يوليو 02 2019

حملة التطهير الحكومية.. وصمة عار تدفع الأتراك للتفكير في الانتحار

حين أصبح فاكاس قره قويون مدرسا لمادة التاريخ لأول مرة، حين كان في الخامسة والعشرين من عمره في العام 1997، كان يظن أن هذه المهنة قد خُلقت من أجله، تلك المهنة التي ساهمت بعد ذلك في تغيير نظرته للعالم وإخراج الشاعر الذي بداخله.

وفي العام 2008، نشر قره قويون قصيدة وطنية يثني فيها على تضحيات الجنود الذين خاضوا حرب الاستقلال التركية. ولم يخطر على باله قط أنه بعد مرور عقد من الزمان لن يكون راغبا بأن يُدفن في وطنه.

ويقول المعلم: "أنا مستعد أن أذهب حتى إلى أنتاركتيكا (القارة القطبية الجنوبية)، فقط لا تدعوا أبنائي الخمسة يعيشون ما عشته".

جاءت نقطة التحول هذه في الأيام التي تلت الانقلاب الفاشل الذي جرى في شهر يوليو من العام 2016، حين شنت حكومة حزب العدالة والتنمية حملة تطهير فصلت فيها أكثر من 100 ألف موظف حكومي من العمل. وتم فصل ما يربو على 15 ألف معلم بالمدارس الحكومية، من بينهم قره قويون، دون سابق إنذار بموجب مرسوم طوارئ.

وبعد مرور ثلاث سنوات، وعلى الرغم من إسقاط التهم التي كانت موجهة إليه، تتدهور صحة المدرس البالغ من العمر 47 عاما تدهورا سريعا، حتى أنه هو وأسرته لا يزالان عاجزين عن الحصول على المزايا الحكومية مثل إعانات الإعاقة أو معاشات التقاعد. فتلك النقطة السوداء التي خلفها فصله في سجله تجعل من شبه المستحيل عليه أن يعيش في تركيا.

ويوضح قره قويون قائلا: "هناك سجل موضوع على النظام يسمى ‘الكود 36‘. أينما ذهبت، إلى البلدية، إلى مكتب الإيرادات، يظهر هذا الكود في ملفي... فهو بمثابة أمر لموظفي الحكومة برفض جميع طلباتي وعدم تقديم خدمات لي".

وذكر قره قويون أن الكثير من الموظفين المفصولين ينتهي بهم المطاف إلى فتح مشروعات تجارية أو بدء العمل باستخدام أسماء ذويهم أو أصدقائهم المقربين كي يستطيعوا الاستمرار في العيش. ذلك أن وصمة العار التي تلصق بالمفصولين من العمل شديدة للغاية لدرجة أنهم يُعاملون وكأنهم مصابون بالجزام حتى من أفراد عائلاتهم.

وأضاف قره قويون: "كان لدي نحو 1200 اسم مسجل على هاتفي. لم يتصل بي واحد منهم ليطمئن عليّ. تلك الضغوط والمشاكل أدت إلى تزايد متاعبي الصحية. فحتى أبناء أخوتي لم يتصلوا".

وتابع: "كنا نعيش في واحدة من أفضل المناطق في غازي عنتاب. بعد فصلي من العمل، اضطررنا للانتقال إلى منزل أقاربي بسبب المشاكل المالية... لكن والدة زوجتي لم تكن حتى لتجلس أمامي على المائدة".

يقول حزب العدالة والتنمية إن عمليات التطهير ضرورية للتخلص من تأثير حركة غولن، تلك الجماعة الدينية التي حملها الحزب مسؤولية الانقلاب الفاشل ويُعتقد أنها اخترقت مؤسسات الدولة. أما المنتقدون فيقولون إن الحزب الحاكم انتهز الفرصة التي هيأها الانقلاب وما أعقبه من حالة طوارئ كي يعيد تشكيل الدولة وفقا لرؤيته.

بعد ما يقرب من 20 عاما من التدريس للأطفال في أنحاء تركيا، تم فصل قره قويون من العمل بمرسوم. ويقول إن السبب في فصله هو إرسال أبنائه إلى مدرسة خاصة – كانت حركة غولن تدير شبكة كبيرة لها في تركيا حتى وقت قريب – والانتماء إلى منظمة. في الواقع، لم يكن قره قويون سوى واحد من بين عدد لا حصر له من الأبرياء الذين دُمرت حياتهم بسبب الانقلاب الفاشل وما تبعه من حالة طورائ.

ووصف قره قويون الفصل بأنه بداية النهاية، الهزة التي دفعت بحياته إلى غياهب الانهيار. وتفاقمت مشاكله الصحية، التي كانت تحت السيطرة قبل فصله، بينما باتت أسرته على شفا الفقر والعوز بعدما خسر فجأة مصدر دخله.

ويقول: "فقدت 90 في المئة من البصر في عيني اليمنى و70 بالمئة منه في عيني اليسرى. أعاني من فشل في كلتا الكليتين، وأحتاج للذهاب إلى غسيل الكلى ثلاث مرات في الأسبوع، وأصبت بأزمتين قلبيتين ونوبتي ذبحة صدرية، وفي نهاية المطاف وضعوا لي دعامة. عندي جروح في كلتا قدميّ بسبب مرض السكري... لقد انتهيت تقريبا".

إن أولئك الذين فصلوا من عملهم بمرسوم يصفون محنتهم بأنها "موت مدني"، في إشارة إلى وصمة العار التي تجعل من عثور صاحبها على وظيفة أو المطالبة بحقوقه كمواطن أمرا أقرب إلى المستحيل.

يحكي قره قويون كيف أنه لاحق رجال الشرطة والقضاة على مدى أشهر بعد فصله من العمل في محاولة منه لسماع قضيته والتماسه. ويقول إنه تم تجاهله حتى بدأ رحلته في غسيل الكلى وخاطب أحد القضاة مباشرة وطلب منه معرفة ما إذا كان ينتظر موته قبل النظر في قضيته.

وأضاف: "أعلن القاضي إنهاء الدعوى وأبلغني بأنني لست مذنبا في أي جريمة. وها قد مرت سنة ونصف السنة منذ صدور الحكم، ولم يعيدوا إليّ وظيفتي ولم يعطوني معاشي التقاعدي".

جعل ذلك من أكبر أبناء قره قويون الخمسة عائلا للأسرة. فقد تخلى الشاب البالغ من العمر 21 عاما عن تطلعاته للدراسة في الجامعة وبدأ العمل في مجال البناء.

"لكنكم تعرفون قطاع البناء؛ أحيانا يكون هناك عمل وأحيانا أخرى لا يكون. وفي الوقت الحالي هو عاطل عن العمل، ولا يدخل بيتنا أي مال".

ونظرا لحاجتهم إلى العيش في مكان أقل تكلفة، ورغبتهم في الابتعاد عن أقاربهم ومعارفهم، استقرت أسرة قره قويون في منطقة بيسني بمحافظة أديامان في جنوب شرق البلاد، والتي سبق له وأن درّس فيها لسنوات.

وحتى في تلك المنطقة، لم يستطيعوا سوى شراء ملابس لأبنائهم بمساعدة مسؤول من حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد. هذا الوضع الذي وجد فيه قره قويون وزوجته نفسيهما قد دفعهما عدة مرات إلى التفكير في الانتحار، بحسب ما قاله المعلم.

الآن، بات أكبر آمال قره قويون هو أن يجد سبيلا للخروج من تركيا، حتى وإن اضطر إلى مغادرتها في نعش.

ويقول: "الشيء الوحيد الذي أريده هو الخروج من هذا البلد. لا أريد لأبنائي أن يعيشوا ما عشته. أي مكان يتمتع بسيادة القانون ويستمع إلى دعواي، فأنا مستعد للذهاب إليه، سواء كانت أستراليا أو اليابان أو نيوزيلندا أو حتى ألاسكا.

"أريد الذهاب إلى أي بلد يقبلني مع أبنائي، ولا أعود. لقد أبلغت أبنائي بالفعل بوصيتي الأخيرة: وهي حتى إذا وافتني المنية فلا يدفنوني هنا، بل يأخذون جثماني إلى أبعد مكان يستطيعون الوصول إليه، ولا يعودون".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/failed-coup-attempt/dont-bury-me-turkey-purge-stigma-nearly-drives-teacher-suicide