فهمي كورو
يوليو 19 2019

هل وحّدت صفقة إس-400 بين السلطة والمعارضة في تركيا؟

أبدت روسيا، الدولة المُصنِّعة، استعدادها لبيع منظومة إس-400 الصاروخية لنا. لدينا مخاوف أمنية. خصصنا الأموال اللازمة لذلك، أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي طالما أبدى اعتراضه على هذه الصفقة، فبرر لنا القيام بذلك بقوله "تركيا محقة، لقد أرادوا أن يشتروا منا نظاماً صاروخيا مماثلاً، ولكن أوباما عرقل هذا الأمر، ماذا في وسعهم أن يفعلوا، لقد اشتروا من روسيا"...

يؤكد الجميع أن "الأمر انتهى"، بعد أن قامت روسيا بالفعل بتسليم الأجزاء الأولى من منظومة إس-400 إلى تركيا، ومن المزمع الانتهاء من تركيب النظام بالكامل بحلول أبريل من العام المقبل...

وبشراء هذه المنظومة تكون تركيا، بوصفها دولة ذات سيادة، قد سدّت ثغرة حاجتها إلى حماية أمنها.

لا شك أن السلطة الحاكمة، وقوى المعارضة، كانا على كلمة سواء؛ فيما يخص هذا الموضوع، أما الإعلام، فاعتبر أن نجاح تركيا في الحصول على هذه المنظومة الدفاعية "نصراً" طال انتظاره. وفي المقابل، التزم الجميع الصمت، ولم يكن من السهولة بمكان أن يتفوه أحد ببنت شفة، في ظل هذا الوضع.

ينتابني شعور بخوف وقلق شديدين..

لا أعرف لماذا لم أستقبل، أنا أيضاً، ما حدث بنفس القدر من الحماس والترحيب، مثلما فعل الآخرون؟

هل لأنني أخشى من أن توقع الولايات المتحدة عقوبات على تركيا؟

إن نظام الحكم في الولايات المتحدة الأميركية رئاسي أيضاً، ولكن، وعلى عكس المعمول به لدينا، يهيمن الكونغرس على قرارات الدولة، استناداً لمبدأ "الفصل بين السلطات". وكما نعرف جميعاً أن الديمقراطيين والجمهوريين، على حد سواء، لا ينظرون بعين الرضى إلى شرائنا منظومة إس-400 الصاروخية الروسية. وبالإضافة إلى ذلك، فهناك بُعد آخر في الموضوع يتعلق بالقوانين الأميركية. وهذا يعني أن القانون إلى جانب الكونغرس سيلزم إدارة الرئيس ترامب بتوقيع عقوبات على تركيا.   

ولا نستبعد أن تكون هناك عقوبات قاسية.  

لا شك في أن التراجع عن تسليم تركيا مقاتلات إف-35 الأميركية، التي سدّدت تركيا بالفعل جزءاً من ثمنها، بل وتشترك في تصنيع أجزاء منها مع الولايات المتحدة، على قائمة العقوبات المنتظر توقيعها على تركيا.

من الوارد جداً حدوث هذا. وفي الحقيقة إن اقتصادنا هشّ للغاية اليوم. ومع هذا، فالعقوبات المحتمل توقيعها على تركيا ليست السبب الرئيس لقلقي.

علينا أن نفترض أن السياسيين، الذين اتخذوا القرار، وأكملوا عملية الشراء، قد تحسبوا لإمكانية فرض عقوبات على تركيا جراء ذلك. وهناك بالفعل العديد من البلدان، التي صمدت، وحافظت على قوتها وتماسكها، على الرغم من فرض العقوبات ضدها؛ فروسيا نفسها، التي باعت منظومة  إس-400 الصاروخية إلى تركيا، تتعرض لعقوبات أميركية أيضاً، ولكنها تحافظ على تماسكها، بل واستطاعت أن تضيف قوة إلى قوتها.  

الأمر نفسه ينطبق على إيران كذلك.

في حقيقة الأمر، إن وجود الموارد الطبيعية (الغاز الطبيعي في روسيا، والنفط والغاز الطبيعي في إيران) قد ساعد هذه الدول كثيرا، ولكن نحن أيضاً لدينا "قيمتنا الاستراتيجية". ألم يستمر المسؤولون، الذين يُنتظر أن يتعرضوا للعقوبات بسبب شراء منظومة إس-400، في ترديدهم، في كل مناسبة، عبارة "أميركا لا يمكنها أن تستغني عن تركيا"؟

نعم هم مستمرون في هذا.

على الرغم من الاعتبارات المذكورة أعلاه، إلا أنني لا أعتبر "العقوبات" سبباً كافياً لقلقي فيما يخص موضوع صواريخ  إس-400.

كان قدر تركيا أن تنضم إلى المعسكر الغربي، في إطار النظام العالمي الجديد، الذي ظهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وإذا نظرنا إلى حالات الشدّ والجذب في علاقة تركيا بالغرب خلال الأعوام السبعين الأخيرة، لأدركنا أنه من سوء طالع تركيا أنها أُقحمت بين التكتل الغربي؛ حيث بدأت تركيا تشعر أن الغرب أفسح لها المجال أمام الانضمام إلى كافة المؤسسات والمنظمات الغربية حتى وقت محدد، ثم عمد بعد ذلك إلى استبعادها من المؤسسات الغربية التي تحظى بدرجة كبيرة من الأهمية. 

وبانتهاء الحرب الباردة بسقوط حائط برلين، وانهيار "الستار الحديدي"، ومع ظهور النظام العالمي الجديد، بمرور الوقت، سُمِحَ لمعظم الدول، التي كانت ضمن المعسكر المعادي للغرب في السابق، للانضمام لجميع المؤسسات والمنظمات الغربية تقريبًا. وتمكن الكثير منهم، كما هو الوضع بالنسبة لتركيا، من الحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبدأت، بالإضافة إلى ذلك، مفاوضات من أجل القبول القسري لتركيا داخل الاتحاد الأوروبي.

ووصل التمييز بين هذه الدول درجة أن دولة عضو في حلف الناتو مثل تركيا لم يُسمح لها، باعتراف ترامب نفسه، بامتلاك الأنظمة الصاروخية الموجودة لدى باقي الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

ما الذي يتعين على تركيا فعله إزاء ذلك؟

لقد أجاب عن هذا السؤال أولئك الذين يتولون إدارة البلاد؛ بشرائهم منظومة إس-400 روسية الصنع.

وسنرى في الأيام المقبلة ما الذي سيفعله الطرف الآخر، الذي لم يرق له الرد التركي؛ فالناتو غير راض عن هذه الصفقة، بل إن هناك احتمالات أن تقوم بعض الدول الأعضاء في الناتو، والمعارضة للمسلك التركي، بالمطالبة باستبعاد تركيا تماماً من حلف شمال الأطلسي.

 قد تستطيع تركيا تحمل العقوبات التي ستفرض عليها..

ولكن ما البديل أمام تركيا حينذاك؟

من الواضح أن تركيا ستضطر إلى طرق باب تجمع "خماسي شنغهاي" الذي تتزعمه الصين وروسيا؛ فإذا تم بالفعل استبعاد تركيا من حلف الناتو، وواجهت عقوبات من جانب الولايات المتحدة، فلن تجد أمامها سبيلاً آخر سوى أن تحول وجهها صوب الدول ذات الثقل في آسيا، وأن تسعى إلى تكوين تعاون أوثق مع تلك الدول.

دعوني أنحّي جانباً الآن شكوكاً من قبيل "ماذا إن لم يقبل تجمع خماسي شنغهاي تركيا"، ودعونا نفكر من زاوية ما الذي ستواجهه تركيا إذا انضمت لمثل هذه التحالفات الجديدة؟

ما الذي سيحدث عندما تدير تركيا وجهها عن الغرب، وعندما تسعى، في المقابل، إلى حجز مكان لها بين الدول الآسيوية؟

هل من الممكن أن تظل "الأهمية الاستراتيجية لتركيا" التي طالما تفاخرت بها، ولم يزل الساسة الأتراك يكررون حديثهم عن أهمية تركيا، وثقلها السياسي، لدى حدوث أزمة على مستوى السياسة الخارجية، حاضرة في هذا الوقت أيضًا؟ هل ستضمن منظومة إس-400 الدفاعية الأمن لتركيا في المنطقة، بعد أن فقدت، أو لنقل تراجعت أهميتها الاستراتيجية فيها؟

عندما أفكر في هذا السؤال، ينتابني الخوف، وأشعر بقلق شديد من تداعيات شراء منظومة S-400 روسية الصنع.

لا أعرف لماذا يذكرني الوضع الراهن بواحدة من أكثر الفترات مخاطرةً في تاريخنا، عندما كان لزاماً على الدولة العثمانية أن تختار بين الانضمام إلى هذا التحالف أو ذاك، إبان الحرب العالمية الأولى. وفي النهاية، اختارت الوقوف إلى جوار ألمانيا، ونحن نعرف ما الذي حدث بعد ذلك..

أود أن أعتذر إذا كنت قد أفسدت عليكم فرحة "النصر" الأخير الذي وحَّد بين السلطة الحاكمة وجبهة المعارضة في بلدنا..  

 

* هذا المقال مأخوذ من مدونة شخصية للكاتب التركي فهمي كورو.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/s-400-krizi/s-400-zaferi-iktidari-ve-muhalefeti-birlestirmis-gorunuyor-oyleyse-ben-neden-kaygiliyim
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.