هل يستطيع أردوغان اجتذاب أكراد إسطنبول؟

منذ السادس من مايو عندما تم إلغاء نتيجة انتخابات رئيس بلدية إسطنبول التي فاز فيها أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري، احتدم النقاش حول كيفية تجنب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هزيمة أخرى في الانتخابات التي ستجرى في الثالث والعشرين من يونيو.

والسؤال الأساسي الذي يطرحه كثيرون هو ما هي الآليات الرئيسة التي يمكن من خلالها التلاعب بالانتخابات؟ لكن السؤال الأهم الآخر الذي يجب أن يكون له الأسبقية: كيف يمكن لحزب العدالة والتنمية الحاكم أن يجتذب أكراد إسطنبول للتصويت لصالحه؟

وكما هو معروف على نطاق واسع، لم يقدم حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد مرشحين في أكبر مدن تركيا في انتخابات الحادي والثلاثين من مارس، مما شجع مؤيديه على التصويت لحزب الشعب الجمهوري. كان هذا حاسماً لإلحاق الهزيمة بحزب العدالة والتنمية، على الأقل في إسطنبول.
هذه المرة، يقدم حزب الشعوب الديمقراطي إشارات متفاوتة. كما في السابق، أدان ممثلو الحزب التلاعب والتهديدات من جانب مسؤولي حزب العدالة والتنمية، واستبدال رؤساء البلديات المنتخبين من حزب الشعوب الديمقراطي بمعينين من حزب العدالة والتنمية وسجن حكومة أردوغان لقيادة الحزب. ومع ذلك، فقد انتقد حزب الشعوب الديمقراطي أيضاً في الآونة الأخيرة حزب الشعب الجمهوري لعدم مطالبته بإنهاء عزلة عبد الله أوجلان، الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني المحظور.

كل هذا يعكس الخلاف العميق بين المعلقين الأتراك حول طبيعة نظام أردوغان. يقول البعض إنه يكافح باستمرار من أجل البقاء السياسي وبالتالي يقوم بحساب مع من يجب عليه بناء تحالف مؤقت لجذب أصوات كافية لاستمرار ما يشبه الشرعية. ويقولون إن هذا النهج قد وضع أردوغان الآن في موقف صعب. من خلال جذب حزب الحركة القومية وتجدد العنف ضد الأكراد في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو 2015، ربط أردوغان نفسه بالقوميين، لا سيما داخل القوات المسلحة، الأمر الذي منعه من أي استيعاب حقيقي للأكراد.
بيد أن هذا النهج يمثل إشكالية كبرى. أولاً، يفترض أن التحالف الانتخابي التكتيكي بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية هو تحالف بين متكافئين. من الواضح أن الأمر ليس كذلك. حزب الحركة القومية، المنقسم في الآونة الأخيرة بإنشاء الحزب الصالح، هو حزب صغير يتعرض دائماً للتهديد بمزيد من الاستنزاف. يعرف زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي هذا جيداً، ويحاول الاحتفاظ بموقعه على الساحة السياسية من خلال التودد لأردوغان في كل الأمور تقريباً.

ثانياً، بعد كل عمليات التطهير التي حدثت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، يجب أن نؤكد على التفسير الهيكلي من أجل إيجاد "دولة عميقة" قومية شرعية في تركيا تعيد إنتاج مهمتها إلى الأبد عبر عمليات سرية. ففي الفترة من 2005 إلى 2012، ألم تتخلص كتلة غولن وحزب العدالة والتنمية من المئات إن لم يكن الآلاف من الأطراف الفاعلة العلمانية القومية من العديد من المؤسسات المختلفة؟ اعتباراً من عام 2019، ألم يعمل حزب العدالة والتنمية على تزويد جميع مؤسسات الدولة الكبرى بمؤيدين له، لا سيما من الموالين لأردوغان؟
حقيقة أن بعض الجنرالات العلمانيين القوميين الذين تم تطهيرهم في محاكمات إرغينكون قد تمت إعادتهم لا تغير هذا الواقع. بعد كل عمليات التطهير هذه، فإن أي حديث عن كوادر دولة قومية مستقلة عن أردوغان والموالين له غير معقول وغير مقنع.
يحتاج أردوغان بالتأكيد إلى تحالف انتخابي للحصول على الأصوات الكافية لحزب العدالة والتنمية. ومع ذلك، فهو غير مقيد بكادر دولة قومية مستقلة. يمكنه إعادة بدء المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني في أي وقت، ورأينا مؤشرات على أن هذه هي خطته البديلة بعد خسارة انتخابات الحادي والثلاثين من مارس.
وبعد ثماني سنوات، سُمح لأوجلان بمقابلة محاميه في وقت سابق من هذا الشهر وإصدار بيان علني. من الجدير بالذكر أن بيان أوجلان تضمن بعض التصريحات التصالحية للغاية، كتلك التي قال فيها إن المقاتلين الأكراد في سوريا لا ينبغي أن يتخذوا إجراءات تتجاهل حساسيات تركيا.
وقد تعهد حزب الشعوب الديمقراطي بالتعبير عن موقفه في إعادة انتخابات إسطنبول في غضون أيام قليلة. ومن المفترض أن يستند هذا القرار إلى كيفية تفسيرهم لخطوات أردوغان التصالحية. ومن جانبه، سوف يختار أردوغان استراتيجية على الأرجح لتعزيز فرص حزب العدالة والتنمية وإنهاء تعاون حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري. وقد بدأت الصحف المؤيدة لحزب العدالة والتنمية بالفعل في التكهن بشأن هذه الاستراتيجية على أساس يومي، مقتنعةً على ما يبدو بنجاحها.
إذا تمسك أردوغان بحزب الحركة القومية وتجاهل مرة أخرى التعامل مع أوجلان، فسوف يفعل ذلك بناءً على حساباته الخاصة، وليس لأنه مجبر على القيام بذلك من خلال الدولة العميقة المبهمة.
في عام 2016، كتب مراد سومر أستاذ العلوم السياسية بجامعة كوتش مقالاً مستنيراً حول غزو حزب العدالة والتنمية للدولة التركية، بدلاً من إرساء الديمقراطية. في الواقع، تتجلى قوة حزب العدالة والتنمية في قدرته على بسط السيطرة على مؤسسات الدولة وفي ميله الاستبدادي الموروث من انقلاب عام 1980.
وبدلاً من أن يكون مقيداً من قبل بعض كوادر الدولة القومية الغامضة، فإن نظام أردوغان هو شكل وجوهر الدولة في الوقت الراهن. يبقى العنصر الهيكلي الحقيقي للسياسة التركية - استمرار عجز الأحزاب الكردية والعلمانية القومية عن التوصل إلى حل وسط بشأن حزب العمال الكردستاني - هو العنصر الذي يعطي أردوغان مساحة كافية للمناورة لجعل خصومه العلمانيين والأكراد ينقلبون على بعضهم البعض.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: 

https://ahvalnews.com/istanbul-rerun/can-erdogan-seduce-istanbuls-kurds
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.