هل يستطيع أردوغان الرجوع عن صفقة إس-400؟

شهد الأسبوع الماضي ثلاثة أحداث ربما تشير إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى لتفادي تمزق أوصال العلاقات مع الولايات المتحدة بسبب عزمه شراء منظومة صواريخ الدفاع الجوي الروسية إس-400.

فقد أنهت تركيا في هدوء استيراد النفط من إيران، وأطلقت سراح المواطن الأميركي التركي سركان غولغي العالم في الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأميركية (ناسا)، وأكدت أنها شكلت مجموعة دراسة مشتركة مع الولايات المتحدة للنظر في مسألة إس-400 (وإن كانت وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" قد نفت ذلك). وبالنظر إلى تلك الأحداث معا، نجد أنها قد تشير إلى أن أردوغان يرى نصب عينيه العواقب الوخيمة التي تحدق بالاقتصاد وطموحاته السياسية المتمثلة في التقرب إلى روسيا والابتعاد عن الغرب.

ولكن، هل سيسمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظيره التركي بالهروب من عناقه الوثيق والعودة إلى التعاون الفاتر مع الغرب؟

على الصعيد المحلي، لقد أثبت أردوغان أنه المسيطر على الحياة السياسية داخل تركيا، فتزيد سيطرته باطراد على البلاد منذ أن أصبح رئيسا للوزراء في العام 2003. وعلى الرغم من أن المعارضة فازت على ما يبدو بالانتخابات التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس لاختيار رئيس بلدية جديد لإسطنبول بفارق ضئيل للغاية، إلا أن قدرة أردوغان على توجيه مسار الأحداث ووضع قواعد اللعبة لم تتأثر إلى حد كبير.

وحتى إذا خسر حزبه إعادة الانتخابات المقررة في الثالث والعشرين من يونيو في إسطنبول، يمكن التعويل على أردوغان في استخدام سلطاته التنفيذية والتلاعب بالمعارضة السياسية المتشرذمة كي تظل أقدامه راسخة بقوة في السلطة.

لكن الأمر يختلف في السياسة الخارجية، إذ يواجه فيها منافسين أكثر قوة وعلى درجة واحدة من الإصرار والعناد في الولايات المتحدة وروسيا وإيران.

إن المنافسة الطبيعية بين إيران وتركيا تمنعهما من تشكيل تحالف سياسي أيا كانت مدته. وكونهما خصمين أكثر منهما صديقين في منطقة الشرق الأوسط، فإن تعاونهما السياسي المتقطع يعكس نفورهما المشترك من بعضهما البعض، لا صداقتهما.

وفيما يتعلق بروسيا، يبدو أن أردوغان قد بدأ يتعلم أن الفوائد المترتبة على إقامة شراكة مع بوتين ربما لا تستحق، وأنه بغض النظر عن الخطابات الرنانة وإظهار الوقوف على قدم التكافؤ والمساواة، ستظل روما الثالثة دائما تنظر نظرة دونية لأولئك الذين يحتلون روما الثانية. والاجتماعات التي لا حصر لها بين أردوغان وبوتين لن تغير الدينامية غير المتكافئة للعلاقة.

أما عن الولايات المتحدة، فلربما بدأ أردوغان يدرك أخيرا أن السنوات التي شهدت خطابات مناهضة للولايات المتحدة وأفعالا مناوئة للأميركيين وخلافا حول العلاقات في المنطقة قلصت عدد أصدقائه في واشنطن لينحصروا في حفنة من مستشاري الأمن القومي الذين يقبلون على مضض أهمية تركيا الجيوستراتيجية حتى وإن كانت قيادة الرئيس التركي تسبب لهم إحراجا وتخيب آمالهم. ويتضاءل عدد هؤلاء مقارنة مع أولئك الذين يسعون للاستفادة من القيمة الجيوستراتيجية للأردن وقبرص واليونان والدول العربية بدلا من تركيا.

كل هذه العوامل مجتمعة تضع أردوغان في موقف حرج. فلم يعد لديه ما يظهره من أجل تقاربه مع روسيا – ولا ننسى هنا أفعال قوات الرئيس السوري بشار الأسد المدعومة من روسيا في إدلب في مواجهة مقاتلي المعارضة الذين تدعمهم تركيا. إذا أنهت تركيا صفقة شراء صواريخ إس-400، فستثير غضب بوتين المستبعد أن يدع الأمر يمر دون أن يعبر عن استيائه بسبل لن يجدها أردوغان إلا مزعجة للغاية.

بالطبع يستطيع أردوغان أن يدعو الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى مساندته في مواجهة روسيا، غير أن لتلك الدعوات قد لا تكون لها فائدة تذكر لسببين على الأقل.

أولا، أن بوتين ليس بالحماقة التي تدفعه للانتقام من تركيا بسبب إلغاء صفقة إس-400 بطريقة علنية وصريحة تجعلها تطلب إجراء دفاعيا جماعيا من حلف الناتو. صحيح أن أي رد انتقامي من روسيا سيضر بمصالح تركيا، إلا أنه سيكون محسوبا بعناية لتجنب إثارة رد فعل قوي من الحلف.

ثانيا، من الصعب على المرء أن يتصور أي دولة من الدول الأعضاء في الناتو تلك التي ستوافق على إنفاق الموارد لمساعدة تركيا على تفادي عواقب النأي بنفسها عن التكتل. فخطابات أردوغان المناوئة للغرب واعتداءاته على حرية التعبير وسيادة القانون أفقدته تعاطف القادة السياسيين في أوروبا وأميركا الشمالية، ماعدا قلة قليلة من القوميين الشعبويين أمثاله، ولكن لا يمكن الاعتماد عليهم في التحرك نيابة عنه لمواجهة أي رد انتقامي اقتصادي أو سياسي من روسيا.

ومن ثم، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الوحيد الذي يمكنه أن يوفر لأردوغان الغطاء لحمايته من أي رد انتقامي روسي بسبب إلغاء صفقة صواريخ إس-400. ولكن، هل سيفعل ترامب ذلك؟ هذا يعتمد على الأرجح على المكاسب الإضافية التي يمكنه انتزاعها من أردوغان، ولم يُعرف عن ترامب شهامته في المفاوضات حين يملك ميزة تعزز موقفه.

ربما يحاول أردوغان كسب الوقت، ولكن ما الغرض من ذلك؟ فسواء أرجأ المسألة أسابيع أو شهورا، سيضطر الرئيس التركي في نهاية المطاف أن يختار بين مهاجمة بوتين ومواجهة رد انتقامي لا يسره، أو مهاجمة الولايات المتحدة والناتو والتمتع بتقارب أقوى مع الدب الروسي في الوقت الذي يتطلع فيه الغرب إلى حلفاء آخرين في المنطقة.

ينبغي على المرء أن يتوخى الحذر في اعتبار تلك الخطوات الثلاثة المذكورة سلفا التي اتخذها أردوغان في الآونة الأخيرة بمثابة دليل على رغبته في إلغاء صفقة إس-400 والتصالح مع الولايات المتحدة. ذلك أنه على عكس انتخابات إسطنبول، تستلزم إعادة النظر في قرارات السياسة الخارجية أكثر من مجرد كلمات قليلة تصب في آذان مسؤولي الحكومة؛ وعلى عكس أولئك المسؤولين، فإن الدببة لها مخالب.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/can-erdogan-reverse-course-s-400-deal
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.