هل يمكن لتركيا الاستفادة من توسعة الاتحاد الأوروبي؟

بات من السهل هذه الأيام التشكيك في قدرات الاتحاد الأوروبي، الذي وضعت أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) تضامنَه في اختبار صعب. ويحقق منافسوه الجياسياسيون، مثل الصين – وروسيا الآن – مكاسب على مستوى العلاقات العامة، من خلال إرسال شحنات إمدادات وأطقم طبيّة إلى إيطاليا المتضررة بشدة من الجائحة.

لكن من يراقب الاتحاد الأوروبي عن كثب، من الصعب أن يستغرب تراخيه المستمر إلى الآن. فيوم الثلاثاء، قرر مجلس الشؤون العامة بدء مباحثات العضوية مع شمال مقدونيا وألبانيا، وهو الأمر الذي يعني أنه لم يتم تجميد التوسُّع، وأن الاتحاد الأوروبي ما زال حريصاً على تأكيد نفوذه على محيطه.

وقليل هم من سينكرون أن قرار الاتحاد الأوروبي جاء متأخراً جداً. وشمال مقدونيا مثال جيد؛ فجمهورية ما بعد يوغسلافيا اعتُبرت مستأهلة لبدء محادثات الانضمام في أوائل عام 2009. بيد أن مساعيها ووجهت بمعارضة شديدة من اليونان بسبب قضية التسمية القائمة منذ فترة طويلة. وعلى الرغم من أن أثينا وسكوبيه توصلتا إلى تسوية من خلال اتفاق بريسبا، فإن عقبات جديدة ظهرت.

وطالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعديل عملية الانضمام، مما ألزم بروكسل بالنظر من جديد في فصول المفاوضات المغلقة بالفعل. والهدف هو تجاهل الإصلاح الداخلي، وتجنب التراجع الذي حدث مع كل من المجر وبولندا. وتتبنى دول أخرى آراء مماثلة لتلك التي تتبناها فرنسا. فالدنمارك وهولندا على سبيل المثال، كانت لديهما على وجه الخصوص شكوك بشأن رغبة ألبانيا في معالجة قضايا الجريمة المنظمة والفساد المستشرى في المستويات العليا. وتلقت سكوبيه وتيرانا الضوء الأخضر، فقط بفضل المفوضية الأوروبية التي وضعت منهجاً جديداً للتفاوض يتفق مع شروط ماكرون.

ويُرجّح نموذج شمال مقدونيا وألبانيا، والذي يمتد لأكثر من عام ونصف العام، أن عملية التوسعة ستمضي بوتيرة بطيئة. وفي فترة ما بعد الانفصال البريطاني، يضع الاتحاد الأوروبي وحدة الصف الداخلي في مقدمة أولوياته، بدلاً من التوسع. وظل ماكرون يضغط من أجل ميزانية مشتركة لمنطقة اليورو، ويستخدم حالياً تحدي كوفيد-19 لتجديد دعوته إلى إصدار سندات دولية بشكل مشترك من جميع الدول التي تبنّت العملة الأوروبية الموحدة.

ومن غير المرجح أن يقبل الاتحاد الأوروبي المزيد من الأعضاء قبل عام 2027، عندما يُطلق إطار عمله المالي لعدة سنوات. وإذا فتح الاتحاد الأوروبي باب الانضمام، فيبدو أن الدولة الأوفر حظاً للانضمام هي الجبل الأسود . فعلى عكس الجارة صربيا، التي تتفاوض من أجل الانضمام منذ عام 2014، ليس لدى الجبل الأسود عبء النزاع على السيادة، مثلما هو الحال مع كوسوفو. وستكون جمهورية شمال مقدونيا محظوظة إذا حققت حلم الانضمام بحلول نهاية هذا العقد، في ثلاثينيات القرن الحالي. وسيكون على ألبانيا الانتظار أكثر على الأرجح، بينما ستبقى البوسنة والهرسك وكوسوفو في آخر الطابور.

ماذ يعني هذا بالنسبة لتركيا؟ يعني هذا أن مباحثات العضوية التي يجريها الاتحاد الأوروبي معها هدفها الوحيد إدخال تركيا في سبات عميق لفترة طويلة. غير أن التكامل التدريجي لمنطقة البلقان يفسح الطريق أمام فرص. فمع تعميق منطقة اليورو، يخلق التوسع البطيء واقعاً سياسياً جديداً في أوروبا يجعل الاتحاد الأوروبي في قلب دائرة تصطف حولها جمهوريات يوغسلافيا السابقة.

وحالما تُكمل بريطانيا اتفاق التجارة والتعاون مع الاتحاد الأوروبي، ستظل هي الأخرى تدور في فلك بروكسل – على الرغم من دعوات مؤيدي الانفصال. وهناك فرصة جيدة أمام تركيا للدخول في فئة وسط، لا تنتمي إلى غرب البلقان الساعي إلى الانضمام، ولا إلى بريطانيا التي ستكون شبه منفصلة عن الاتحاد الأوروبي.

ويربط الاتحاد الجمركي الاقتصادَ التركي باقتصاد الاتحاد الأوروبي. ومع الوقت قد يتم تطويره، خطوة بخطوة، ليضم الخدمات. وليس من الصعب تصوُّر إمكانية أن تحصل تركيا على مميزات تمكّنها من الدخول إلى السوق الأوروبية المشتركة، مثل النرويج، وآيسلندا، وليشتنشتاين.

سينطوي هذا أيضاً على تعزيز التعاون في عدد من القطاعات، مثل العدالة، والشؤون الداخلية، والهجرة واللجوء (وهو تعاون قائم بالفعل، بفضل اتفاق اللاجئين الخاص منذ عام 2016)، أو الطاقة. وعلى الرغم من أن مسألة العضوية مستبعدة، ومن المرجح أن تظل هكذا بالنظر إلى صعود صوت القومية في أنحاء أوروبا، فإن هناك أشكالاً أخرى من التعاون الوثيق، الذي سيعود بالنفع على تركيا والاتحاد الأوروبي.

ولكي تستفيد تركيا من التكامل الأوروبي المطروح على الطاولة، فإن عليها تعديل مسارها. فزعماء الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، لن يستطيعوا قبول مطالب أنقرة بتحديث الاتحاد الجمركي، إلا إذا كان هناك تحرر سياسي في البلاد بدرجة ما.

وطالما أن المجتمع المدني التركي يواجه القمع، وتتعرض المعارضة السياسية لضغوط شديدة، فسيكون أمام صناع السياسات في العواصم الأوروبية الرئيسة وفي بروكسل مجال محدود للتردد. صحيح أن الاتحاد الأوروبي أضاع منذ فترة طويلة نفوذه المؤثر على الشأن الداخلي التركي؛ لكن تبقى المشروطية إحدى أدوات السياسة الخارجية القليلة التي ما زالت في يده. لقد تجاوز الزمن العصرَ الذهبي للتوسعة وأضحى ذلك العصر من الماضي، لكن إرثه باق.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eu-turkey/can-turkey-benefit-continued-eu-enlargement
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.