هل ينجح تحالف أنقرة- الدوحة باستقطاب عمران خان لإعادة حُكم الإخوان؟

لندن - لم يكن من المُستغرب أن يُعوّل رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، على الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، في احتواء الأزمة بين الجارتين، الهند وباكستان مطلع العام الحالي على خلفية التصعيد العسكري الخطير بينهما، حيث تربط خان وأردوغان علاقة مميزة توّجتها زيارة خان لتركيا يناير 2019.
وفي الحقيقة، تسعى أنقرة، رغم اقتصادها المتدهور، إلى دخول باكستان من بوابة الوعود بالدعم الاقتصادي لحكومة خان الذي يُحاول إخراج بلاده من دائرة الحرب بالبحث عن مساعدات اقتصادية ومالية.
لكنّ تركيا، وكما دأبت في دول أخرى كالصومال والسودان وليبيا ودول البلقان، لا تكتفي بالطبع كعادتها بتقديم تلك المساعدات المحدودة، وبعقد صفقات اقتصادية مربحة لشركاتها، بل تسعى لزيادة نفوذها الديني والأمني في العالم الإسلامي، من خلال إرسال فرق للتعليم الديني وإحياء النفوذ العثماني التاريخي خارج حدودها.
وأردوغان كما هو معروف لا يتخلى عن هويته الإسلامية الإخوانية، فهي الركيزة الأساسية لحكمه، فهو إذا فقدها فإنه يخسر معها عرشه.
وينظر خبراء الجماعات الدينية للرابطة الإسلامية الباكستانية، كنسخة من جماعة الإخوان المسلمين، التي تحظى بدعم غير محدود من أردوغان. وللرابطة علاقة وثيقة مع غيرها من الجماعات المتطرفة، ولها جناح عسكري صنفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية.
كما يسعى مركز الأبحاث الاستراتيجية لجنوب آسيا، الذي أسسته تركيا، للترويج لأردوغان كـ"خليفة للمسلمين"، وخاصة في باكستان.
فمع تبخر أمنيات الخلافة الإسلامية وأحلام الزعامة لدى أردوغان، وانهيار التحكم في سوريا وليبيا والسودان، وقبلها مصر وتونس، رغم دعمه لكافة التنظيمات المُتطرفة وتسهيل مهامها، بدأ الرئيس التركي بالشراكة مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، البحث عن دول أخرى مأزومة اقتصادياً، لعلّه يُنعش آمال حركته "الإخوان المسلمون" في تعويض بعضٍ من هزائمها التي لا تنتهِ، فيما يُحاول أردوغان في ذات الوقت إنقاذ عرشه.
ومع الفشل السياسي والاجتماعي المتواصل الذي يُطارد الإخوان أينما هربوا وحلّوا، خاصة مع تصنيفهم جماعة إرهابية في العديد من الدول، لم يبقَ أمام الإخوان المسلمين اليوم سوى تركيا حليفاً، والتي يسعى زعيمها أردوغان لإحياء احتلال عثماني لدول عربية وإسلامية استمر لأكثر من نصف قرن.
كما تحظى جماعة الإخوان بدعم قطر، التي تتمتع بوفرة مالية جعلتها تطمع في لعب أدوار إقليمية كبرى، مُستغلة تجذر أذرع الجماعة سياسيا واجتماعيا في المنطقة.
ويرى محللون سياسيون، أنّ زيارة أمير قطر يونيو الماضي لباكستان، وتوقيعه لاتفاقيات مع رئيس الوزراء الباكستاني بنحو 22 مليار دولار، تمّت بطلب من أردوغان الذي لا تقوى بلاده في ظلّ أزمتها الاقتصادية الخانقة على عقد مثل تلك الصفقات الضخمة، ولو بحدودها الدنيا.
وكان لافتاً خلال الزيارة توقيع الشيخ تميم وعمران خان اتفاقية لتبادل المعلومات الاستخبارية، فيما تواردت أنباء عن تقديم المزيد من الدعم المالي للحركات الإسلامية المنتشرة بكثرة في باكستان.
وعلى الرغم من أنّ رئيس علماء باكستان الشيخ محمد طاهر الأشرفي، سبق وأن وصف الإخوان المسلمين بأنهم إرهابيون وكذّابون، وهاجم الاستغلال التركي المُسيء للسعودية في قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي، إلا أنّ أنقرة والدوحة تسعيان لاستغلال عمران خان كرئيس لوزراء باكستان في إعادة الإخوان للحكم وإن بأسلوب غير ظاهر للعلن لحين تمكّن المُخطط التركي القطري من تحقيق أهدافه.
وفي الحقيقة، ومنذ ما قبل خان، فقد دأبت إسلام أباد على ترحيل الأتراك المُعارضين لأردوغان من باكستان بحجة ارتباطهم بمدارس غولن، مما عرّضهم لانتهاكات كبيرة.
لكنّ وتيرة الترحيل ارتفعت مع تسلّم خان رئاسة الوزراء، حيث قام وقف المعارف التركي بالاستحواذ مؤخراً على إدارة كافة مدارس غولن في باكستان، حتى أنّ المحكمة العليا الباكستانية أصدرت قرارًا طلبت فيه من وزارة الداخلية إدراج منظمة "غولن" على قائمة الإرهاب.
وتُلقي حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باللوم على غولن، رجل الدين الذي يعيش في منفى اختياري في الولايات المتحدة، في محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد في شهر يوليو من عام 2016، ومنذ ذلك الحين تسعى إلى إغلاق المئات من المدارس المرتبطة بغولن في أنحاء العالم أو الاستيلاء عليها.
وتجد أنقرة في دول مُنهكة سياسيا واقتصاديا، شريكًا فاعلًا لتسليمها أعضاء منظمة غولن والمدارس التي تديرها في تلك البلاد.
وقد أنشأت وزارة التربية والتعليم التركية وقف المعارف كوقف تعليمي، ليتولى إقامة مدارس خارج البلاد، في خطوة تطرح بديلًا للمدارس التابعة لمنظمة "غولن".
ومؤخراً عزّزت تركيا تعاونها العسكري مع باكستان من خلال توقيعها صفقة صناعة أربعة سفن حربية لصالح القوات البحرية الباكستانية، وتحظى الصفقة التي تعد الأكبر في مجال الصناعات الدفاعية التركية بأهمية كبرى لدى أنقرة.