هل يمكن لتفشي كورونا أن يبرر أفعال أردوغان؟

تنتشر روح التفاؤل الذي أصبح شائعًا بين العديد من الأتراك، ممن يؤمنون باستثنائية دولتهم وقدرتها على إدارة الأزمات. لكن هناك تطوران أظهرا أن النظرة الإيجابية وحدها لا يمكن أن تتغلب على وباء فيروس كورونا المتفشي.

الأول هو الارتفاع المتسارع الوتيرة في عدد حالات الإصابة بالفيروس منذ أن تم تسجيل أول إصابة معروفة في 11 مارس، مما يجعل تركيا واحدة من الدول التي تشهد أسرع معدلات الإصابة في العالم.

والثاني هو أنه بينما أعلنت دول أخرى عن تأمين حزم مالية كبيرة لأجور أولئك الذين لم يتمكنوا من العمل أثناء أزمة تفشي الفيروس، إلا أن تركيا طلبت من مواطنيها المساهمة بالتبرعات في حملة للقيام بنفس الشيء.

يمكن لكل من هذه التطورات أن يقلب التوازن المريح الذي وصلت إليه الدولة والشعب في تركيا.

وقد أثبتت حملة المساعدة التي أطلقتها الدولة على وجه الخصوص أنها رمزية للغاية بالنسبة لمجموعات الطبقات المختلفة. حيث يقرأها المواطنون من ذوي الدخل المنخفض كإشارة على أن الخزائن في تركيا قد جفت بالفعل.

أما رجال الأعمال والصناعة والتجارة المحليين فيقرأون الأمر ويتساءلون في قلق كبير؛ أين ستجد الدولة التمويل في الأشهر القادمة إذا ذهبت الأموال بالفعل. وسيرى أي شخص يمتلك حصة في السوق، في مختلف المدن التركية، أن سياسات الحكومة انقلبت ضد مصالحهم الخاصة.

ومع ذلك، يجب أن نقر بأن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، سيكون قد درس بالفعل المخاطر السياسية المحتملة والاستجابات السلبية من بعض الأجزاء والفئات تجاه هذه الحملة. من الواضح أن الرئيس أطلق حملته ليس فقط لجمع الأموال، ولكن أيضًا كوسيلة للحشد السياسي.

يمكن لهذه الحملة أن تولد الطاقة لحشد قاعدة أردوغان، التي تتمتع بالفعل بنوع من العلاقة الدينية مع السلطة السياسية. والصلوات التي تُقرأ من المآذن في أنحاء البلاد منذ بداية الأزمة هي خير دليل على ذلك.

يعلم الجميع أنه لا يوجد أساس إسلامي ولا علمي للبحث عن علاج للمرض من خلال الصلوات التي يتم إذاعتها عبر مكبرات الصوت في مآذن المساجد. هذه، في جوهرها، تعتبر أفعال سياسية ذات قشرة دينية، حيث يتوحد الدين والسياسة في تركيا.

ومن الواضح أن أردوغان يأخذ دعم رجال الأعمال في مجالات التجارة والصناعة كأمر مسلم به. وهناك أسباب مختلفة لذلك، ولكن في جذرها العلاقة التكافلية التي شكلها الرئيس مع هذه الجماعات على مدى العقد الماضي. وهذا ما يفسر سبب ضخ الكثير من الائتمان منخفض القيمة خلال تلك الفترة.
لا شك في أن تحويل الأموال إلى السوق في صورة ائتمان منخفض القيمة لعب دورًا في وصول الدولة اليوم إلى المرحلة التي تطلب فيها تبرعات من مواطنيها.

وبالتالي، لا يوجد للاعبين في السوق أي سبيل آخر سوى ابتلاع غضبهم – والالتزام بمناقصة الدولة التي ألزمتهم بالائتمان منخفض القيمة والمناقصات العامة الكبيرة. وعند هذه النقطة، وصل السوق في تركيا إلى المرحلة التي يعمل فيها تقريبًا كجزء من الخدمة المدنية.
لذا، فإن السياسة الرسمية للتعامل مع أزمة الفيروس المتفشي هي تكرار للشعبوية الدينية القومية التي نمر بها منذ فترة طويلة حتى الآن. وبسبب حجم المشكلة وتأثيراتها الاقتصادية، ستحتاج الحكومة إلى زيادة جرعة الشعبوية.
ومهما حدث، فمن المؤكد أن العواقب الاقتصادية للأزمة ستغير النظرة السياسية لشريحة من المواطنين على الأقل.

لا تتمثل استراتيجية أردوغان في محاولة إيقاف هذه الخسارة تمامًا، ولكن الحفاظ على وقوع أقل ضرر ممكن مع التغلب على الأزمة. وبعبارة أخرى، فهو يحمي بذلك  موقفه. ويترتب على ذلك أن جمهوره الرئيسي سيتكون من قواعد الناخبين من الإسلاميين والقوميين التابعين لحزب العدالة والتنمية، وحلفائه من الائتلاف، مثل حزب الحركة القومية اليميني المتطرف.
وبطبيعة الحال، سيخلق هذا النوع من السياسات صورة للدولة والسياسات كما لو أن جميع مواطني تركيا يتبعون خط حزب العدالة والتنمية وخط الحركة القومية. وسوف تتبخر أي خطابات أو هويات أخرى تشمل جميع شرائح المجتمع الأخرى.

يقتبس أردوغان الآن من القرآن الكريم أو من الحديث الشريف في كل خطاب له تقريبًا. يتلقى أردوغان دعماً من شريكه في الائتلاف، زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، الذي يدعم الرئيس وفقًا لتصرفاته السياسية الخاصة من خلال تحديد كل حالة على أنها قضية وجودية للقوميين.
وكنتيجة لذلك، ينأى مبدأ المصالحة بنفسه مع كل يوم يمر في تركيا، وتنمو الانقسامات بين مجموعات متباينة على المستوى الجزئي والكلي من خلال أنماط حياتهم وحياة الأسرة ومعتقداتهم.
ومع ذلك، يجب أن نكون واقعيين في السياسة: لا تستطيع إدارة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية إقامة هوية شاملة تشمل العلمانيين والأكراد. وبما أن هذه الجماعات لن تقتنع أبداً بخطاب الحزب الحاكم، فسيتعين على الحزب في النهاية أن يحكم من خلال القوة السياسية.
وبما أن إدارة حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية تفتقر إلى أي قدرة حقيقية على حل المشكلات على المدى المتوسط ​​والطويل، فإن أول الأسلحة التي ستستخدمها هو الخطاب العاطفي لحشد المواطنين لدعم الدولة. وهذه هي المأساة الحقيقية للأتراك، حيث على الرغم من أن الدولة من المفترض أن تكون في جوهرها أداة بالنسبة لهم، إلا أنهم هم الذين يجدون أنفسهم في معظم الأحيان مستغلين من قبلها.
أما السلاح الثاني الذي سيستخدمه الحزب الحاكم فهو قصة روبن هود على الطريقة التركية. حيث سيتم تجميع مدخرات قلة من الناس، الذين ينتجون ويدفعون ضرائبهم بانتظام، من قبل الدولة وتوزيعها على الحلفاء الذين يدعمونها، وستدفع الشعبوية ملايين الأشخاص لدعم تلك النظرية عن طيب خاطر.
وهذا هو النظام الذي تستطيع فيه طبقات الناس المتواضعة استغلال الأموال والمعرفة من هؤلاء الأذكياء والمهرة. وسرعان ما سيبدأ المهرة والمتعلمون في الدولة في رؤية أنفسهم على أنهم يُستخدمون كفيالق عسكرية. 
وسيتعين علينا الانتظار ومعرفة ما إذا كانت أزمة فيروس كورونا ستؤدي إلى تغيير الحكومة في تركيا. لكن الأمر المؤكد هنا، هو أن الأزمة قد عملت على إعادة تشكيل جزءًا كبيرًا من السلطة السياسية لأردوغان.

واضطرت تركيا إلى اتخاذ خطوة إلى الوراء الشهر الماضي عندما واجهت روسيا في إدلب شمال غرب سوريا، حيث يقاتل المتمردون المدعومون من تركيا الحكومة السورية المدعومة من روسيا.

والآن، ترك الأثر الاقتصادي لوباء فيروس كورونا أنقرة متأرجحة. ومن هنا نستطيع أن نرى كيف يمكن للأزمات العظمى أن تسرق في لحظة واحدة كل هذا الفخر والتباهي الذي اكتسبته الحكومة على مدى عقد من الزمان.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-coronavirus/could-coronavirus-outbreak-rationalise-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.