حماية آيا صوفيا أهمّ من تحويلها إلى مسجد أو كنيسة

للمرة الأولى في القرن الحالي، سيطرت مسألة إعادة تحويل مبنى آيا صوفيا الشهير في إسطنبول من متحف إلى مسجد على الأخبار القادمة من تركيا، مع الدفع والجذب بين مؤيدي الرئيس الإسلامي رجب طيب أردوغان وأولئك الذين يرون في خطوة تحويل آيا صوفيا أمرا سيذكي الخلافات ويقوّض التعددية والتعايش السلمي.

أمهل مجلس الدولة التركي نفسه بعض الوقت يوم الخميس، قائلا إنه سيتخذ القرار في غضون 15 يوما. لكن القضيّة تتجاوز السياسة وإرضاء هذه المجموعة الدينية أو تلك الناخبة، حيث تتعلق بمصير موقع تراث عالمي يتجاوز عمره الألف سنة ويحتضن تاريخ المؤمنين من ديانات مختلفة أمام السائحين والأجيال القادمة.

"كيف يمكننا حماية آيا صوفيا؟" سأل أكثر من 200 من دارسي التاريخ البيزنطي والعثماني من جميع أنحاء العالم في رسالة مفتوحة نشرت يوم الأربعاء.

كانت الدكتورة توغبا تانييري إرديمير، وهي باحثة مشاركة في قسم الأنثروبولوجيا بجامعة بيتسبرغ، من بين الموقعين على الرسالة وتحدثت عن المسألة بالتفصيل في تدوينة صوتية نشرها موقع أحوال تركية خلال الأسبوع الحالي.

كانت آيا صوفيا في الأصل كاتدرائية، وكانت الأكبر في العالم في فترة تشييدها بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول في 537. وكان ينظر إليها كأعجوبة هندسية، اشتهرت بتحويل الزوار إلى المسيحية الأرثوذكسية تحت قبتها. وبقيت تثير دهشة السياح إلى اليوم.

عندما غزا السلطان العثماني محمد الثاني إسطنبول في 1453، حول آيا صوفيا إلى مسجد ومنع استخدامها لأغراض أخرى. ومع ذلك، وفي 1934، بعد اثني عشر عاما من تأسيس مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية التركية، قرر مجلس الوزراء تحويل آيا صوفيا إلى متحف.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو وظهرت كواحدة من أفضل المعالم الجاذبة للسياح في تركيا وواحدة من أكثر المباني شهرة في العالم، فهي محبوبة لدى المسلمين والمسيحيين في جميع أنحاء العالم، وهواة العمارة والتاريخ.

وأشارت تانييري إرديمير إلى أن لوضع المتحف أهمية حاسمة، لأنه يفرض أن تحافظ وزارة الثقافة والسياحة التركية على آيا صوفيا التي كانت وجهة أكثر من 3 ملايين زائر في 2019، مما سلّط الضغط على هيكل قديم.

وقالت الدكتورة التي درست آيا صوفيا لأكثر من عشر سنوات، والتي شرعت في تأليف كتاب عنها: "بالنسبة لأي معلم تذكاري تراثي، إذا استُخدم يوميا، فهناك مخاطر يجب الاحتياط منها. ويتلقى أشخاص تدريبا خاصا لرعاية الآثار في المتاحف أثناء زيارة الحشود لها".

كمسجد، من المرجح أن تشرف رئاسة الشؤون الدينية، المعروفة بإسم ديانت، على إدارة آيا صوفيا، والتي تركز أنشطتها على الترويج للإسلام حسب رؤية حزب العدالة والتنمية الحاكم أكثر من حماية التراث.

ومع ذلك، وبعد أن بدأ المرمّمون في الكشف عن فسيفساء من الحقبة البيزنطية في آيا صوفيا في أوائل الثلاثينات، وافقت المديرية العامة للمؤسسات التركية على تسليم زمام الأمور إلى وزارة التعليم، سلف وزارة الثقافة التركية، إذ كانت أكثر استعدادا لرعاية كنوز البلاد التي لا تقدر بثمن.

وكما أشار الباحثون في رسالتهم المفتوحة، كانت وزارة الثقافة وكيلا مسؤولا، حتى مع فتح آيا صوفيا للخدمات الدينية. وتخصيص غرفة لصلاة المسلمين، ووضع إمام على رأسها على مدى السنوات الأربع الماضية ليدعو إلى الصلاة من مآذنها بانتظام واستضافتها تلاوات للقرآن في الأعياد والمناسبات الخاصة، كما رأينا في مايو، عندما أشرف أردوغان، عن بعد بسبب الوباء، على الإحتفالات بمناسبة الذكرى 467 لغزو إسطنبول.

فحسب الرسالة المفتوحة، وجدت آيا صوفيا نوعا من التوازن في وضعيتها كمتحف ومسجد. حيث لم يؤد توسيع استغلالاتها الدينية إلى الإضرار بمكانتها الفنية.

وخلال الشهر الماضي، أشار أردوغان إلى أن مسجد السلطان أحمد الذي يرجع إلى القرن السابع عشر، والذي يقع على مقربة من آيا صوفيا، خدم الوظيفتين لعقود، إذ يُغلق خلال أوقات الصلاة ولكنه مفتوح للسياح بقية اليوم، ولم يواجه أي مشاكل.

لكن مسجد السلطان أحمد، أو المسجد الأزرق، لم يكن كنيسة يوما. وأشارت تانييري إرديمير إلى آيا صوفيا في إزنيق وطرابزون، التي حولتها حكومة حزب العدالة والتنمية من متاحف إلى مساجد في 2011 و2013 على التوالي. ففي طرابزون، تغطي مجموعة من الشاشات اللوحات الجدارية البيزنطية، في حين تضرر الهيكل في إزنيق كثيرا. وقالت إن البنية التحتية التي كانت تحمي الهيكلين قد تغيّرت، مؤكّدة على عدد المشاكل التي تتعلق بحماية الآثار بمجرد سحبها من وزارة الثقافة. لكنها تتفهم أولئك الذين يسعون إلى احترام رغبة السلطان محمد، وترى أن آيا صوفيا تلخص الشروخ داخل المجتمع والسياسة التركية.

تبقى آيا صوفيا معلما أوروبيا، حيث يقع على الجانب الأوروبي من إسطنبول. ولكن، ومع إضافة المآذن ودوره في غزو السلطان محمد، أصبح رمزا للشرق والإسلام أيضا. ويعدّ وضعها مؤشّرا على رؤية أتاتورك العلمانية أو على تصور أردوغان وأنصاره للدولة الإسلامية.

وقالت تانييري إرديمير: "من ناحية، تعدّ آيا صوفيا منارة العلمانية والوحدة. من ناحية أخرى، وتعتبر رمزا قويا للقوميين المتطرفين والإسلامويين، حيث ترمز إلى غزو السلطان محمد. كان هذا الغزو نوعا من هيمنة تركيا على بقية العالم، والإسلام على جميع الديانات الأخرى".

هذا ما جعل حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان، والذي يعتبر حزب الحركة القومية اليميني المتطرف شريكه في البرلمان، يرى التحول كخطوة ذكية مع وقوع الاقتصاد التركي في أزمة عميقة، وتورّط البلاد في ثلاث أو أربع مغامرات عسكرية خارج حدودها.

تكبّد حزب العدالة والتنمية العديد من الخسائر في الانتخابات المحلية التي أجريت العام الماضي، وأبرزت استطلاعات الرأي الأخيرة احتمال خسارة أردوغان أمام منافسه الرئيسي خلال الإنتخابات الرئاسية المقبلة. وعلى الرغم من فشل حملة حزب العدالة والتنمية الداعية لإعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد في كسب الناخبين خلال السنة الماضية، إلا أن استغلال القضيّة لم يكن فكرة سيئة بالنسبة إلى الحزب.

وأشارت تانييري إرديمير إلى أن لآيا صوفيا الكثير من السلطة السياسية، مضيفة أنه بمجرد أن تتحوّل مرة أخرى، فلن يكون هناك عودة. ووصفت الخطوة بالرصاصة الفضيّة التي يمكن إطلاقها مرة واحدة، وهي ما يحتاجه أردوغان في هذه المرحلة من حياته السياسية.

وتساءلت عما إذا كان أردوغان ينظر إلى إعادة التحويل كمشروع إرثي كان يخطط له منذ سنوات وسيفخر بتحقيقه. إذا كان هذا هو إرثه، فقد يجد رئيس تركيا طريقة لضمان حماية مسجد آيا صوفيا والحفاظ عليه.

ولن يكون وضع آيا صوفيا المستقبلي مهمّا سواء كانت مسجدا أو كنيسة أو متحفا إذا لم تكن محميّة.

وتكمن الأولوية في إبقائها شامخة، وتطل على المدينة القديمة في إسطنبول، وتشاهد حركة مضيق البوسفور والقرن الذهبي، وتشهد على ألفية ونصف من التاريخ البشري، وترحب بعدد لا يحصى من الزوار، وتثير معارك لا تنتهي بين الأتراك واليونانيين والمسلمين والمسيحيين والمحافظين والتقدميين.

ما يهمنا هو 1500 سنة أخرى من آيا صوفيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hagia-sophia/protection-not-conversion-should-be-hagia-sophia-priority
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.