حلم عثمان كافالا

حُلمي بعد إعلان براءتي من قِبَلِ المحكمة:

بدأ الأبرياء يعاملون المعاملة التي يستحقونها. ليس عثمان فحسب؛ إذ تم الاعتراف بحقوق الجميع. أولئك الذين يقبعون خلف القضبان التقوا بأسرهم. خرج الآباء والأطفال والأزواج والأمهات مع رُضَّعهم من أقبية السجون إلى الحدائق. أولئك الصغار شاهدوا الكلاب لأول مرة، ولاطفوها.

تنفس الحراس أيضًا الصعداء. زنزانات الحبس الانفرادي الفارغة لطيفة جدا، الحراس أيضًا لا يعانون من القضبان الحديدية التي بينهم وبين الناس. كما أنهم يفكرون في الخروج إلى المروج اليوم.

ارتاح ضمير من في الخارج. إنهم لا يخجلون أنهم ليسوا في الداخل. الآن هم أحرار حقا.

عندما لم تعُد هنا "سجون الأبرياء" اختلف أيضًا وتغير أولئك الذين يخافون. الآن القتلة واللصوص والكاذبون فحسب هم من يخاف. أيضا، فإن أولئك الذين كانوا قلقين على مستقبلهم بسبب ما فعلوه وما أمروا بفعله، بطريقة أو بأخرى، قديمًا وحاليًا، وفي جميع الظروف، يخافون بالطبع. سيخافون دائمًا، ولأنهم زرعوا الخوف، فهم يحصدون الخوف.

لم يعد القضاة يحولون أعينهم عن عيون أطفالهم. وعندما ينامون بجانب زوجاتهم يتصرفون بشكل طبيعي؛ لأن حياتهم هم كذلك عادت إلى طبيعتها. إنهم لا يخجلون من مهنتهم ولا من أنفسهم.

كما لو أن سحابة من الكذب قد اختفت. الجو مشمس بشكل أكثر. يضحك الناس أثناء التحدث مع السياح. لم يصبحوا قلقين أن يُصيبهم أذًى أو يواجهوا مشكلة إذا ما ألقوا التحية على أحدٍ. إنهم لا يختلقون الأعذار، إنهم في سلام مع محيطهم.

مَنْ بالخارج أيضًا يتبادلون النظرات فيما بينهم كما لو كانوا يبحثون عن إجابة. يتساءلون "تُرى ماذا لو عدنا؟". يقولون إن منازلنا، وحدائقنا، ومتاجرنا وجيراننا موجودون أيضًا. ها هو عثمان حرٌ طليقٌ.

حتى أولئك الذين يشاهدون السوق ينظرون إلى الناس لأول مرة ويحسبون الأرباح بتفاؤل وأمل. يقولون إننا نسير بشكل مستقيم، كما يقولون سيتوافد الزبائن، وسيجد أولادنا وظائف، لأن السجون تفرُغُ ممن فيها.

حتى الأمس، كان هناك حديث عن التآمر يدور صباح مساء. لماذا يبتسم الجميع الآن؟ في حين أنهم كانوا يفكرون دائمًا في الشر.. الآن يفكرون بأمل في الغد. لا أحد يحب الخوف، هذا واضح.

لم يعد يلزم سفك مزيد من الدم من أجل الوحدة والعمل الجماعي. جنودنا راضون، وجنود العدو أيضًا راضون، وآباء وأمهات كليهما راضون للغاية. وبما أن العدو راضٍ أيضًا، فقد زالت عداوته. وهذا يعني أن الأمر كان سهلًا إلى هذا الحد.

عثمان وكثير من أمثاله خلقوا أزمة، غذوا الخوف والشك وانعدام الأمن. الآن يقدمون رسائل مختلفة. صار كل شيء مختلفا تماما بسبب وجودهم في الخارج.

لكن عثمان عاد إلى حالته السابقة فجأة، وأُعيد إليها. بالأمر. انتهى الحلم فجأة، وصار كابوسًا. واستقر كل شيء في مكانه. يبقى الوضع على ما كان، نحن نشبه أنفسنا. صُفَّت الصفوف: أولاً المدعون العموميون والقضاة، ثم أمثال عثمان، ونحن جميعًا.

عُرّفنا حدودنا. أم ماذا اعتقدنا؟ نحن لا نخضع لمن يقولون القانون وخلافه! أولئك الذين يعتقدون أنهم سيختبرون قوتنا، وخاصة أولئك الذين يعتقدون أنهم سيهزموننا.. أولئك الذين يعتقدون أننا زائلون، أولئك الذين لديهم مثل هذه الطموحات الفارغة.. وخاصة أولئك الذين يريدون فرض الديمقراطية علينا.. نحن لا نستسلم لهم.

هل انقلب كل شيء إلى العكس؟ ربما لا: لقد عكس هذا الحلم الشيء الحقيقي إلى خلاف ذلك. الطبيعي هو أن يقع الكابوس. حتى إنه يقع وكأنه وضع طبيعي. الحرب، ولا سيما الحرب في بلد آخر صارت تعتبر فيه طبيعية الآن. والكابوس الذي يسميه العالم بأسره الفوضى يصبح "حقًا". الخوف، والشك، وانعدام الأمن والاكتئاب يصبح القوة التي تربط المواطن بدولته. أرضية الشرعية.

هناك مسافة صغيرة جدا بين الحلم والكابوس. وكأنها بقدر قامة الإنسان تقريبًا. إذا تم تجاوز هذه المسافة، فسوف يتغير كل شيء من "طبيعي" إلى طبيعي! لن تكون هناك التوابيت التي تلفها الأعلام، ولن يكون هناك صراع نحن-وهم، والأهم من ذلك أن الأمن سيحُلُّ محل الخوف.

عشت في البلاد التي سيطر فيها الطغاة. أغرب أحوال هذه الشعوب هي طريقة تحدثهم مع الغرباء. كانوا يتحدثون معي كما لو أنَّ شخصَا يتنصت عليهم. كانوا يختارون الكلمات ويتجنبون التفسيرات السياسية بشكل قاطع، ولم ينتقدوا البلد. يبدو أنهم كانوا خائفين من أن يقال للواحد منهم "لقد تحدثت إلى هذا الشخص، أنت مذنب". في ذلك الوقت وصفتهم بأنهم جبناء. أما الآن فإنني أعتقد أنهم "كانوا حذرين". هذا أيضًا مما كشفه الكابوس.

وقع هذا الكابوس في العالم المسيحي في العصور الوسطى باعتباره "تأديبًا كنائسيًا" (النبذ، الطرد)؛ بحيث يُعتبر البعض قد ابتعدوا عن الدين ويُطردون من المجتمع، فلا يتحدث إليهم ولا يتصل بهم أحد، وإذا اقترب منهم أحدٌ عُزل ونُبذ هو الآخر. اليوم يُطلق على المطرودين في تركيا لفظ "الإرهابيين". الاسم ليس مهمًا، إن ما يحدث طرد ونبذٌ.

ولعل أكثر الجوانب "لا دينية" في النظام الحالي هي هذه الممارسة. جزء كبير من المجتمع تم "نبذه وعزله". "الاتصال" بهم أمر خطير للغاية! حقا، من الذي تحدثت إليه كافالا؟ من تحدثوا إلى كافالا؟ من تكلم مع من تحدثوا إلى كافالا؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/osman-kavala/bir-osman-kavala-ruyasi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.