أحوال تركية
مايو 15 2019

هل يتجاهل التحالف الدولي دعوات تركيا ويمضي بدعم الأكراد

إسطنبول - هل يستجيب التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" لدعوات أنقرة له بإيقاف دعم قوات سوريا الديمقراطية أم أنه يمضي في سياسة دعم المقاتلين الأكراد الذين يشكّلون القوّة الأساسية التي اعتمد عليها لمواجهة داعش على الأرض؟ إلى أي حد يمكن لتركيا أن تمارس الضغوط من أجل الحد من نفوذ الأكراد المتنامي في شمال وشمال شرق سوريا؟

هل ترضخ واشنطن لمحاولات تركيا التضييق على حلفائها الأكراد والتهديد بشنّ هجوم عسكري شرق الفرات؟ هل الورقة الكردية هي ورقة تفاوضية بالنسبة لتركيا في سياستها الخارجية أم أنها المسألة الأهم لها، والخطر الوجودي، باعتبارها توصف بأنّها مفتاح لتفتيتها المحتمل الذي يهدد مستقبلها؟

أسلئة كثيرة يمكن أن تثار أثناء الحديث عن السياسة التركية تجاه أكراد سوريا، ولا سيما أن هناك مخاوف حقيقية لديها من اتساع دور الأكراد وتمكنهم من تثبيت أركان الإدارة الذاتية بعد سنوات من التطبيق على أرض الواقع.

وتشكّل قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على 25 بالمئة من الأراضي السورية، و65 بالمئة من المنطقة الحدودية مع تركيا، هاجساً مقلقاً لتركيا التي تعتبرها خطراً على أمنها القومي، وتطالب الولايات المتحدة بإيقاف دعمها ومساندتها لها.

وأثار إعلان التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" بأن قواته درّبت ما بين 10 إلى 20 ألف من القوات المحلية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تشكّل القوات الحماية الشعبية الكردية القوة الأساسية فيها حفيظة أنقرة التي تصف هذه القوات بالإرهابية، وتطالب الولايات المتحدة والتحالف الدولي بوقف الدعم لها.

وأمس الثلاثاء، أدلى نائب قائد التحالف، الجنرال البريطاني كريس غيكا، لوزارة الدفاع الأميركية بأن التحالف الذي يهدف إلى تدريب قوات محلية قوامها ما بين 30 إلى 40 ألف مقاتل، تمكن حتى الآن من تدريب ما بين 10 إلى 20 ألف من تلك القوات التابعة لما تسمى قوات سوريا الديمقراطية.

وكانت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة قدمت الدعم العسكري لقوات سوريا الديمقراطية التي بدأت منذ العام 2015 بقضم مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية حتى سقوط آخر معقل "للخلافة" في الباغوز شرق الفرات في مارس الماضي

التحالف الدولي يهدف لتدريب قوات محلية قوامها ما بين 30 إلى 40 ألف مقاتل
التحالف الدولي يهدف لتدريب قوات محلية قوامها ما بين 30 إلى 40 ألف مقاتل

ويؤكد حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يعد أحد أكبر الأحزاب الكردية المؤسسة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، أنه لن يكون أبداً مصدر تهديد على الأمن القومي التركي، ويعتبر تركيا دخيلة على الأراضي السورية وتسيطر على آلاف الكيلومترات منها، وتتبع فيها سياسة التتريك والتغيير الديمغرافي.

لكن تركيا التي تعاني من أزمة اقتصادية تعصف بها منذ أكثر من سنة، وفقدت عملتها أكثر من أربعين بالمئة من قيمتها من حوالي عام، وخسر رئيسها رجب طيب أردوغان شعبيته جراء فشله في كبح جماح الأسعار المرتفعة التي تعكر حياة الأتراك، وتزيد الضغوط عليهم، تبدو كمن يهرب إلى الأمام، ويتحاشى أردوغان مجابهة مشاكله الداخلية، ويمضي إلى افتعال الأزمات والمشاكل الخارجية لحرف الأنظار عن فشله الداخلي، بحسب ما يكرر معارضون أتراك.

بالإضافة إلى أن استمرار الاضطراب في علاقاتها مع الولايات المتحدة، على خلفية إصرارها على إتمام شراء صفقة منظومة صواريخ إس-400 الدفاعية الروسية، وتهديدات واشنطن لها بالكف عن هذه الصفقة التي تثير مخاوفها من إدخال أسلحة روسية إلى أنظمة حلف الناتو، وحرمانها من المشاركة في صناعة طائرة إف-35، وعدم القبول بأي شكل من الأشكال بتزويدها بصواريخ باتريوت، يكون هناك احتمال فرض عقوبات عليها، ما ينذرها بمزيد من الانهيار الاقتصادي الذي تئن تحت وطأته منذ أكثر من عام. 

ولم تقبل الولايات المتحدة بعد بإقامة منطقة آمنة، أو عازلة على الحدود التركية السورية، بالصيغة التي تطرحها تركيا، والتي تطالب بأن تكون الإدارة فيها لها، وتحاول تمديد التفاوض معها، لحين الوصول إلى حل تتوافق عليه مع القوى الكبرى.

ولا يخفى أن من شأن أي حديث عن حصول الأكراد في سوريا على إدارة ذاتية أو حكم فيدرالي أن يغضب أنقرة ويدفعها إلى التصعيد بشكل كبير لمنع إنشاء اي كيان كردي محتمل، ولاسيما أن القوة الكردية المسيطرة في المناطق الكردية بسوريا هي قوات تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تتهمه تركيا بأنه فرع لحزب العمال الكردستاني وامتداد له، وهي تصنفه على لائحة الإرهاب.

كما بات من المعلوم أن تركيا تبني سياستها الخارجية انطلاقاً من القضية الكردية، وتركز جهودها كلها على سد السبل أمام الأكراد من أجل منعهم من التحصل على أي حق من حقوقهم، ولاسيما إذا كان الأمر متعلقاً ببلورة صيغة من صيغ الإدارة الذاتية أو إنشاء كيان كردي محتمل في سوريا، فإنها تكون حينها مستعدة لتنحية كل خلافاتها مع الدول الإقليمية والدولية جانباً للحؤول دون تحقيق ذلك، وتقديم ما يمكنها من تنازلات ووعود من أجله.

ومع انتهاء المعارك مع تنظيم الدولة الإسلامية يجد التحالف الدولي نفسه أمام مفترق طرق، هل يساير تركيا أم يمضي بدعم الأكراد، ويبدو أنه يقوم بترجيح فكرة تعزيز القوات الكردية وتقويتها وتدريبها، وتجاهل مخاوف أنقرة، والسعي لمحاولة تهدئتها وتحذيرها في الوقت نفسه كي لا تقدم على عمل متهور من شأنه دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد في المنطقة، أو قد يساهم في إعادة بث الحياة في تنظيم داعش الإرهابيّ الذي تمّ تأسيس التحالف الدولي لمحاربته والقضاء عليه.