أحوال تركية
مايو 14 2019

هل يندم أردوغان على قرار إعادة انتخابات إسطنبول

هل سيندم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على ضغطه على المجلس الأعلى للانتخابات لإعادة انتخابات بلدية إسطنبول؟ هل يدل قرار إعادة الانتخابات على ضعف أردوغان وتخبطه أم أنه يؤكد هيمنته المطلقة على الدولة ومؤسساتها السيادية التي يفترض بها أن تكون مستقلة بقرارها، وألا تتلقى أوامرها من أية سلطة في البلاد؟ ألا يشرع أردوغان الأبواب للتدخلات في قرارات الهيئات والمؤسسات التي لا توافق هواه؟ ألا يلغي ذلك دور المؤسسات ويرهنها لمصالح الرئيس وحزبه الحاكم؟

أسئلة تثار في الشارع التركي، ويحاول عدد من الكتاب والباحثين من المهتمين بالشؤون التركية تقديم تصوراتهم وقراءاتهم ومقارباتهم لها، وذلك في سياق تطور المستجدات على الساحة السياسية التركية التي تعاني من قلاقل متجددة في ظل حكم أردوغان الذي يوصف بأنّه يبحث عن إعادة إحياء أمجاد السلطنة العثمانية، من خلال ادعائه الزعامة الإسلامية، وتقديم نفسه كزعيم ليس لتركيا فحسب، بل للعالم الإسلامي برمّته.

لا يخفى أن أردوغان الذي تحدث قبل أيام عن وهم الذين يتحدثون عن ربيع تركي محتمل - وُصف حينها بأنّه ككلّ المستبدين يظن نفسه مُحصَّناً وأكبر من أية محاولة لزحزحة حكمه أو تحديه - يجد نفسه محاصَراً أكثر فأكثر، ولاسيما مع انهيار العملة التركية، وفقدانها أكثر من 15 بالمئة من قيمتها منذ بداية العام الجاري، ناهيك عن تزعزع ثقة المستثمرين الأجانب به، ومزاعمه الرغبوية في الاقتصاد، وخروجه عن أعراف الأسواق العالمية وعلم الاقتصاد، وإعلانه معاداته لأسعار الفائدة، وغيرها من المواقف والأفعال التي تشير إلى استبداده وهيمنته على مؤسسات الدولة وتطويعها لمصالحه وفرض إملاءاته عليها. 

ونشر الباحث الأميركي هنري ج. باركي؛ وهو أستاذ العلاقات الدولية بجامعة "ليهاي" وكبير زملاء دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، مقالة في مجلة فورين بوليسي الأميركية بعنوان: "أردوغان سيندم لإلغاء نتائج إسطنبول.. والقرار دليل ضعفه"، تناول فيه إلغاء المجلس الأعلى للانتخابات بتركيا نتائج انتخابات بلدية إسطنبول، وإعادتها في 23 يونيو المقبل، بعد ضغوط من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم العدالة والتنمية. 

لفت الباحث باركي في مقاله (ترجمه المركز الكردي للدراسات ونشره في موقعه الإلكتروني) إلى أن قرار إلغاء المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا نتائج الانتخابات البلدية في إسطنبول التي هزمت فيها المعارضة حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لم يكن مفاجئاً.

أوغلو ركز على القضايا المحلية ولم ينخرط في مبارزة إعلامية دعائية مع أردوغان
أوغلو ركز على القضايا المحلية ولم ينخرط في مبارزة إعلامية دعائية مع أردوغان

وبحسب باركي في مقاله، فإن هذه ليست هي المرة الأولى التي يلجأ فيها حزب العدالة والتنمية إلى التحايل على النتائج الانتخابية التي يريدها. في استفتاء عام 2017 الدستوري، الذي استبدل النظام البرلماني بالنظام الرئاسي الحالي، تمكن أردوغان من عكس هزيمته في صناديق الاقتراع من خلال حشو الأصوات في اللحظة الأخيرة، وغيرها من وسائل الغش.

وتراه يؤكد أن هناك اختلافات هذه المرة، وأنه على عكس عام 2017، استغرق الأمر أكثر من شهر من الضغط العلني المكثف من أردوغان حتى يتمكن المجلس الانتخابي من إسقاط انتخابات شرعية تمامًا، بحسب ما كان يراها أنصار العدالة والتنمية وخصومهم في المعارضة، وأن الفائز الشرعي في إسطنبول أكرم إمام أوغلو، هو مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، ركز على القضايا المحلية ولم ينخرط في مبارزة إعلامية دعائية مع أردوغان وأتباعه الذين ادعوا أن هذه الانتخابات كانت في الواقع تتعلق بالقضايا الوطنية والقومية والمؤامرات الأجنبية والإرهاب وسوريا، ومجموعة من القضايا التي لا علاقة لها بمثل هذه الانتخابات المحلية، التي ترتكز على اهتمامات مثل المياه والنقل وسوء الخدمات.

يشير الباحث إلى أن أردوغان ضاعف الخطأ الاستراتيجي المتمثل في إقحام نفسه في الانتخابات المحلية في المقام الأول، وقام بتحويل الانتخابات إلى تصويت بالثقة على قيادته، وقسم المجتمع التركي إلى أنصار وأعداء، بحيث أصبحت النتائج كارثة شخصية له، حيث فقد حزبه بعض أهم البلديات، بما في ذلك إسطنبول أنقرة وأضنة ومرسين وإزمير.

ويجيب باركي عن سؤاله لماذا يأخذ أردوغان مثل هذه المخاطر على عاتقه؟ بإيراد ثلاثة تفسيرات مختلفة لذلك. أولاً، إسطنبول ليست المدينة الأكبر فحسب، بل هي العاصمة الاقتصادية والثقافية للبلاد. وعلى هذا النحو، كانت بمثابة البقرة النقدية لحزب العدالة والتنمية. ثانياً، إسطنبول هي قاعدة أردوغان الرئيسية؛ وقد بدأ مسيرته المهنية كسياسي وطني عندما تم انتخابه لأول مرة عمدة لها في عام 1994. وهو يدرك أن عمدة المعارضة الناجح، وخاصةً شخص بذكاء إمام أوغلو المدهش ومهاراته، يمكن أن يأتي عليه يوم ليمثل تحديا له. ثالثًا، خشية أردوغان أيضا من أن فقدان إسطنبول، سيشكل مزيدًا من التصدعات في حصنه ويعطي تصورًا بأن سلطاته تتناقص. وقد يفسر بعض الأتراك الخسارة بأنها بداية النهاية بالنسبة له. في عام 2017، ذكر "أردوغان" أنه "إذا خسرنا إسطنبول، فإننا نفقد تركيا".

يؤكد باركي كذلك أن أردوغان سيندم أشد الندم لقراره بإلغاء انتخابات إسطنبول، ويعلّل ذلك بالقول إنّه في المقام الأول يدل على أنه يفقد السلطة ويخاف مما سيحدث. ويصفه بأنه مرعوب من أي تعبئة محتملة للمجتمع المدني، وأن جنون العظمة يقوده إلى رؤية المؤامرات في كل مكان وإلى تطهير البيروقراطية والعسكرية والمجتمع بشكل متواصل من الأعداء الذين يتخيلهم.

ينوّه باركي إلى نقطة مهمة تتمثل في لجوء الناس إلى أشكال بديلة من المعارضة في حال فقدانهم الثقة بالانتخابات، والنظام، ويشير إلى أن "النظام النظام الذي لا يزال منخرطا في المؤسسات الغربية، والذي لا يوفر أي سبل للمعارضة الحقيقية وسط تدهور الظروف الاقتصادية، سيدفع في النهاية إلى انتفاضة. عندما يصل الربيع التركي، لن يتحمل أردوغان سوى اللوم".

الأسابيع القليلة القادمة ستحمل بعض الإجابات عن أسئلة الشارع التركي التي تظل معلّقة، وتزيد الشكوك بسلطة الرئيس أردوغان وسياساته وحزبه الحاكم، كما تثير كثيراً من الشكوك حول قدرته على إدارة الأزمة الاقتصادية التي تئنّ البلاد تحت وطأتها التي تشتدّ باطّراد.