حرب داوود أوغلو الكلامية مقدمة لصراع سياسي قادم في تركيا

يقترب فصل الصيف من نهايته، لكن هناك بالفعل إشارات واضحة على أن السياسة التركية بانتظار خريف ساخن. فبإمكاننا أن نتوقع ميلاد حزبين سياسيين جديدين بزعامة رموز قيادية سابقة في حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال أشهر قليلة.

وأوضح الرئيس رجب طيب أردوغان أنه لن يجعل الأمر يسيراً على زملائه السابقين، الذين وصفهم بالفعل بأنهم "خائنون".

لكن في النهاية، لماذا سيفعل هذا؟ الهدف الأوضح لتأسيس الحركتين الجديدتين هو كسر قبضة أردوغان القوية التي يمسك بها السلطة، والتي باتت شبه مُطلقة في هذه المرحلة، من منطق مؤسساتي على الأقل.

في حالة رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، قد تكون الأنا الجريحة دافعاً كبيراً وراء قرار تأسيس حركة سياسية منشقة. فقد أُجبر داوود أوغلو على الاستقالة في عام 2016، بعد مرور سنة واحدة على مساعدته حزبه في استعادة الأغلبية البرلمانية خلال انتخابات مبكرة أُجريت بعد مرور أشهر على خسارتهم إيّاها للمرة الأولى. أُجبر داوود أوغلو على ذلك بعد تسريبات من جهة مجهولة حول سلسلة طويلة من الصراعات بينه وبين أردوغان.

وعاد رئيس الوزراء السابق إلى المشهد السياسي هذا العام بعد أن استشعر الضعف الذي لحق بحزب العدالة والتنمية، والذي جاء أداؤه في الانتخابات البلدية التي أجريت في 31 مارس دون المستوى.

ويتبّنى داوود أغلو خطاباً حاداً منذ عودته إلى المشهد، وهو ما يُعطي انطباعاً بأنه ما زال يشعر بالمرارة لأنه لاقى إساءة. وفي الثالث والعشرين من أغسطس، هدم داوود أوغلو جسور العودة إلى أحضان الحزب الحاكم من خلال كلمة أشار فيها ضمناً إلى أن شخصيات بارزة من حزب العدالة والتنمية وشركاء الحزب في التحالف الحاكم من حزب الحركة القومية اليميني المتطرف لعبوا دوراً في موجة من التفجيرات وقعت بين الانتخابات التي أجريت مرتين في عام 2015.

وعقب تصريحات داوود أوغلو على الفور، طالبت شخصيات من المعارضة ومجموعات نظّمتها أُسر ضحايا تلك الهجمات بتوضيح كامل لحقيقة ما حدث.

لكن من بين الأصوات التي طالبته بالحديث بعض أكبر المؤيدين لأردوغان. وطالب هلال كابلان، الكاتب في صحيفة صباح، رئيس الوزراء السابق بإخراج كل ما في جعبته، وذلك في مقال بتاريخ 27 أغسطس أشار فيه بأصابع الاتهام إلى داوود أوغلو كمتآمر مع جماعة غولن الدينية المحظورة، التي تُحمّلها الحكومة مسؤولية محاولة الانقلاب التي وقت في يوليو 2016.

فضلاً عن ذلك، فإن المقال الذي كتبه كابلان حمّل داوود أوغلو المسؤولية عن فترة العنف الذي اندلع خلال تلك الأشهر. كانت عملية سلام مع حزب العمّال الكردستاني قائمة في ذلك الوقت قد انهارت على الفور، بعد مرور عامين على بدايتها، في أعقاب خسارة حزب العدالة والتنمية الأغلبية في انتخابات يونيو 2015. ويقاتل حزب العمال الكردستاني الدولة التركية منذ عقود من أجل الحكم الذاتي.

كان هذا تدخلاً مهمّاً من جانب كابلان، صاحب النفوذ السياسي المعروف على نطاق واسع في تركيا. فكابلان يُنظر إليه على أنه عضو مهم ضمن مجموعة الكُتّاب والنشطاء الذين يُعتقد أنهم دبّروا لاستقالة داوود أوغلو من خلال نشر الوثائق في عام 2015.

وأعضاء هذه المجموعة، المعروفة باسم مجموعة البجع، هم في كثير من الأحيان من حاشية أردوغان. ويُعتقد أيضاً أن المجموعة مرتبطة بشدة بصهر الرئيس، وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، المرتبط أيضاً بصحيفة (صباح). وقبل دخول عالم السياسة، عمل البيرق رئيساً تنفيذياً لشركة تشاليك القابضة، المالكة لصحيفة (صباح). وأخوه سرحات البيرق عضو في مجلس إدارة تركواز، وهي المجموعة الإعلامية التابعة لشركة تشاليك القابضة.

ومن ثم، يُمكن قراءة مقال كابلان على أنه تحذير واضح لداوود أوغلو، مفاده أنه مهما كان ما لديه من الأمور التي يستطيع الحديث عنها بشأن حكومة أردوغان، فإنهم سيردون عليه بقوة. في النهاية، فإن واحداً فقط من طرفي هذه المعركة لديه السلطة التي تُمكّنه من الزج بالطرف الآخر في السجن. وأكد مقال آخر كتبه أحد الكُتّاب البارزين في (صباح)، وهو محمد بارلاس، على هذه الرسالة. طالب الكاتبُ أيضاً رئيس الوزراء السابق بالإفصاح عما لديه، وذكر أن الصعوبات التي واجهتها تركيا خلال فترة العشرين شهراً التي قضاها داوود أوغلو في منصب رئيس الوزراء يتحمل مسؤوليتها داوود أوغلو نفسه.

وسيتبين فيما بعد ما إذا كانت تصريحات داوود أوغلو ستردع أردوغان ووسائل الإعلام الموالية لحكومته عن الكشف عن أمور تسيء لرئيس الوزراء التركي السابق.

بيد أن أبواب جميع الفُرص مفتوحة أمام صدور الأوامر لوسائل الإعلام بالرد عليه من خلال حملات تلطيخ السمعة الشاملة والدنيئة، التي عادة ما يتم توظيفها ضد السياسيين المعارضين كلّما اقترب موعد أي انتخابات.

وظلّ زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو يتعرض لحملة مماثلة كانت تصفه بأنه "إرهابي" على مدى أشهر قبل الانتخابات البلدية التي أُجريت في 31 مارس، وكانت تلك الحملة تتصدر الصفحات الأولى للصحف الكبرى الموالية للحكومة. وفي أبريل، نجا الرجل من محاولة قتل على يد مجموعة من الدهماء كانت تردد شعارات تشبه كثيراً ما جاء في ذلك الوقت في عناوين تلك الصحف.

وقد يكون مقال كابلان إشارة على أن حملة مشابهة ستنطلق ضد داوود أوغلو وحزبه الجديد، وتربط بينهما وبين حركة غولن المحظورة، حيث أثار الكاتب في مقاله تساؤلات حول سبب استقالة داوود أوغلو قبل وقت قليل على محاولة الانقلاب الفاشلة.

وعبّر دوغو برينجيك، زعيم الحزب الوطني، عن هذا الربط بوضوح في شهر أغسطس. فقد وصف السياسي صاحب التوجهات اليسارية القومية حزب داوود أوغلو والحزب الآخر، المزمع تأسيسهما على يد شخصيات لها وزنها كانوا أعضاءً في حزب العدالة والتنمية، بأنهما "الجناح السياسي" لحركة غولن. ويشار هنا إلى أن موقف برينجيك المعادي للغرب، والمتشدد تجاه الأكراد، جعله يقف في خندق واحد مع حكومة أردوغان.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/ahmet-davutoglu/war-words-sparked-former-pm-davutoglu-signals-political-conflict-come-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.