هل يجب إخضاع الوزراء لاختبار قبول الموظفين العموميين

سأبدأ مقالي بتعريف ما المقصود ﺒ"اختبار قبول الموظفين العموميين"، الذي ورد ذكره في العنوان، كما قرأته على مواقع الإنترنت تماماً: "اختبار قبول الموظفين العموميين" هو ذلك الاختبار، الذي يعقده مركز القياس والتقويم في تركيا، ويتم، من خلاله، اختيار الموظفين، الذين سيتم تعيينهم في المؤسسات العامة في الدولة، بما في ذلك المعلمين. 

وكما هو واضح من هذا التعريف، فإن مركز القياس والتقويم هو الذي يتولى مهمة اختبار المتقدمين لشغل وظائف في المؤسسات العامة للدولة، ويجب على المتقدم أن يحصل على الحد الأدنى المطلوب من أجل السماح له بالالتحاق بالخدمة العامة، ولا يمكن لأي من الذين يخفقون في إدراك المستوى المطلوب التعيين بأي من المؤسسات العامة في الدولة. وفي رأيي، إن هذا الاختبار ليس معيارًا سيئًا لانتقاء موظفي القطاع العام، ومع هذا، فإن حزب العدالة والتنمية لا يبذل قصارى جهده لتنفيذ معايير مماثله في اختيار كوادره.  

وكما هو معلوم، فإن هذا المعيار لا ينطبق إلا على من يتقدمون للمرة الأولى للالتحاق بالعمل في الخدمة العامة.  

وأنا بدوري، أود، من خلال هذه المقالة، أن أقترح، بشيء من المزاح والجد في آن واحد، عقد اختبار أولي يتم من خلاله انتقاء وزراء المجموعة الاقتصادية، بمن فيهم وزير المالية ووزير التجارة الخارجية، بالإضافة إلى البيروقراطيين المرتبطين بالاقتصاد، ويجب أن يخضع كذلك البنك المركزي ومديرو العموم في البنوك العامة أيضاً لاختبار مشابه لاختبار قبول الموظفين العموميين.

سيكون موضوع هذا الاختبار "الهزلي الجدي" هو النموذج، الذي طوَّره العالم روبرت مونديل، الحاصل على جائزة نوبل عام 1999، حول آلية العمل الأساسية لاقتصاد السوق الأجنبية في الستينيات؛ ويُطلق على نموذج مونديل أو "مونديل فيلمِنج" أيضاً اسم "نظرية الثلاثي المستحيل".  

ماذا يُعنى بالثلاثي المستحيل؟ دعوني أنقل تعريفها كما ورد في صفحة الاقتصادي التركي الشهير ماهفي إيلماز، دون أي تغيير على النحو التالي:   

"يستحيل، وفقاً لفرضية الثالوث المستحيل أو الثلاثي المستحيل، الحفاظ على الاستقلال الذاتي الداخلي، وأسعار الصرف الثابتة، وحرية رؤوس الأموال في آن واحد".

إذا كان رأس المال يتحرك بحرية في الاقتصاد، وتم تطبيق نظام سعر صرف ثابت، فحينئذٍ يستحيل ضمان تطبيق سياسة نقدية حرة؛ بمعنى أنه إذا تحقق اثنان من هذا الثلاثي، فإنه يستحيل، بالضرورة، تحقُّق الثالث. وفي هذه الحالة، ستشكل السياسة النقدية وفقاً لحركات رأس المال واتجاهات سعر الصرف في هذا البلد.

وبالشكل نفسه، إذا كانت تحركات رأس المال مقيدة أو تخضع لرقابة، فحينها يمكن تطبيق سياسة نقدية مستقلة، وكذلك نظام سعر صرف ثابت.  

وعندما نُطَبِّق هذه النظرية على الوضع في تركيا، نجد أن تحركات رأس المال في الاقتصاد التركي تُصف بأنها حرة، بعد القرار الشهير، الذي صدر عام 1989. ويدافع رجال الاقتصاد العقلانيون عن حرية حركة رأس المال في تركيا. وهناك الكثير من الدول، التي تطبق الأمر نفسه؛ حيث تغل حرية حركة رأس المال في اقتصاد ما أيدي البيروقراطيين في الاقتصاد، وتحد من مجال تحركهم بشكل كبير؛ وبالتالي تمنعهم من الوقوع في أخطاء كبيرة، كأن يتبنون سياسة اقتصادية فاشلة.  

وعلى النقيض من ذلك، يوجد فريق آخر من الاقتصاديين، الذين يعارضون حرية حركة رؤوس الأموال، ويؤكدون أن القرارات، التي يتخذها البيروقراطيون الاقتصاديون بحرية ودون قيود، من الممكن أن تكون أكثر ملائمة للنشاط الاقتصادي والإنصاف معاً . وهو رأي  لم يحظ بكثير من التأييد، وقد ثبت عكسه من الناحية العملية.  

وكما أوضحتُ قبل قليل، فإن تركيا من البلدان، التي توصف بأنها دولة تتمتع رؤوس الأموال فيها بالحرية. وعلى الرغم من وجود بعض الحملات، التي عملت مؤخرًا، بشكل مخزٍ، على تقييد حرية تحرك رؤوس الأموال في تركيا، إلا أنها لا تزال تُصنف بين مجموعة الدول، التي تتمتع رؤوس الأموال فيها بالحرية. 

وأجد لزاماً عليَّ، في هذا المقام، أن أشير إلى وجود صلة قوية أيضًا بين حرية حركة رأس المال والهيكل القانوني الديمقراطي في الدولة؛ فمن الممكن أن تكون حركة رأس المال حرة في دولة لا توصف بأنها دولة قانون، ومع هذا لا توجد قيود إدارية على حركات رأس المال في جميع دول القانون الديمقراطي الغربية تقريباً.

دعونا نعود مرة أخرى للحديث عن نموذج البروفيسور مونديل "الثلاثي المستحيل"؛ فبالنظر إلى أن حركة رأس المال في تركيا حرة، فحينئذٍ يصبح من المستحيل على صانعي السياسة الاقتصادية في هذا البلد تطبيق نظام ثابت في سعر الصرف (أو الضغط على سعر الصرف بموجب قرارات إدارية)، كما لا يمكن أن تتصف سياسات البنك المركزي التركي بالاستقلالية (الضغط على الفائدة)؛ لأن "سياسات البنك المركزي المستقلة" تعني أنه لديه المقدرة على اتخاذ قرارات سياسية بشأن الفوائد.  

والواقع أن معرفة هذه الشروط، على الأقل من الناحية النظرية، يجعلنا نسأل عن طبيعة الدور الذي يؤديه صانعو السياسة الاقتصادية لتركيا.

نعلم جميعاً أن هناك ضغوطاً كبيرة مارستها مؤسسة الرئاسة في تركيا، خلال السنوات الأخيرة، على أسعار الفائدة، بل ولم يجد أردوغان حرجًا من القول عن محافظ البنك المركزي السابق "لم يستمع لنا؛ فعزلناه". يحدث هذا في بلد يُفترض أن قرارات البنك المركزي فيه تتمتع بالاستقلالية. دعونا لا ننسى كذلك أن استقلال البنك المركزي شيء، واستقلال السياسة النقدية شيء آخر، بل إن كلا منهما في موقف معارض للآخر تماماً.

يمكنك أن تُخفِّض أسعار الفائدة من خلال إصدار بعض القرارات الإدارية؛ لقناعة شخصية لديك، لا ترتبط بالضرورة بأية نظرية، بأن "الفائدة والتضخم" يدوران في فلك واحد؛ وبالتالي يمكنك أن تتخذ قراراً لتخفيض سعر الفائدة بشكل سريع. وقد لا تكتفي بهذا أيضاً؛ فتلجأ إلى سداد عجز الميزانية من أموال البنك المركزي (الاحتياطي النقدي للدولة)، ويمكنك أن تمنع كذلك ارتفاع أسعار الفائدة مع المناقصات، التي سيتم تنفيذها. وبدورها يمكن للبنوك العامة، والبنك المركزي، أن تقوم بشراء سندات حكومية، بل ويمكن أن تتجاوز تحركات البنك المركزي نطاق معاملات السوق المفتوحة.

إذن فحركة رأس المال حرة، ومع هذا فأنتم تمارسون الضغوط على الفائدة؛ لذلك كان من الطبيعي، وفقاً لنظرية مونديل، أن يستحيل تطبيق سياسة سعر الصرف.  

دعونا ننتقل أيضًا إلى سياسات سعر الصرف.

ينفق البنك المركزي التركي، الذي قاربت نسبة نمو تحويلات النقد الأجنبي لديه عام 2019 إلى ما يقارب الصفر المئوي، بسخاء من الاحتياطي النقدي؛ للحفاظ على سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، ومنعها من الانهيار؛ وبالتالي فهو لا يتوقف عن ضخ العملات الأجنبية إلى البنوك العامة التركية، التي تقوم بدورها بتوفير العملة الصعبة في السوق؛ لتشدد بذلك من الضغوط، التي تمارسها الحكومة على سعر الصرف. 

قد يجادل البعض ويقول إن التحركات، التي يقوم بها البنك المركزي، والبنوك العامة في الدولة للسيطرة على سعر الفائدة وسعر الصرف لا تُعد، من الناحية الإدارية، نوعاً من أنواع الضغط، وإنما تدخل في إطار معاملات السوق المفتوحة، أو بقول آخر، إنها معاملات تتم داخل الاقتصاد؛ وبالتالي فهي لا تمارس ضغطًا في وقت واحد على الفوائد وأسعار الصرف. والواقع هو أن ما يقوم به البنك المركزي والبنوك المملوكة للدولة قد تخطى نطاق معاملات السوق المفتوحة بشكل فج للغاية؛ حيث تُمارس الضغوط على أسعار الفائدة بشكل واضح للغاية، لا يقبل التشكيك. وعلى الرغم من محاولات البنك المركزي المستميتة للحفاظ على سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار، فقد ارتفع سعر الدولار متخطيًا 6 ليرات، وقد يرتفع العجز التجاري أيضًا، تماشياً مع التعافي البطيء للاقتصاد التركي. وهذا يعني أيضًا أن سعر صرف الدولار مرشح للارتفاع بشكل أكبر؛ الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: هل سيمارسون مزيداً من الضغوط على سعر الصرف في هذه الحالة؟

الواقع أنه يمكن تشبيه استمرار صناع السياسة الاقتصادية في تركيا، في ممارسة ضغوطهم على سعر الصرف وسعر الفائدة، بالتزامن مع حرية حركة رأس المال الحرة، بمن يقف محاولًا الركل بكلتا قدميه في وقت واحد، ونحن نعرف مصير من يحاولون القيام بأمر كهذا.  

وإذا واصل صُنَّاع السياسة الاقتصادية في تركيا عنادهم، وأصروا على ممارسة الضغوط على أسعار الفائدة والصرف، فقد يقودهم هذا إلى حد وقف حرية حركة رأس المال، طمعاً في تعافي يحدث على المدى القصير، غير مدركين أن اختيارهم هذا، الذي أرادوا به تحقيق تحسن قصير المدى، سيقود الدولة حتماً إلى كارثة على المدى البعيد.

وفي النهاية، دعونا نرجع مرة أخرى إلى موضوع "اختبار قبول الموظفين العموميين".

في الواقع، إن وضع السياسة الاقتصادية بشكل مخالف لنموذج مونديل في بلد مثل تركيا، توصف تحركات رأس المال فيه بأنها حرة، لا شك أنه سيقود هذا البلد إلى كارثة مُحققة (تماماً كمن يحاول الركل بكلتا قدميه في آن واحد).

قد لا يعرف الرئيس هذه النظرية، ولكن ماذا عن خبراء الاقتصاد، هل يجهلونها أيضًا؟

هل يجهلها محافظ البنك المركزي أيضاً؟

ألم يسمع وزير الخزانة والمالية عن مونديل؟

هل يجهلها أيضًا مديرو العموم في البنوك العامة كذلك؟

في رأيي، يجب أن يدرس جيداً جميع المتقدمين لشغل المناصب الخاصة بالتخطيط الاقتصادي في الدولة، ووضع السياسة الاقتصادية لها، من كبار البيروقراطيين، نموذج "مونديل فليمنج"، قبل أن يتم تعيينهم في مثل هذه الوظائف. هذا ما قصدته من قولي أن يخضع الوزراء والبيروقراطيين لاختبار "قبول الموظفين العموميين"، أم يتعين علينا أن نلجأ لعمل هذا الاختبار لهم بالفعل. أعتقد أنه سيكون عيبًا كبيراً إذا فعلنا هذا، أليس كذلك؟

هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kpss/ekonomi-bakanlari-ve-yuksek-burokratlari-icin-kpss
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.