هل وظّف أردوغان عادل أوكسوز في الانقلاب ثم تخلص منه؟

لا شك أن تركيا بلد مثير للغرابة، أما الذين يعيشون فيها فهم أكثر غرابة. فالقضايا التي تحظى باهتمام كبير في بلدان أخرى نرى أنها لا تحرك ساكنًا في تركيا، في حين أننا نستهلك أطنانًا من الحبر للكتابة في قضايا تافهة، ونتسابق في إطلاق عنان اللسان ليتكلم فيها إلى ما شاء الله.

لقد صودر مؤخراً جواز سفر كاتب مخضرم معروف في تركيا وخارجها على حد سواء (حسن جمال؛ وتعرض زعيم سياسي ترشح لمنصب الرئاسة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (صلاح الدين دميرتاش) لوعكة صحية خطيرة في محبسه، لكن الذين أخذوا هذين الموضوعين على محمل الجد وأفصحوا عنهما للرأي العام في كتاباتهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة. فضلاً عن أن وضْع المواطنين أمام هذه الكتابات كما صور الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حيـًا     ولكن لا حياة لمـن تنادي

ولو نار نفخت بها أضاءت    ولكن أنت تنفخ في الرماد

أما شائعات "زيارة نائب برلماني من صفوف حزب الشعب الجمهوري المعارض للقصر الرئاسي ولقائه بأردوغان من أجل التواطؤ على إسقاط كمال كليجدار أوغلو من منصب رئاسة الحزب" فنرى أنها تقفز إلى صدارة أجندة تركيا ولا تنزل منها أيامًا وأسابيع على الرغم من ظهور كذبها بعد يوم واحد فقط. أليس من المفروض والمتوقع أن يكون الناس مهتمِّين بالقضايا المتعلقة بالحريات، وأن يشعروا بالتقزز عند سماعهم "أخبارًا كاذبة" أو أن يتغاضوا عنها على أقل تقدير؟

من المؤكد أن طبيعة إنساننا هذه تدفع بعض الجهات في الداخل والخارج إلى التسابق في خلق أجندات مصطنعة لإخفاء الحقائق عن الرأي العام وتوجيه اهتمامه إلى أمور بعينها. وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الأجندات التي تهديها إيانا تلك الجهات لننشغل بها.

عادل أوكسوز يعود مجددا لأجندة تركيا

وها نحن أمام أجندة جديدة ألا وهي: عادل أوكسوز

إن عادل أوكسوز هو الشخصية المدنية المحورية في محاولة الانقلاب الغاشمة في عام 2016. ومع أن الرأي العام شاهد صورته التي يرتدي فيها بدلة كاملة، غير أن الصورة التي التقطت له وهو قيد الاحتجاز ويظهر فيها شبه عارٍ هي التي انتقشت في الأذهان.. الصورة التي التقطت له مع المحتجزين الآخرين في قاعدة "مرتد" (أكينجيلار) الواقعة في بلدة كازان (وباسمها الجديد كازان البطلة) التي كانت من أكثر الأماكن نشاطًا في تلك الليلة المشؤومة. وكان أوكسوز رد على سؤال: "ماذا كنت تفعل في القاعدة العسكرية؟" بـ"كنت أتفقد أرضًا لشراءها" أثناء استجوابه.

يبدو أن الذين حققوا مع عادل أوكسوز رأوا أن دليل "شراء الأرض" الذي ساقه لتفسير سبب زيارته للقاعدة العسكرية في تلك الساعة المتأخرة من الليل معقولا، فأطلقوا سراحه خلال فترة قصيرة، في الوقت الذي تعرض كل من دخل معه في تلك الصورة لأشدِّ العقوبات.

وما مضى وقت تبين أنه العقل المدبر الذي وجه العسكريين للانقلاب، إلا أن الرجل قد غاب عن الأنظار.

ومن ثم اطلعنا على حقيقة جديدة وهي أن: أوكسوز كان مسؤولًا عن عناصر ما يسمى هذه الأيام بـ"منظمة فتح الله غولن" في المؤسسة العسكرية، وأن المنشقين عن منظمة غولن هم من أبلغوا المعنيين في الدولة هذه المعلومة قبل عامين من الانقلاب.

بمعنى أن عادل أوكسوز كان اسمًا معروفًا لدى الدولة، وعلى الرغم من إلقاء القبض عليه في القاعدة العسكرية ليلة الانقلاب واستجوابه إلا أن الدولة نفسها أطلقت سراحه.

ولا يزال عادل أوكسوز مختفيًا منذ ذلك الوقت.

لقد تمكنت هذه الدولة من تصوير أحد النجوم السابقين في عالم كرة القدم، والعضو البرلماني السابق عن حزب العدالة والتنمية (هاكان شكور)، وهو في ولاية كاليفورنيا الأميركية، كما تباهت الدولة بأنها على معرفة بعمل (عبد الحميد بيليجي) رئيس تحرير صحيفة "زمان" التي استولت عليها الحكومة كسائق لشركة أوبر في العاصمة الأميركية. فضلاً عن أنه بحسب المعلومات التي أعلنتها السلطات فإن المخابرات التركية اختطفت حوالي 80 شخصًا على صلة بهذه المنظمة من بقاع مختلفة من دول العالم ونقلتهم إلى تركيا.

غير أن عادل أوكسوز لا يزال سرًّا غامضًا...

هل هو في ألمانيا أم تحت الأرض؟

سبب عودة هذه القضية إلى أجندة تركيا مجددًا في هذه الأيام يعود إلى مبادرة وزير الداخلية سليمان صويلو بصورة مفاجئة من دون داعٍ إلى التصريح: "نحن نعرف مكان تواجد عادل أوكسوز، لكن لن أكشف عنه".

أي أن دولتنا تعرف أن أكسوز يختفي وأنها تعرف مكانه..!

لكن الكاتب الصحفي سايجي أوزتورك، المهتم بقضية عادل أوكسوز لدرجة أنه ألف كتابًا بعنوان: "الإمام الغامض"، أعلن أنه لا يزال على رأيه القديم بالرغم من هذه التصريحات الصادرة من الدولة. وفيما يلي نبذة مما كتبه في هذا الصدد:

"تصريحات وزير الداخلية التي زعم فيها أنهم يعرفون مكان اختفاء عادل أوكسوز، وكذلك اختفاؤه عن الأنظار دون أن يترك أي بصمات، والعجز عن تحديد مكانه حتى اللحظة -إن كان على قيد الحياة- يشير إلى احتمالية قتله مثلما قُتل محمود يلدريم الملقب بـ"يشيل" (الأخضر)، الذي كان أحد المتهمين في إطار قضية سوسورلوك الخاصة بتنظيم الدولة العميقة أو باسمها المؤخر أرغنيكون. فهو كان رجلاً يعرف الكثير من الأسرار.. إننا لا نعلم من يحوز جميع تسجيلات المكالمات الهاتفية الخطيرة التي أجريت في ليلة الانقلاب ولا نعلم في أي ذاكرات يتم الحفاظ عليها.."

أي أن الكاتب يشير إلى احتمالية قتل عادل أوكسوز.. ومع ذلك فإن الكاتب فضّل أن يذكر أيضًا احتمالية إقدام الوزير على هذه التصريحات من أجل الدفع بعادل أوكسوز إلى الذعر وتغيير مكان اختبائه حتى يكتشفوا مكانه.. ولا بد أن يكون هذا الاحتياط من الكاتب بسبب إمكانية عثور السلطات على أوكسوز وتقديمه للرأي العام. لكن حسب رأيي ليس هناك داعٍ لمثل هذا الاحتياط.

حسنًا فهل هدف تصريحات الوزير كان تغيير أجندة تركيا فقط؟

من الممكن أن يكون المسؤولون الأتراك فكروا أن الإدلاء بهذه التصريحات في هذا التوقيت بالذات سيوفر لهم ورقة ضغط على ألمانيا في المفاوضات التي ستجرى معها على هامش قمة حلف شمال الأطلسي الناتو، نظرًا لورود مزاعم باختفاء أوكسوز على أراضيها.

لذا نرى أن الرئيس أردوغان قال في هذا الموضوع بالعاصمة البريطانية لندن حيث توجه إليها للمشاركة في قمة الناتو: "هناك عشرات من الإرهابيين من أمثال (عادل أوكسوز) يعيشون هنا (أوروبا). لقد طالبناهم بإعادة جميع هؤلاء إلى تركيا، مزوّدين إياهم بكل المعلومات الخاصة بعناوينهم. وعلى الرغم من ذلك فإن المسؤولين (الأوروبيين) لم يسلموا لنا هؤلاء الإرهابيين التابعين لمنظمة فتح الله غولن حتى اليوم. أليس هناك من سلّموا لنا هؤلاء الإرهابيين؟ بالتأكيد هناك من استجابوا لطلبنا هذا. وعندما يحصل شيء من هذا القبيل نعلن ذلك للرأي العام. أما هل تقوم وزارة داخليتنا بتنفيذ عمليات ضد هؤلاء وتسوقهم إلى تركيا فهذا موضوع آخر".

واللافت أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت ضمن الزعماء الذين التقى بهم أردوغان في لندن.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/adil-oksuz/adil-oksuz-almanyada-mi-yoksa-yerin-altinda-mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.