هل يستغل أردوغان أزمة إدلب لتحصيل مكاسب سياسية في الداخل؟

مع اتساع دائرة الصدامات في سوريا، ومع الضغوط، التي مارستها حكومة أردوغان على إدارة ترامب؛ للسماح لها بلعب دور أكبر على الساحة السورية، طرأت تغيرات كبيرة في تأثير  الجهات الفاعلة وقدراتها على الساحة هناك؛ فتقلص الوجود الأميركي في شمال سوريا. وفي المقابل، أصبح مجال تحرك سوريا وإيران هناك أكثر اتساعًا.
أصبحت روسيا وإيران بميليشياتها الشيعية، التي تُقدر أعدادها بما يزيد عن مائتي ألف مقاتل، المتحدث الرئيس باسم سوريا، والمدافع الأول عن نظام بشار الأسد. وعلى الجانب الآخر، وبالتزامن مع تراجع، أو لنقل "تبخر" الوجود الأميركي في سوريا، إلى حدٍ كبير، فقدت الهجمات الجوية المحدودة، التي كانت تستهدف بها إسرائيل، بين الوقت والآخر، الميليشيات الشيعية التابعة لإيران على الأراضي السورية، تأثيرها أيضاً بشكل كبير.
من ناحيتها، استهدفت القوات المسلحة التركية، إدلب؛ في عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "عملية درع الربيع". تلك العملية التي لم تختلف أهدافها المُعلنة عما كانت تركيا تعلنه في الماضي، مع كل تحرك عسكري تقوم به على الأراضي السورية وهي فرض منطقة آمنة، ووقف موجات نزوح اللاجئين، الذين لن تقل أعدادهم، هذه المرة، عن مليون لاجئ سوري، قد يتدفقون من إدلب باتجاه الحدود التركية، وتحويل إدلب، وإن لم يكن هذا بشكل رسمي، إلى "مقاطعة تركية"، لها اليد الطولى فيها؛ ومن ثم يمكنها التلويح بها، من خلال السكان هناك، في وجه نظام الأسد، في أي وقت؛ كي يقدم تنازلات.
ويؤكد هذه الأطروحة كذلك تصريح لزعيم حزب الحركة القومية، وحليف أردوغان، دولت بهجلي، جاء فيه ما يلي:
"إدلب هي العمق الجغرافي لولاية هاتاي. وإذا انسحبنا من إدلب، فسنجد أنفسنا، عاجلًا أو آجلا، خارج هاتاي. إذا حدث شيء كهذا، فهذا يعني أن حالة الفوضى، التي تجتاح سوريا الآن، ستنتقل إلى الأناضول أيضاً. إذا لم نتمكن من الدفاع عن أنفسنا، فهذا يعني أننا سنسلم الأناضول. سنترك لهم الأناضول".
يبدو لنا، من المشهد الراهن، أن تركيا تسعى لإخضاع منطقة شمال سوريا لسيطرتها بالكامل؛ كي تضمن الدخول والخروج عبر الحدود الممتدة بين البلدين بحرية تامة، عبر تطبيق نفس السيناريو، الذي اتبعته في العراق، عندما تذرعت ﺒ "تهديدات حزب العمال الكردستاني"؛ لتبرير تدخلها في شمال العراق؛ وبالتالي قامت بشن هجمات متكررة من البر والبحر على هذه المنطقة. والمبرر جاهز هذه المرة أيضًا؛ حيث تزعم أن عمليتها العسكرية في إدلب موجهة في الأساس ضد وحدات حماية الشعب الموجودة في الشمال السوري، والتي تعتبرها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني.
والواقع أن تحصيل أكبر قدر من المكاسب السياسية في الداخل كانت دائماً المُحرِّك الأول لحكومة حزب العدالة والتنمية، قبل أية عملية عسكرية تٌقدِم عليها أو بعدها، تماماً كما يحدث الآن في العملية العسكرية الأخيرة.
ستظل الانتخابات المحلية في 31 مارس 2019 تُذكر باعتبارها ثاني أكبر ضربة يتلقاها حزب العدالة والتنمية في تاريخه، بعد الضربة الأولى، التي تلقاها في انتخابات 7 يونيو 2015. لم يوافق الناخبون في 7 يونيو على "النظام الرئاسي"، الذي تبناه أردوغان منذ البداية. ولم يتمكن حزب العدالة والتنمية وقتها من الوصول إلى نسبة الأصوات، التي تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده. وفي السياق ذاته، أظهرت النتائج أن حزب العدالة والتنمية قد فقد مليونين و 538 ألفاً و 562 صوتاً، مقارنة بعدد الأصوات، التي حصل عليها في انتخابات عام 2011.
 من ناحية أخرى، لا يخفى على أحد أن عملية "صيد الساحرات"، التي بدأها أردوغان، بعد 7 يونيو، كانت بهدف إضعاف الحركة الكردية على الأرض، بعد أن تأكد له أن حزب الشعوب الديمقراطي سيتخطى النسبة، التي حصل عليها في انتخابات يونيو.
وبالنسبة لهزيمته في الانتخابات المحلية في 31 مارس و 23 يونيو 2019، فمن المعلوم لدى الجميع كذلك أن حزب العدالة والتنمية، وحليفه حزب الحركة القومية قد خسرا إسطنبول (في الجولة الثانية من الانتخابات المحلية، التي جرت في إسطنبول يوم 23 يونيو)، بالإضافة إلى مدن مهمة أخرى مثل أنقرة وأضنه وأنطاليا ومرسين. ويا لها من خسارة!
وبرزت في هذه الفترة مشكلة اللاجئين السوريين، بوصفها إحدى المشكلات الكبيرة، التي تعاني منها تركيا. وبالفعل راحت البرامج والمقابلات الصحفية تفرد مساحات واسعة لمناقشتها إلى جانب مشكلة البطالة والأزمة الاقتصادية. ومع تعمُّق الأزمة الاقتصادية، كان سكان المدن الحدودية يصبون غضبهم على اللاجئين السوريين، وعلى السلطة الحاكمة، على حدٍ سواء.
وفي ذات السياق، أظهر فيديو، بثته قناة بي بي سي (هيئة الإذاعة البريطانية)، مدى سخط المواطنين الأتراك على سياسة أردوغان، وخاصة فيما يخص سياسته تجاه اللاجئين. عرض الفيديو كذلك صورًا لهذا التمرد في حي "فاتح" بإسطنبول، الذي يُعد أحد معاقل حزب العدالة والتنمية في المدينة.
 

 

لقد استوعبت حكومة العدالة والتنمية الرسالة جيداً، وبدأت في التحرك؛ ومن ثم قامت بوضع عدد كبير من السوريين في عدة حافلات، وأرسلتهم إلى سوريا مرة أخرى، وقامت بجمع أعداد منهم من إسطنبول، وأرسلتهم إلى المحافظات، التي تم تسجيلهم فيها، وأجبرت بعضاً آخر على التوقيع على أرواق خاصة بالإقامة والمواطنة.
أما بالنسبة لإدلب، فقد استغل أردوغان سقوط 34 جنديًا تركيّا ليلة 27 فبراير؛ لتحقيق مكاسب سياسية مرة أخرى؛ فانتهج سياسة عقابية تجاه أوروبا، من خلال فتح الحدود أمام اللاجئين للعبور إليها، تحت زعم أن الغرب لم يقدم لتركيا الدعم الكافي لمواجهة النظامين الروسي والسوري في إدلب. وفي لحظة واحدة، تكدس عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين والأفغان عند بوابة بازاركولي الحدودية في أدرنة. يبدو أن أردوغان يستغل الوضع الراهن؛ من أجل "التخلص" من المهاجرين؛ رغبة منه في استعادة أصوات الناخبين التي فقدها. وعلى الجانب الآخر، قامت السلطات اليونانية بمنع عشرات الآلاف من اللاجئين من استخدام أراضيها معبرًا للوصول إلى أوروبا.
لقد أراد أردوغان أن يحقق أكثر من هدف في ذات الوقت. ومع هذا، فعلى الرغم من مُخاطبة حزب العدالة والتنمية الناخبين، مستخدماً ألفاظاً مثل "تخلصنا من اللاجئين"؛ طمعاً في استرداد أصواتهم، إلا أن الحقيقة هي أنه لم يتمكن من إرسال ذلك العدد الضخم من اللاجئين السوريين، الذي يتحدث عنه، إلى خارج تركيا؛ سواء أكانت وجهتهم سوريا أم  أوروبا. وهذا يعني أن حديثه عن "التخلص من اللاجئين" لا يتعدى كونه مجرد أوهام.
لا شك أن احتمال عقد انتخابات مبكرة قبل 2023 صار حلماً مخيفاً يطارد حزب العدالة والتنمية اليوم؛ لذلك جاء قرار حكومة أردوغان بضرورة التحرك السريع، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوث هذا الأمر، بدلاً من النوم، والاستيقاظ بهذا الحلم.
ومن بين التدابير الرئيسة، التي يحاول أردوغان القيام بها الآن، محاولته رسم صورة "أرسلنا اللاجئين" في أذهان الناخبين، أو اتخاذ بعض الخطوات الرمزية الأخرى، التي قد تبهر أعين الناخبين.
ولم يكن رد فعل "السوريين" هو الشيء الوحيد، الذي يخيف حزب العدالة والتنمية؛  فقد أصبحت الحرب، التي تشنها القوى السياسية الأخرى، ضد تحالف حزب العدالة والتنمية- حزب الحركة القومية، أكثر شراسة كذلك.
من ناحية أخرى، بات من الواضح أن أردوغان لم يعد يثق حتى في "شركائه" في السلطة، الذين يحذرونه من احتمال أن يرفع أنصار فتح الله غولن أسلحتهم في وجهه في أية لحظة، أو بمعنى آخر، إن ورقة اللاجئين كانت موجهة ضدّهم أيضًا. وكل ما يجري الآن هو أن المنتفعين يرددون ذات الكلمات "انظروا ! لقد أرسلنا السوريين أيضاً. إن اقتصادنا يتحسن. رئيسنا له شخصية قوية بالفعل. تعالوا وصوِّتوا لنا!"؛ استعداداً لأي انتخابات مبكرة قد تحدث.
وفي خضم هذا كله،  تُبذل الآن جهود مضنية؛ حتى لا تتبدل القبعات مع الجانب الروسي. وفي هذا الإطار، قرر أردوغان أن يستخدم أوروبا كبش فداء، وبالتزامن مع ذلك نجح أردوغان، بطريقة أو أخرى، في إثارة المواطن التركي ضد أوروبا. من ناحية أخرى، يهرول أردوغان صوب أميركا، صارخاً "روسيا تستهدف حليفتكم في الناتو. سارعوا بإمدادنا بمنظومة باتريوت الصاروخية الدفاعية!"؛ لذلك لا أبالغ إذا قلت إن سياسة تركيا تقوم، في الوقت الراهن، على الكثير من الابتزاز، والكثير من التهديد، والكثير من الحمق؛ أي لعبة داخل لعبة؛ لعبة في الداخل ضحيتها الشعب التركي، وأخرى بالخارج.
والشيء الغريب حقاً، والذي ربما يعجز حتى الخبراء عن إيجاد تفسير له، هو تقديم إدلب باعتبارها "قضية أمن قومي" من الدرجة الأولى؛ لذلك لن يكون حزب العدالة والتنمية بمنأى عن المسؤولية، حال تسرب الجهاديين الموجودين في إدلب إلى داخل تركيا؛ لأنه يعلم جيدًا ما الذي يمكن أن يسببه هؤلاء من قلاقل بالداخل التركي..
 
 
-    هذا المقال يعكس رأي الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".
 

-    يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:


 

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/iktidar-icin-allahin-yeni-bir-lutfu-ve-sayimatik-bakan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.