريفات تصل إلى 100 بالمئة على الواردات الفرنسية الفاخرة في إجراءات رادعة لمنع محاولات فرض الضرائب اللاحقة. ثم تراجعت فرنسا وعلقت ضريبة الخدمة الرقمية حتى ديسمبر 2020.

يظهر رد واشنطن على تحركات فرنسا بشأن الضرائب بوضوح أن الولايات المتحدة تأخذ قضية ضريبة الخدمة الرقمية على محمل الجد. وفي الوقت الذي تحتاج فيه تركيا إلى خيارات لتمديد ديونها الخارجية، والتي تكون في الغالب مقومة بالدولار الأميركي، فقد تؤدي ضريبة الخدمة الرقمية إلى الإضرار بالثقة بين الولايات المتحدة وتركيا.

في الواقع، فشلت محاولات تركيا لتأمين عقد اتفاق مبادلة عملات مع الولايات المتحدة الشهر الماضي عندما شدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي على الحاجة إلى "الثقة المتبادلة". وإذا اتخذت حكومة الولايات المتحدة أي إجراء استجابة لفرض هذه الضريبة، مثل زيادة التعريفات على السلع التركية، فإن تكلفة إقرار ضريبة الخدمة الرقمية في تركيا ستزداد بشكل أكبر.

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tax/turkeys-new-digital-service-tax-may-backfire
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.