هل يكشف سيدات بيكر عن العلاقات بين أردوغان والمافيا؟

إسطنبول - هزّ زعيم المافيا التركي المنفي سيدات بيكر السياسة التركية لأسابيع بمقاطع فيديو تزعم وجود تعاملات بغيضة بين المسؤولين الحكوميين وعالم الجريمة الإجرامي.

في المقطع الثامن الذي نشره على موقع يوتيوب في 30 مايو، توجّه بيكر بشكل مباشر إلى الرئيس رجب طيب أردوغان بعد أن تجنب بعناية أي ذكر مباشر له، ردًا على قول أردوغان إن بيكر سيُقدم للمحاكمة، قال زعيم المافيا إن هذا لن يغير الحقيقة وراء كلامه.

ومن المثير للاهتمام، أن بيكر ذكر تاريخًا شخصيًا مع أردوغان دون الخوض في التفاصيل، لكنه وعد بالرجوع إليه مباشرةً في مقطع فيديو بعد 14 يونيو. وهذا يترك علامة استفهام كبيرة حول التفاصيل التي يمكن أن يكشفها بيكر عن الرئيس أو كيف سيتردد صدى أي شيء يقوله في جميع أنحاء البلاد.

وتعليقاً على ذلك، قالت مارتا أوتافياني، الصحفية التي ألفت كتابًا يشرح بالتفصيل الصعود السياسي لأردوغان، أن مزاعم المافيا الحكومية ليست جديدة في تركيا.

وقالت أوتافياني لمحرر موقع "أحوال تركية" نيكولاس مورغان في تدوينة صوتية: "يحاول أردوغان تقديم نفسه على أنه شيء جديد على الساحة السياسية، لكنه يتصرف بنفس الطريقة التي كان يتصرف بها السياسيون في الماضي".

وصفت أوتافياني، التي ألّفت كتابها "الريس: كيف غير أردوغان تركيا" في خلفية الرئيس، كيف أصبح أردوغان نجمًا صاعدًا للحركة الإسلامية السياسية، من خلال مزيج من البراغماتية والطموح المطلق، وقالت إن أردوغان يمتلك غريزة سياسية قوية لبناء العلاقات الصحيحة واستخدامها لتعزيز أهدافه المتمثلة في رسم مسار جديد لتركيا.

ومع ذلك، أشارت أوتافياني إلى أن الحياة المبكرة لأردوغان قبل دخوله المشهد السياسي التركي لا تزال مليئة بالفجوات. وقالت: "لسوء الحظ، لا توجد مصادر موثوقة للغاية للمعلومات حول السنوات الأولى لأردوغان".

وعلى الموقع الإلكتروني للرئاسة التركية، هناك القليل من التفاصيل حول حياة أردوغان قبل السياسة، بخلاف ذكر حب كرة القدم والمدارس التي تخرج منها. ولد أردوغان في إسطنبول عام 1954، وقضى سنواته الأولى في بلدة ريزه الساحلية على البحر الأسود حيث كان والده يعمل في خفر السواحل التركي.

وقال أوتافياني إنه كان معروفًا أنه قريب من والدته، لكنها وصفت والده أحمد بأنه كان يعرف بأنّه "رجل صعب المراس" و"أب شديد القسوة".

في سبعينيات القرن الماضي، كانت منطقة البحر الأسود في تركيا هي المكان الذي ظهرت فيه الجريمة المنظمة التركية وعدد من أتباعها المستقبليين. وزعيم المافيا الشهير الدين تشاكيجي ليس بعيدًا عن ريزه بالقرب من ميناء مدينة طرابزون.

وعلى الرغم من صعود نجمه خلال الفترة التي تشكلت فيها المافيا التركية وتطورت، قالت أوتافياني إنه لا يوجد دليل على تورط أردوغان أو عائلته مع هذه العناصر الإجرامية. ووصفت أردوغان بأنه "حريص للغاية" على إقامة العلاقات الصحيحة مع رجال الأعمال الناشئين في بداية مسيرته السياسية، بما في ذلك أولئك الذين سيمولون حملاته المستقبلية، ومن بينهم بعض من منطقته الأصلية على طول البحر الأسود.

وقالت: "نحن نعلم أن الكثير من رجال الأعمال المثيرين للجدل ومنظمات المافيا يأتون من منطقة البحر الأسود، ما يسمى مافيا البحر الأسود، لذلك لن يكون هذا مجرد مصادفة". وأضافت: لا أستطيع أن أقول إن أردوغان كانت لديه علاقات شخصية مع قادة المافيا هؤلاء، لكن بالطبع يمكننا القول إنه كان دائمًا حريصًا للغاية في التعامل معهم.

كما قالت أوتافياني إن الاتهامات بالفساد كانت سمة ثابتة في الحياة السياسية لأردوغان منذ أن كان رئيس بلدية إسطنبول خلال التسعينيات. في ذلك الوقت، قالت إن الصحف التركية تعرض عادة مقالات تشكك في نظام المناقصات العامة، المعروف باسم نظام البلياردو، الذي تديره إدارة أردوغان.

وقدمت عملية تقديم العطاءات لمشاريع البلدية هذه في كثير من الأحيان مزايا لرجال الأعمال أو المانحين المقربين من حزب الرفاه ذي الميول الإسلامية الذي كان أردوغان جزءًا منه. وتم توجيه ادعاءات مماثلة ضد حزب العدالة والتنمية الذي يتزعّمه أردوغان، لا سيما فيما يتعلق بالتعامل في قطاع البناء.

وما فصل أردوغان عن السياسيين الأتراك السابقين هو الشعور السائد بين العديد من الأتراك، حتى أولئك الذين يتوخون الحذر بشأن سياساته، بأنه كان يحسن سبل عيشهم خلال عقدين من حكمه.

وقالت أوتافياني إن هذا السجل قد يسمح له بالنجاة من التهم التي وجهها إليه بيكر في أي مقاطع فيديو قادمة. لكنها في الوقت نفسه، قالت إن أي اتهامات جدية ومقنعة بالفساد ضد أردوغان ستأتي في وقت يعاني فيه أردوغان من صعوبات اقتصادية شديدة، مما قد يضعه في أصعب موقف في حياته السياسية.

وأضافت أوتافياني: "سنرى كيف سيكون هذا في المستقبل لأن الاقتصاد التركي يعمل بشكل سيئ للغاية وقد تعامل أردوغان مع جائحة كورونا بشكل سيئ للغاية". وأردفت: "أنا متأكدة من أن الانتخابات المقبلة ستكون أصعب انتخابات في مسيرة أردوغان".

وعلى صعيد متصل، قال الكاتب مليك كيلان إن مقاطع الفيديو التي نشرها سيدات بيكر على موقع يوتيوب، والتي تزعم وجود روابط بين الدولة والمافيا، كسرت شرعية نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وقال كيلان في تحليل لمجلة فوربس يوم الثلاثاء إن مزاعم بيكر الموجهة إلى المسؤولين الحكوميين في الماضي والحاضر "ليست كلها زوبعة في فنجان داخل البلاد".

ورداً على ذلك، قد يلجأ أردوغان إلى "استبداد كامل على غرار بيلاروسيا"، مما يجعل من الصعب على الغرب التعاون معه سياسيًا، وفقًا لما ذكره كيلان.

وقال كيلان: "سواء غادر أو بقي، فإن عدم الاستقرار يلوح في الأفق بالنسبة لبلد يتمتع بموقع استراتيجي للغاية، بحيث يتأثر الاتحاد الأوروبي والبلقان وحلف شمال الأطلسي والدور الروسي والشرق الأوسط وآسيا الوسطى بأي انهيار محتمل."

تأتي مقاطع فيديو بيكر في وقت فقد فيه نظام أردوغان شعبيته، حتى بين مؤيديه المحافظين. ويبدو أن الأداء الاقتصادي الضعيف ومزاعم سوء الإدارة المالية قد أثرت بشدة على دعم الحكومة. وانخفض الدعم الشعبي لتحالف أردوغان الحاكم إلى ما يزيد قليلاً عن 32 في المئة، وفقًا لشركة استطلاع تقرير تركيا الشهر الماضي، انخفاضًا من 54 في المئة في الانتخابات العامة لعام 2018.

وفي سياق متصل بمزاعم بيكر ضدّ مسؤولين أتراك، منعت محكمة تركية الوصول إلى ست تغريدات نشرها سيدات بيكر بشأن رئيس محكمة أنقرة الإدارية الإقليمية، بدعوى انتهاك الحقوق الشخصية، بحسب ما قالت منظمة مراقبة حرية الإنترنت إنجلي ويب، الثلاثاء.

واتهم بيكر القاضي إيسات توكلو باستخدام منصبه لإثراء نفسه، والبقاء في فندق فخم للغاية يملكه رجل الأعمال الهارب سيزجين باران كوركماز، وقيادة سيارات باهظة الثمن بفضل حركة فيتو، هو الاسم الذي تستخدمه تركيا للدلالة على أتباع فتح الله غولن.

وتتهم السلطات التركية غولن بتدبير محاولات للإطاحة بالحكومة، بما في ذلك محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في يوليو 2016. وتم طرد أكثر من 125 ألف موظف حكومي وفصل 4500 من أعضاء السلطة القضائية أو سجنهم في حملة لاحقة على شبكته السرية.

ويعدّ حظر التغريدات الستّة أول قيد تفرضه تركيا على بيكر في وسائل التواصل الاجتماعي منذ أن بدأ في إطلاق مقاطع فيديو مدتها ساعة كاملة على موقع يوتيوب في أوائل مايو. وكانت مقاطع الفيديو التسعة متاحة لمستخدمي الإنترنت في تركيا اليوم الأربعاء.

وقال بيكر يوم الاثنين إنه سيصدر مقطع فيديو في 13 يونيو يقدم معلومات عن بيرات البيرق، وزير المالية التركي السابق وصهر الرئيس رجب طيب أردوغان. وقال إنه سيتوسع في الاتهامات السابقة ضد قطب الإعلام يلدريم دميرورن ويتحدث عن أنشطة الصحفي الموالي للحكومة جيم كوجوك.

كما خطط زعيم المافيا أيضًا لنشر مقطع فيديو يركز على أردوغان. في الأسبوع الماضي، قال إنه يؤجل إطلاقه إلى ما بعد الاجتماع المقرر بين أردوغان والرئيس الأمريكي جو بايدن في قمة الناتو في بروكسل التي تبدأ في 14 يونيو.