هل ينجح باباجان بإنقاذ تركيا من قبضة أردوغان

أنقرة – إلى أيّ حدّ يمكن أن يمضي زعيم حزب الديمقراطية والتقدم؛ علي باباجان في تحدّيه لسلطة الرئيس رجب طيب أردوغان؟ هل سيتمكّن من الحظوة بقة الاتراك من أجل إنقاذ الاقتصاد المتعثّر؟ هل سيمنحه أردوغان هذه الفرصة أم أنّه سيشدّد عليه الخناق قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في 2023؟

أمام التحديات الكثيرة التي تواجه علي باباجان، وزير الاقتصاد ونائب رئيس الوزراء الأسبق، والذي أسس حزبه "ديفا" المعارض للرئيس أردوغان، في مارس الماضي، هل سينجح بوضع خارطة طريق لإنقاذ تركيا من قبضة أردوغان؟ هل سيعقد تحالفات مع المعارضة أم سيحاول شقّ طريقه بنفسه اعتماداً على سمعته السابقة كمهندس للاقتصاد؟

أشار باباجان إلى أنّه اتّخذ مع رفاقه قرارا بتأسيس حزب الديمقراطية والتقدّم من أجل السير بتركيا نحو الديمقراطية، وإنقاذ الاقتصاد المتعثّر، والتأكيد على سيادة القانون، وعلى الحريات وحقوق الإنسان، والتشديد على القيم العلمانية للجمهورية، والابتعاد عن ذهنية الاستبداد والدكتاتورية..

على الصعيد الداخلي يشدّد باباجان على أنّ عملية الحلّ في الداخل تحتاج إلى حزمة قرارات تضع الأمور في مسارها الصحيح، وتبتعد عن التوتّر والتصعيد، وتؤكّد حسن النوايا، بمعزل عن الإرهاب والاقتتال والتخوين، وأنّ على الحكومة اتّخاذ قرارات إيجابية، وإبقاء باب المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني مفتوحاً.

يمهّد باباجان للانتخابات الرئاسية المقبلة بأنشطة جماهيرية في عدد من المحافظات التركية، ويركّز على المدن ذات الغالبية الكردية، في مسعى منه لاستقطاب الأكراد إلى جانبه، واحتواء حزب الشعوب الديمقراطي الذي يعاني من التضييق عليه من قبل التحالف الحاكم.

وفي هذا الإطار قال علي باباجان، إن إقالة رؤساء البلديات المؤيدين للأكراد ينتهك بشدة الحق في الانتخاب والترشح. وانتقد حزب العدالة والتنمية وشريكه الحركة القومية المتطرّف، وقال إن مشكلة كردية جديدة نشأت في البلاد. وقال: "هذه الإدارة وشركاؤها الصغار، للأسف، يخلقون مشكلة كردية مرة أخرى. الضغط على اللغة يعود ببطء. واجب الدولة لا يمكن أن يكون منع الأكراد من التكلّم بلغتهم".

وأكّد باباجان أنّ عقودًا من محاولات حل القضية الكردية بالإنكار والقمع أدت بتركيا إلى طريق مسدود. وقال خلال كلمة ألقاها في مؤتمر حزب ديفا في محافظة ديار بكر الواقعة جنوب شرق البلاد ذات الأغلبية الكردية: "لقد عينت الحكومة أمناءً لـ 48 بلدية حتى الآن. إرادة الشعب، والحق في التصويت والانتخاب، تم انتهاكها للأسف في الوقت الحالي".

وأضاف إنّه "لا يمكن لمن يدافع عن سيادة القانون أن يعترض على التحقيق في أحداث عنف عام 2014. ومع ذلك، لا يمكن استخدام الملفات في القضاء كمواد للضغط والابتزاز التي سيستخدمها حكام البلاد عندما يتعلق الأمر بالتخلص منها". وقال إن الوعد بـ "عدم التسامح" مع التعذيب الذي أعلنه حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس أردوغان في أواخر عام 2002، إلى جانب تنفيذ القوانين واللوائح ذات الصلة التي تحظر هذه الممارسة، جلب آمالًا كبيرة في وضع حد لهذه الأعمال المروعة. لكنه أضاف أنه منذ انهيار عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني عام 2015، وخاصة في السنوات الأخيرة، تصاعدت التقارير عن التعذيب.

باباجان وأحمد داود أوغلو انشقّا عن حزب أردوغان
باباجان وأحمد داود أوغلو انشقّا عن حزب أردوغان

ويُذكر أنّه تم فصل حوالي 48 من رؤساء البلديات المؤيدين لحزب الشعوب الديمقراطي، في حين تم إلقاء القبض على أبرز الشخصيات، مثل الرئيس المشارك السابق والمرشح الرئاسي صلاح الدين دميرطاش، بتهم تتعلق بالإرهاب وحوالي ثلثهم. واتهمت الحكومة حزب الشعوب الديمقراطي بصلاته بحزب العمال الكردستاني المحظور، لكن جماعات حقوق الإنسان تقول إن الحكومة تستخدم مزاعم غامضة ومزيفة عن الإرهاب من أجل عزل أو سجن رؤساء بلديات حزب الشعوب الديمقراطي المنتخبين ديمقراطياً.

وفي 25 سبتمبر، أصدرت السلطات التركية مذكرات توقيف بحق 82 شخصًا واعتقلت 20 شخصًا، من بينهم رئيس بلدية والعديد من النواب السابقين من حزب الشعوب الديمقراطي، المتهمين بالتورط في احتجاجات أكتوبر 2014 في تركيا، والتي اندلعت بسبب الاستيلاء على بلدة كوباني السورية على يد مقاتلي الدولة الإسلامية.

وبالنسبة لأتراك المهجر الذين يحاول أردوغان باستمرار استغلال قسم كبير منهم لإثارة الفوضى في الدول الأوروبية، ويعتمدهم كأوراق ضغط من أجل ابتزاز الدول التي يعيشون فيها منذ سنوات، ويحملون جنسياتها، لفت باباجان إلى أنّ من الضروري على أتراك المهجر، في المانيا مثلاً، تعلّم لغتهم الأمّ بالإضافة إلى اللغة الألمانية، والتعامل بمسؤولية تجاه قضاياهم من دون تطرّف.

كما تحدث باباجان عن الدعوة إلى انتخابات مبكرة، مشيرًا إلى أن البنية التحتية الاقتصادية لتركيا يمكن أن تصمد أمام انتخابات 2023، وعن إمكانية عقد تحالفات انتخابية، وأنّ الظروف ستتغير الآن، وقال: كانت لحظة 2018 مختلفة تمامًا عمّا هي عليه في تركيا الآن. ولفت أنّ خريطة الدعم تتغير باستمرار، وأنّه تم تشكيل أحزاب جديدة، وأنّ من الضروري بالنسبة لحزبه بلورة هويته الخاصة، وعدم الانضواء تحت مظلة أي حزب آخر أو أي تحالف مفترض، وأنّ عليهم إظهار اختلافهم وتمايزهم أولاً لكسب ثقة المواطنين.

وقال باباجان: الحزب الحاكم والشركاء الصغار الذين يتبعونهم يجرون هذا البلد إلى أماكن خاطئة، وحدة السلام يكسر العزلة، إنهم يحاولون البقاء على قيد الحياة من خلال إبعاد شرائح معينة، بأصوات مجموعة أخرى". وقال كذلك: "إنهم يسرقون ويستهلكون 120 مليار دولار من البنك المركزي من أجل الحفاظ على أسعار الصرف عند نقطة معينة، ولم يفعل شيئًا.

أمّا بالنسبة للاقتصاد، فقد أكّد باباجان على أنّ الحقائق حول الاقتصاد لم يتم الكشف عنها. وأنّ سؤال التجار كم كانت البضائع التي تمّ شراؤها العام الماضي، وكم هي الآن، وأنّ قيمتها لا تتجاوز ثلاثين وأربعين في المائة من قيمتها السابقة. ولفت إلى أنّ إجمالي الدخل القومي يساهم في رفع التضخم، ولا يعكس الحقيقة، وأنّ البلاد تحتاج إلى إدارة نزيهة تكون شفافة بشأن الأرقام والوقائع..

وفيما يتعلّق بالحقوق والحريات، نوّه باباجان إلى أنّ أعضاء المحكمة الدستورية مهددون من قبل الحكومة والمسؤولين. وأنّ إعادة رجل الأعمال عثمان كافالا إلى السجن بتهم جديدة بعد الإفراج عنه أظهر كيف أصبح القضاء في تركيا يخدم غايات المسؤولين السياسيين، وأداة بيد الحكومة للتنكيل بالمعارضين.

وفي سياق متّصل، يشير محللون أتراك إلى أنّ البلد بحاجة إلى الأمل، وأنّ قادة الأحزاب الجديدة، ومنهم علي باباجان وأحمد داود أوغلو، ينشطون في انتقاد الحكومة، والحزب الحاكم الذي كانوا ينتمون إليه سابقاً، وهم يتعاملون مع قضايا مصيرية، وأنّهم لم يتمكنوا من إظهار الاستجابة المتوقعة خلال فترة التأسيس، وأنّ من الصعب عليهم التغلب على إحباطهم من ضعف المنافذ كلها في وجوههم في هذه المرحلة الحرجة، ومع ذلك، فإن توسيع دائرة الاهتمام يمكن أن يكسر اليأس المتمثل في "مهما حدث فلن يكون من الممكن تجاوز الانسداد في السياسة" يجعل وجودها ضرورياً في إطار الاستعداد للتغيير والسعي إليه.  

ويذكرون أنّه تمامًا مثل حزب العدالة والتنمية في عام 2001، الذي تأسس في وقت كانت السياسة تنفد فيه، كان لديه طاقم عمل واقعي، وأعطى الأمل في أن وجوده سيمكن البلاد من الخروج من حيث انطلقت، وأنّه قلة هم الذين منحوه فرصة، أو حتى اعتقدوا أنه يستطيع الوفاء بوعوده؛ ومع ذلك، تمكن حزب العدالة والتنمية من الوصول إلى السلطة في الانتخابات الأولى، وبينما كان يحاول الوفاء بوعوده أعطى الأمل في أنه يمكن أن يحقق أكثر من وعوده، لكنه لم ينجز ما وعد به، فإنّ الشروط مشابهة لظروف تلك الأيام، والنتائج التي ستفرضها تلك الظروف قد تكون هي نفسه، من حيث تصدير إدارة جديدة تعمل على إجراء تغييرات مأمولة.