Burak Tuygan
يوليو 18 2019

هل يفرض ترامب عقوبات صارمة على تركيا بسبب إس400؟

لقد وصلت ‏أخيرًا صواريخ  إس-400 الروسية إلى تركيا بعد ما كادت أن تتحول إلى أزمة دبلوماسية ‏‏معقدة بين أنقرة وواشنطن. والآن ‏‏انتقلت الكرة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ‏فهل سيتجه إلى تطبيق عقوبات ثقيلة من شأنها "تدمير الاقتصاد التركي" كما بين في وقت سابق أم ‏ستقتصر عقوباته على منع تركيا من الحصول على ‏طائرات إف-35 الأميركية. 

‏لكي نتمكن من التوقع بتصرفاته المحتملة في ‏هذا المضمار، ‏لا بد أن نلقي نظرة على سياسة ترامب بشكل عام؛ ‏بالإضافة إلى مواقفه من قضايا منطقة الشرق الأوسط. 

‏لا يريد ترامب قطع العلاقات ‏مع أي دولة أخرى في العالم، ‏ويسعى للحفاظ على "شعرة معاوية" حتى مع أعداء أميركا. ‏وقد أثبت ذلك ‏عندما التقى عدة مرات مع رئيس كوريا الشمالية، أعدى أعداء ‏الولايات المتحدة. ‏ 

‏في حين أن علاقات ترامب ‏مع بلاد الشام تدور حول محور إسرائيل. 

‏التجارة، أي المال، أمر لا يمكن الغنى عنه أبدًا بالنسبة لترامب. ‏‏وقد تبدى ‏ذلك جليا في موقفه من قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. حيث ‏بادر إلى ‏إرسال اثنين من رجاله، وزير الخارجية مايك بومبيو، ومدير وكالة المخابرات المركزية جينا هاسبل، إلى كل من تركيا والمملكة العربية السعودية، في مسعى لتهدئة التوتر بين الطرفين، ليخيّب ظن أردوغان الذي كان ينتظر أن يقوم ترامب بـالضغط على الأمير محمد بن سلمان، على أقل تقدير. وقد أدلى ترامب نفسه ‏ببيان في وقت لاحق ‏أعلن فيه أنهم يهتمون كثيرًا بالسعودية، وأن هناك علاقات اقتصادية جادة بين البلدين. وبالفعل كان ترامب قام بأول زيارة خارجية له بعد انتخابه رئيسًا، للمملكة العربية السعودية، ووقّع على صفقة بقيمة 280 مليار دولار شملت المجالات العسكرية والتجارية.

الحليف الأقرب الآخر لترامب في المنطقة هو الزعيم المصري عبد الفتاح السيسي. فهو يحاول تمهيد الطريق أمام السيسي في العديد من القضايا الإقليمية، خاصة في السودان وليبيا وفلسطين. ومع أن ترامب يقترب من السعودية ومصر، إلا أنه لا يستبعد بأي شكل من الأشكال منافسهما الإقليمي قطر، حيث إنه استضاف الأسبوع الماضي أمير قطر في البيت الأبيض ووقّع معه على العديد من الاتفاقيات. 

من جانب آخر، يطبق الرئيس الأميركي نفس الاستراتيجية مع منافسيه العالميين الصين وروسيا أيضًا. فرغم أنه في حرب تجارية مع الصين، غير أنه يحاول الحفاظ على علاقاته معها، إذ عقد الشهر الماضي اجتماعًا مع الرئيس الصيني جرى في جو ودّي، على هامش مباحثاته في قمة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية. 

وكذلك يتبنى ترامب استراتيجية مشابهة في علاقاته مع الرئيس الروسي فلاديمر بوتين أيضًا. فعلى الرغم من ضغوط الرأي العام، عارض ترامب فرض عقوبات على روسيا في خطوة اعتبرت أنها "هدية" لدورها الذي لعبته في فوزه بالانتخابات الرئاسية.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن ترامب قام بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، مما يدل على القيمة والأهمية التي يوليها لإسرائيل وأمنها. وبالتالي فإن توترًا محتملاً بين الولايات المتحدة وتركيا، أو تحوّل الأخيرة من حلف الناتو إلى محور آخر، قد يشكل خطرا على إسرائيل أيضًا باعتبارها إحدى دول المنطقة.

لنعد الآن إلى موضوعنا الرئيسي.. هل يمكن أن يفرض ترامب عقوبات صارمة على تركيا؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هي حدودها؟ 

ننتهي من تصريحات ترامب ذاته، وما جرى في لقائه مع أردوغان في اجتماع مجموعة العشرين، إلى أنه لا يرغب في تضييق الخناق على تركيا بسبب شرائها منظومة الدفاع الروسية. 

يجب علينا أن ننظر إلى استراتيجية ترامب حول إيران، لكي نستنتج الخطوة التي يمكن أن يتخذها تجاه تركيا. يتبع ترامب السياسة الأميركية التقليدية لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، ويتحدث عن حرب محتملة مع إيران منذ شهور. حتى إنه يتحدث من وقت لآخر عن "تدمير إيران". 

غير أنه تراجع عن هذه الخطوة لما كشفت الدبلوماسية الأميركية أن الحرب مع إيران ستؤدي إلى نتائج عكسية للمصالح الأميركية، على الرغم من بعض الصقور في البيت الأبيض، ما دفعه إلى توقيع عقوبات أشدّ على إيران من أجل كبح جماحها في هذا الصدد. تشير التقديرات إلى أن ترامب تراجع عن حرب أو صراع مع إيران باعتبار أنه سيدفعها إلى أحضان كل من الصين وروسيا بشكل أكثر من السابق، وبالتالي سيساعد على استقرار الصين في الشرق الأوسط. بينما تنفذ الولايات المتحدة استراتيجية لحصار الصين بدءاً من المحيط الهادئ إلى المحيط الهندي، ومن باكستان إلى آسيا الوسطى. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأزمة بين إيران والولايات المتحدة ستؤدي إلى انتشار حروب طهران بالوكالة في المنطقة إلى دول الخليج أيضا. 

أما تركيا فهي الدولة الأكثر أهمية في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة، حيث إنها تملك ثاني أكبر قوة عسكرية داخل حلف الناتو، وتتمتع بموقع فريد. فهي بمثابة سدّ منيع أمام الأطماع التوسعية لكل من روسيا وإيران، وانهيارُ هذا السد سيكون عاملا لمزيد من النشاط الروسي والإيراني في المنطقة على نحو يتعارض مع المصالح الغربية. ولذلك، فإن توقيع واشنطن عقوبات عسكرية أو اقتصادية بالغة الشدة على تركيا قد تدفع الأخيرة إلى أحضان روسيا تلقائيًّا أيضًا.

وبالتالي فإن كل خطوة ستتخذها الإدارة الأميركية ستحدّد ما إذا كانت تركيا ستواصل البقاء ضمن المعسكر الغربي أم ستتحول إلى الحاضنة الأوراسية. ودخول تركيا في ‏علاقات وثيقة للغاية مع روسيا وإيران، إلى جانب كل من سوريا والعراق، سيشكل تهديدًا خطيرًا لوجود إسرائيل ودول الخليج على حد سواء. 

ولا شك أن عدم ظهور نتائج تذكر عن قضية إمبراطور الذهب التركي إيراني الأصل رضا ضراب في الولايات المتحدة، المتهم بخرق العقوبات الأميركية على إيران مع شركائه الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس أردوغان، يدل على أن ترامب وفريقه يتجنبان توقيع عقوبات غليظة على تركيا.

قد يقدم البعض أزمة القس الأميركي أندرو برانسون مثالاً على احتمالية توجّه ترامب لمعاقبة تركيا، غير أنه لم يفرض عقوبة شديدة على إدارة أردوغان بسبب هذه الأزمة، وأعتقد أنها تفاقمت بسبب مبادرة ترامب إلى شخصنة الحادثة، نظرا لأنّ القسّ ينتمي إلى المذهب نفسه معه، بالإضافة إلى رغبته في تحويل الأزمة إلى فرصة لتلميع نجمه والظهور كبطل أمام الرأي العام الأميركي.  

أعتقد أنّ أكبر ورقة يحوزها ترامب في الوقت الحالي هي منع تركيا من الحصول على الطائرات المقاتلة إف-35، ولن تُحدِث مثل هذه الخطوة إلا توتّرًا بسيطًا فقط في العلاقات بين البلدين.

 

ملاحظة: هذا المقال نشرته النسخة التركية لموقع "أحوال تركية" في صباح 17 يوليو 2019، أي قبل إعلان البنتاغون تعليق مشاركة تركيا في برنامج إنتاج طائرات إف-35 الأميركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/abd-yaptirimlari/trumptan-turkiyeye-ciddi-bir-yaptirim-gelmeyebilir