هل يعوّض بايدن عن الأخطاء الكبيرة في اتفاق أوباما مع إيران

نيويورك - كيف سيتعامل الرئيس الأميركي جو بايدن مع إيران؟ هل يتعامل بمرونة أم يتوجّه نحو التشدّد؟ إلى أيّ حدّ ترضخ إيران للضغوطات الأميركية وتعمل على التهدئة؟ 

يتعين على المرء توجيه الثناء لمن يستحقه: الإدارة الأميركية الجديدة تركز على التعامل مع إيران بشكل ملائم. وإذا كان المرشح جو بايدن قد أظهر الكثير من الاهتمام بالتصالح مع النظام في طهران، فإن الرئيس جو بايدن يبدو أنه قد كبح حماسه.

ولم يتحدث جو بايدن كثيرا عن هذا الموضوع منذ انتقاله إلى البيت الأبيض. لكن مسؤولي سياسته الخارجية والأمن القومي استبعدوا عودة أميركية فورية إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، الذي تفاوض عليه الرئيس الأسبق باراك أوباما وانسحب منه الرئيس السابق دونالد ترامب. ومع الإشارة إلى الرغبة في العودة إلى الدبلوماسية مع طهران، أوضح أيضا وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان أنهما مستعدان للانتظار. فهما يريدان "اتفاقية أطول وأقوى" مع الجمهورية الإسلامية.

وقال الكاتب الصحفي بوبي غوش في تقرير نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن هذا يترك مساحة لبايدن لانتهاج سياسة مختلفة في التعامل مع إيران لا تكون بمثابة رد فعل لسياسة ترامب ولا تعد استمرارا مباشرا لسياسة أوباما.

ويتركز الموقف الحالي للإدارة من الاتفاق النووي على أنه يجب على الإيرانيين، الذين انتهكوا منذ فترة طويلة القواعد الخاصة بحدود تخصيب اليورانيوم التي فرضها الاتفاق، أن يعودوا إلى الامتثال للشروط التي وافق عليها أوباما قبل أن تسمح الولايات المتحدة بأي تخفيف للعقوبات التي فرضها ترامب.

من جانبها، تصر طهران على رفع العقوبات أولاً، وتحاول تجميع بعض أوراق الضغط أو النفوذ لإجبار بايدن على ذلك. وقامت بتكثيف تخصيب اليورانيوم وبدأت في انتاج معدن اليورانيوم الذي يستخدم في صنع القنابل الذرية.

وقد تجاهل الأميركيون حتى الآن هذا الجدال. وكان هناك المزيد من علامات الصبر المشجعة هذا الأسبوع. أولاً، رفض متحدث باسم وزارة الخارجية ضمنيا اقتراحا إيرانيا جديدا بأن يقوم الاتحاد الأوروبي "بترتيب" عودة متزامنة إلى الامتثال من كلا الجانبين. ويحرص الأوروبيون على إسقاط العقوبات حتى يتمكنوا من استئناف التجارة مع طهران.

ولم يفعل الأوربيون الكثير إزاء تجاوزات النظام الإيراني النووية، سوى الإعراب عن رفضهم لها.

ومما يبعث على الاطمئنان أكثر، هو ما تردد عن أن بلينكن وجه روب مالي، مسؤول الوزارة المعني بالشؤون الإيرانية، بتجنب تفكير القطيع، من خلال تعيين أعضاء لديهم آراء أكثر تشددا "مثل الصقور" في فريقه المفاوض. وينظر إلى مالي، الذي كان شخصية محورية في الفريق الذي تفاوض على اتفاق 2015، على أنه من الحمائم، وقد عارض الجمهوريون وبعض الديمقراطيين المحافظين تعيينه بشدة.

ويبدو أن فريق بايدن مستعد للتعويض عن الأخطاء الكبيرة التي وقعت خلال سعي أوباما لإبرام اتفاق 2015، مثل الفشل في معالجة التهديدات غير النووية لإيران ومراعاة وجهات نظر الدول التي تهددها الجمهورية الإسلامية مباشرة. وتقول الإدارة إن جيران إيران سيكون لهم مقعد على الطاولة في المفاوضات المستقبلية حول قضايا مثل البرنامج الصاروخي للنظام الإيراني، واستخدامه الميليشيات بالوكالة وغيرها من الأنشطة المزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.

وعلى الرغم من تحدثه بلطف أكثر من ترامب، أظهر بايدن أيضًا استعدادًا لاستخدام العصا الكبيرة التي تركها سلفه وراءه.

وإذا كانت طهران تتوقع التساهل أو تخفيف العقوبات، فقد تعرضت لصدمة قوية هذا الأسبوع حيث اتخذت الإدارة الجديدة موقفا متشددا بشأن محاولاتها السرية لتصدير النفط. ورفعت وزارة العدل دعوى أمام محكمة جزئية أميركية، سعت فيها لمصادرة مليوني برميل على ناقلة نفط يونانية قالت إن إيران تستخدمها لشحن النفط إلى الخارج.

كما لم يظهر بايدن أي تعجل للوفاء بوعده خلال حملته الانتخابية بتخفيف العقوبات ومساعدة إيران في مكافحة فيروس كورونا.

كل هذا سيثير حالة من القلق بين الذين يأملون في عودة أميركية سريعة للاتفاق النووي لعام 2015. لكنهم لن يكونوا قادرين على اتهام بايدن، كما كانوا يتهمون ترامب، باستخدام إيران كفتى للجلد لمجرد إرضاء إسرائيل ودول الخليج العربية. فقد اتخذ بايدن أيضا نهجا أكثر صرامة بشكل ملحوظ مع جيران إيران، من خلال فرض تجميد على مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية وطلب مراجعة طلب الإمارات العربية المتحدة لشراء طائرات مقاتلة من طراز "اف35-".

وأعلن سوليفان يوم الخميس الماضي أن بايدن سينهي دعمه لجميع العمليات العسكرية الهجومية للتحالف الذي تقوده السعودية ضد المليشيات الحوثية المدعومة من إيران في اليمن. وحقيقة أن الرئيس لم يتصل بعد ببنيامين نتنياهو يشير إلى أنه يبقي رئيس الوزراء الإسرائيلي، أكثر الصقور تشددا ضد إيران، على مسافة ليست قريبة.

ونتيجة لذلك، فإن الإدارة لديها مجال أكبر للمناورة. والآن أصبح الأمر يرجع إلى الرئيس بايدن لرسم مساره الخاص بشأن إيران.