بول إيدن
أغسطس 08 2019

هل يمكن لاتفاق المنطقة الآمنة تجنب حرب أخرى في سوريا؟

تبذل الولايات المتحدة جهوداً حثيثة لتحويل اقتراح تركيا بشأن إقامة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا إلى حقيقة واقعة لتجنب تهديد الرئيس رجب طيب أردوغان بشن عملية عسكرية لطرد القوات الكردية السورية.

ومع ذلك، لا يزال يتعين رؤية ما إذا كان اتفاقهما يوم الأربعاء سيؤدي إلى ترتيب قابل للتطبيق وإلى تجنب ما سيكون صراعاً دموياً وحشياً بين تركيا ووحدات حماية الشعب الكردية، وهي القوة الكردية السورية التي تبسط سيطرتها على شمال شرق سوريا.

تقول تركيا إن الولايات المتحدة تتحرك ببطء بشأن إنشاء منطقة آمنة بعمق 32 كيلومتراً داخل سوريا، تمتد من الضفة الشرقية لنهر الفرات إلى الحدود العراقية. ستحتاج وحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية الأوسع التي كانت في طليعة التحالف المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية إلى سحب القوات والأسلحة الثقيلة من المنطقة.

عرضت الولايات المتحدة منطقة آمنة أصغر بكثير - عمقها تسعة أميال وبطول 87 ميلاً - كحل وسط. وقد رفضت تركيا ذلك.

لقد حذرت تركيا الولايات المتحدة مراراً وتكراراً من أنها إذا فشلت في إنشاء منطقة عازلة جنوب حدودها بطريقة مُرضية، فإنها ستشن هجوماً. وحشدت تركيا القوات والأسلحة الثقيلة على طول الحدود المواجهة لمدينة تل أبيض التي تقطنها أغلبية عربية ومدينة كوباني الكردية، مما يشير إلى أن أي توغل فعلي سيهدف إلى الاستيلاء على هذين المركزين الحضريين المهمين من الناحية الاستراتيجية.

استعرضت تركيا عضلاتها العسكرية لانتزاع المزيد من التنازلات من واشنطن بشأن حجم المنطقة العازلة والقوات العسكرية ستطبقها في نهاية المطاف.

يبدو أن الاستراتيجية تؤتي ثمارها. وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار يوم الأربعاء قبل أن تُنشر أنباء الاتفاق "لقد شهدنا بارتياح أن شركاءنا قد اقتربوا من موقفنا".

وأصدرت سفارة الأميركية في تركيا بياناً قالت فيه إن الدولتين ستعملان على إنشاء "مركز عمليات مشترك في تركيا في أقرب وقت ممكن من أجل تنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الآمنة معاً". وقال البيان أيضاً إن الجانبين اتفقا على "ضرورة أن تصبح المنطقة الآمنة ممراً للسلام، ويجب بذل كل جهد ممكن حتى يتمكن السوريون المشردون من العودة إلى بلادهم".

ولم يتضح الحجم النهائي لهذه المنطقة المزمعة بعد.

وقال نيكولاس دانفورث، كبير الباحثين في صندوق مارشال الألماني "يبدو أن أنقرة تراجعت عن تهديداتها بالتدخل أحادي الجانب في شمال سوريا مقابل أي إجراءات غير محددة وافقت واشنطن على تنفيذها بسرعة".

وأردف قائلاً "ما لم يكن هناك أي شيء آخر، فإن هذا يمنح الجانبين مزيداً من الوقت لمواصلة النقاش بشأن تفاصيل المنطقة الآمنة، والتي لا شك في أنها ما زالت محل خلاف. إذا استمرت المفاوضات بشأن المنطقة الآمنة، فقد تجدد أنقرة التهديدات بشن عمل عسكري ... باختصار، من المرجح أن نشهد مزيداً من التوترات قبل أن نصل إلى أي مكان قريب من (ممر السلام)".

إذا فشلت الجهود في إقامة المنطقة الآمنة وشنت تركيا هجوماً على قوات سوريا الديمقراطية، فربما لا يوجد شيء يُذكر يمكن للولايات المتحدة أن تفعله لمنعها.

وقال آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط بمعهد أبحاث السياسة الخارجية، "ليس لدى الولايات المتحدة حقاً أي خيارات، بخلاف عرقلة الطريق وزيادة خطر أي عملية من خلال إثارة عدم اليقين بشأن ما إذا كانت أنقرة قد تقتل الأميركيين عن طريق الخطأ ... إذا قبلت أنقرة هذا الخطر، حسناً، لتطلق النار، والولايات المتحدة بلا خيارات".

وأضاف شتاين أن أنقرة حافظت على رغبتها في السيطرة على كل المنطقة بعمق 32 كيلومتراً. وقال: "أقبل ما قاله أردوغان ... لديهم رغبة في أخذ كل شيء وسيقررون الحكم في وقت لاحق".

ويقول ماكس هوفمان، المدير المساعد لشؤون الأمن القومي والسياسة الدولية في مركز التقدم الأميركي، وهو مركز بحثي في واشنطن، إن رؤية تركيا لمنطقة آمنة بعمق 20 ميلاً تسيطر عليها القوات التركية "غير قابلة للتطبيق تماماً وكانت كذلك منذ البداية".

وقال هوفمان "ستشمل جميع المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية تقريباً، بما في ذلك العديد من البلدات والمدن التي يغلب على سكانها الأكراد ... على هذا النحو، سيمثل هذا استسلاماً استراتيجياً كاملاً من قبل قوات سوريا الديمقراطية في المناطق التي قاتلوا فيها وقتلوا من أجل تحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية".

وأضاف هوفمان أن تركيا إذا اختارت بدلاً من ذلك "فرض القضية من خلال تحرك عسكري واسع النطاق، فإن قوات سوريا الديمقراطية ستقاوم، في حين ستحاول على الأرجح في نفس الوقت إبرام صفقة مع نظام الأسد".

وتابع هوفمان قائلاً "بالنسبة للولايات المتحدة، فإن مثل هذا الاحتمال سيقوض بشكل كامل سياستها المتعلقة بسوريا، وهو أمر يستلزم انسحاباً كاملاً من سوريا بصورة شبه مؤكدة - بالنظر إلى أن القواعد الأميركية الأساسية في سوريا موجودة في هذه المنطقة وإلى أن قوات سوريا الديمقراطية هي الشريك الأساسي لها".

شكك هوفمان في أن الرئيس دونالد ترامب سيهتم بهذه النتيجة "لأنه لا يهتم بسوريا إلا بقدر ما تلعبه من دور في السياسة الداخلية وفرص إعادة انتخابه".

من ناحية أخرى، ستكون هذه كارثة بالنسبة لتركيا. وقال هوفمان "ستُترك أنقرة لمواجهة نظام الأسد والأكراد الغاضبين وروسيا وإيران دون أي دعم من الولايات المتحدة".

وقال هوفمان "سوف يكافح الجيش التركي من أجل تأمين مثل هذه المنطقة الكبيرة في مواجهة مقاومة المقاتلين الأكراد على الأرجح، والتي ربما تكون مدعومة سراً من قبل النظام والروس والإيرانيين ... سيكون هناك المزيد من النزوح الناجم عن القتال، في حين من المحتمل أن يستفيد تنظيم الدولة الإسلامية من الفوضى لتوسيع حملته الكبيرة بالفعل".

في ضوء مدى سلبية هذه العواقب بالنسبة لتركيا، فسر هوفمان الأمر بأن أردوغان قد يكون "مخادعاً لمحاولة الحصول على تنازلات في منطقة عازلة محدودة أكثر وإعادة توطين اللاجئين و / أو تقليل فرص عقوبات قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات (كاتسا)" بسبب شراء تركيا لمنظومة الدفاع الصاروخية الروسية (إس-400).

قد يكون أردوغان مستعداً للقيام بخطوة محدودة في تل أبيض، والتي ستوجه ضربة أخرى للاستقلال الكردي وتضعف العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، في إشارة إلى الولايات المتحدة بأن تركيا تعني الأعمال وتهدئة القوميين في الداخل لتعزيز دعمهم السياسي الواهن، وفقاً لما ذكره هوفمان.

يعتقد البروفسور جوشوا لانديس، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما، أن تركيا تلعب لعبة خطرة مع الولايات المتحدة.

وقال لانديس "اكتشف أردوغان في ديسمبر أنه عندما قام بالتصعيد والتهديد بالغزو، تمكن من الحديث مع ترامب عبر الهاتف ... لقد وعده ترامب بما يريده - بأن الولايات المتحدة تعتزم الانسحاب من سوريا وستسمح لتركيا بإقامة المنطقة العازلة".

ولكن المشكلة بالنسبة للرئيس التركي كانت حينها أن مستشار الأمن القومي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو تراجعا عن تنازلات ترامب.

وقال لانديس "لذا فإن أردوغان يحاول إعادة استخدام استراتيجية التصعيد، على أمل لفت انتباه ترامب"، مضيفاً أن واشنطن لا تزال "تعتقد أنها تستطيع دعم الأكراد في سوريا والاحتفاظ بتركيا كحليف".

وأردف قائلاً "يريد أردوغان من الولايات المتحدة أن تعرف أن هذا غير صحيح ... إنه يعتقد أنها إذا أُجبرت على اتخاذ قرار للاختيار بين تركيا ووحدات حماية الشعب الكردية، فإن واشنطن ستعود إلى رشدها وتدرك أن تركيا أكثر أهمية".

وفي الوقت نفسه، يواجه زعيم تركيا عقبة أخرى. وقال لانديس "لقد سئم كثيرون في واشنطن من أردوغان ويعتقدون أن تركيا لم تعد دولة حليفة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-kurds/can-us-turkey-safe-zone-deal-avert-another-war-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.