حلم 'الخلافة' سبب دعم أردوغان للربيع العربي

أفاد تحليل صادر عن "استعراض القاهرة للشؤون الدولية" بأن وقوف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم موقف الداعم للربيع العربي، لم يكن لأجندة اقتصادية أو سياسية اجتماعية، بل كان دعمه جزءا من سياسة نشر الإسلام السياسي في المنطقة التي تسببت في عزل تركيا.

ووفقا لقول بيرول باشكان، وهو أستاذ غير مقيم في معهد الشرق الأوسط، فإن قيادة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يهيمن عليها المسلمون السنة، الذين يستدلون بما في القرآن من دعوة لوحدة وتعاون أكبر بين المسلمين، وهي نفس الطريقة التي تعامل بها أسلافهم من العثمانيين.

وأضاف "من خلال التعاون المشترك، يمكن للمسلمين الوقوف في وجه أوروبا وحماية مصالحهم. لكن الفكرة فشلت في مساعدة الإمبراطورية العثمانية وآخرين في حرمان أوروبا من السيطرة الكاملة."

وفي السنوات الأولى بعد إنشاء تركيا، تداعت فكرة الوحدة الإسلامية تماما بعدما عمل مصطفى كمال أتاتورك على تقويض تأثير الدين.

حينها وقع الصراع بين الإسلاميين وأيديولوجيا أخرى قوية هي الكمالية.

في الربع الأول من القرن العشرين، طبّق القادة الكماليون في تركيا سلسلة من الإصلاحات العلمانية التي قوضت بشكل كبير دور الدين في الحياة العامة واتخذوا إجراءات حادة ضد الأنشطة والجماعات الدينية.

في المقابل كان حكم الإسلاميين على الكمالية بالغ الحدة. ففي رأيهم، كانت الكمالية أيديولوجيا معادية للدين. بل إن أحد رجال الدين المعروفين وهو نصري شبه أتاتورك بالدجال.

وقال باشكان إن الإسلاميين في تركيا عكفوا على الحديث عن اضطهاد تعرض له رموز جماعة الإخوان المسلمين مثل حسن البنا وسيد قطب لاستدرار التعاطف مع جماعات إسلامية خارج تركيا.

ولا شك أن في الإسلام تعاليم يمكن بسهولة تفسيرها لتبدو كأوامر مباشرة للمسلمين بمساعدة بعضهم البعض والتعاون فيما بينهم في إطار اتحادي في مجال السياسة الخارجية.

في القرآن الكريم مثلا آية تقول " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا."

هناك أيضا حديث شريف يقول " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى."

مثل هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية دفعت عددا من رجال الدين والمفكرين في القرن التاسع عشر للدعوة لتطوير شكل أوثق من التعاون والعلاقات القوية بين المسلمين على اختلاف أعراقهم وطوائفهم.

وفي تركيا، أطلق على هذا المفهوم مصطلح "الاتحاد الإسلامي" أو "الوحدة الإسلامية" مثلما تعرف باللغة العربية. وفي كلتا الحالتين فإن هذه الدعوة وجدت صدى بين الساسة ورجال الدولة في الإمبراطورية العثمانية، وهي الدولة التي لجأ إليها كثير من المسلمين للحصول على الدعم المالي والعسكرية والدبلوماسي طيلة القرن التاسع عشر.

وقال باشكان "لقد سعت الإمبراطورية العثمانية لإنشاء خلافة إسلامية – وهي عبارة صكها الأوروبيون للإشارة إلى السياسة الخارجية القائمة على الاتحاد الإسلامي التي اتبعت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.

ووصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002 وظل بعدها وفيا لثوابت السياسة الخارجية التقليدية لتركيا، ووصل الأمر في تطبيق إصلاحات سياسية بهدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن قيادات الحزب في ذلك الوقت أتت من مقاعد الإسلاميين الأتراك. كانوا جميعا من أتباع وأنصار نجم الدين أربكان.

كان أربكان أبرز الشخصيات الإسلامية التركية خلال عقد الستينات من القرن العشرين إلى أن صعد أردوغان وتأسس حزب العدالة والتنمية عام 2001.

ويعتقد باشكان أن الحزب الحاكم في تركيا أصبح بحلول عام 2011 أكثر انفتاحا في الحديث عن الأفكار الإسلامية المعتدلة.

وفي ظل حكم حزب العدالة والتنمية، قفزت مستويات التجارة بين تركيا والعالم الإسلامي بمقدار ثمانية أضعاف، واستضافت تركيا العشرات من الأحداث الإسلامية العالمية، واستعادت شعارات الحقبة العثمانية في عموم المنطقة وألغت شرط الحصول على تأشيرة دخول مع الكثير من الدول الإسلامية بل وطورت معها مستوى رفيعا من التعاون.

وكتب باشكان يقول "لا شك أن تركيا احتضنت الربيع العربي أكثر من أي بلد آخر، رغم ارتباطها بعلاقات اقتصادية وسياسية ممتازة مع حكومات وأنظمة الدول التي ضربتها موجات الربيع العربي، بما في ذلك سوريا.

لم تكن هناك ضرورة اقتصادية وسياسية وراء هذا الدعم الهائل، بخلاف مفهوم الوحدة الإسلامية.

حين طالب أردوغان الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بالاستجابة لدعوة الشعب ولمطالبة بحياة إنسانية كريمة في 2011، فإن الرئيس التركي خاطر بكل المكاسب السياسية والاقتصادية التي حققتها تركيا في العالم العربي قبل هذه اللحظة.

ووفقا لرؤية باشكان، فإن أحلام الإسلاميين الأتراك تهاوت بعدها بثلاث سنوات فقط حين عُزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، كما استعرت الصراعات في سوريا وليبيا واليمن.

وقال باشكان "في أواخر صيف 2013، وجدت تركيا نفسها معزولة في المنطقة، ومن ثم ولت وجهها قبل البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يواجه انتكاسة مماثلة: قطر."

ولا تزال أنقرة تتطلع للعب دور قيادي في الشرق الأوسط، وفقا لتقدير باشكان. لكن الباحث يقول إن تركيا بدلت أولوياتها مع اتحاد حزب العدالة والتنمية مع القوميين في الداخل.

ويضيف باشكان أن أردوغان يقول إن الهدف الرئيسي لتركيا هو اجتثاث المسلحين الأكراد من شمال سوريا.

وقال باشكان "في نهاية المطاف، وبغض النظر عن اقتراب أردوغان أكثر من القوميين الأتراك من أجل ضمان البقاء في السلطة، فإن حزب العدالة والتنمية وغيره من الإسلاميين الأتراك يمثلون الأساس الذي يستمد منه الرئيس الدعم."