حربُ أردوغان الخاسرة ضدّ "مثلّث الشيطان"

أنقرة – لا ينفكّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يكرّر أحاديثه عن الحرب ضدّ مَن يقول إنّهم يستهدفون بلاده، وغالباً ما يطلق تصريحاته بنوع من التعمية، بحيث يتحدّث عن أعداء في الداخل والخارج يتربّصون به وبتركيا واقتصادها وأمنها، وذلك في مسعى منه لتبرير الأزمات التي يورّط بها بلاده، بحسب ما يؤكّد معارضون أتراك.

وفي أحدث تصريحاته التي يتحدّث فيها عن حرب اقتصادية مستعرة، قال الرئيس التركي السبت إن بلاده تخوض حربا ضد أسعار الفائدة والتضخم وأسعار الصرف، وهو ما أسماه "مثلث الشيطان"، وذلك بعد يوم من هبوط جديد سجلته قيمة الليرة التركية.

أضلاع ما يطلق عليه أردوغان مثلث الشيطان تعتمد على الأرقام، ومعلوم أنّ الأرقام لا تحابي أحداً، لكن على الرغم من ذلك، فإنّه يحاول الالتفاف على لغة الأرقام عبر توجيه الاتهامات وتوزيعها هنا وهناك، لتبرئة نفسه وإدارته من المسؤولية وتحميلها لجهات تكيد لتركيا المكائد.

ويبدو استخدام الحرب في تصريحات أردوغان نوعاً من الهروب من مواجهة الوقائع والحقائق، والاستعانة بنظريات المؤامرة للتغطية على الأخطاء الكبيرة التي تقع فيها إدارته، والتي تنفّر المواطنين الأتراك منها، وتزيد الضغوطات والأعباء اليومية عليهم.

يعمل أردوغان على شيطنة أيّ فعل ينتقد سياساته، أو يتعارض معها، بحيث يخرجه من سياقه ويضعه في إطار الخير والشرّ، وفي خانة الخيانة والعداء، ويكون التجريم قناعاً للتهرّب من المساءلة والتملّص من المسؤولية، بحسب ما يشير محللون.

وأضاف أردوغان مخاطبا مؤيديه في مدينة وان شرقي البلاد "ردنا على أولئك الذين يعملون لمحاصرة بلدنا في المجال الاقتصادي هو حرب جديدة للتحرر الاقتصادي"، بحسب ما نقلته وكالة بلومبرغ للأنباء.

وكأنّ الحروب التي ورّط الرئيس أردوغان بلاده فيها، في عدد من الدول، في العراق، سوريا، ليبيا، وإقليم ناغورني قره باغ، لا تكفي لتهدئة جموحه وأطماعه للهيمنة والتوسّع، والأوهام باستعادة أمجاد السلطنة العثمانية، فتراه ينقل كلمة الحرب إلى حياة الأتراك اليومية، ويجد فيها ملاذاً من أيّ مسؤولية، ويشهرها بوجه منتقديه ومعارضيه، بحيث يضعهم في موقف حرج، باتّهامهم أنّهم يتعاونون مع الأعداء وأنّه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

وقال أردوغان في إطار الوعود والتهديدات التي يدأب على تكرارها بالموازاة مع أحاديثه عن الحرب وكوابيسه بها، إن الحكومة نفذت "تغييرا هيكليا كبيرا" لا يقل أهمية عن إلغاء الامتيازات الممنوحة للقوى الغربية من قبل الإمبراطورية العثمانية، والتي ألغيت بإنشاء الجمهورية التركية.

يلفت مراقبون أنّ حرب أردوغان ضدّ ما أسماه بمثلث الشيطان هي حرب خاسرة بالضرورة، لأنّها تجافي العقل والمنطق، وتبتعد عن واقع الاقتصاد ومقتضيات الأسواق، وتنحو باتّجاه الشعارات الشعبوية التي لا تغني من جوع.

تصريحات أردوغان جاءت بعد هبوط قياسي في سعر صرف الليرة بلغ 8.3849 أمام الدولار الجمعة. وفقدت العملة التركية 29% من قيمتها هذا العام، لتسجل تراجعا للعام الثامن على التولي، في أطول مدة هبوط منذ عام 1982، حسب بلومبرغ.

ورفع البنك المركزي توقعاته للتضخم إلى 12.1 بالمئة من 8.9 بالمئة الأسبوع الماضي وقال إن توقعا بأن يسجل التضخم اتجاها نزوليا في النصف الثاني من العام لم يتحقق.

ورفع المركزي توقعاته لمعدل التضخم بنهاية هذا العام بأكثر من ثلاث نقاط مئوية، بعدما فشلت القرارات المفاجئة بشأن أسعار الفائدة في دعم الليرة التي تراجع سعر صرفها وسط إجراءات سياسية ونزاعات دولية.

ونقلت وكالة بلومبرغ للأنباء عن محافظ البنك مراد أويصال القول خلال إعلان التقرير الأخير للتضخم لعام 2020 أن ارتفاع أسعار المستهلكين سينهي العام عند 12.1%، مقابل توقعات سابقة بـ8.9%. وتوقع أن ينخفض التضخم إلى 9.4% بنهاية 2021، مقابل توقعات سابقة بـ 6.2%. كما توقع ارتفاع تضخم أسعار الغذاء بنهاية 2020 بنحو 13.5%، مقابل توقعات سابقة بـ 10.5%.

و تتجه تركيا إلى ركود اقتصادي عميق، بحسب كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي بواشنطن، روبن بروكس، الذي استشهد بانعكاس حاد في طفرة الاقتراض قائلا إنه سيؤدي إلى استقرار نسبي لليرة التركية المحاصرة ويقلص عجز الحساب الجاري.

وقال في تعليقات على تويتر الجمعة إن ما يسمى بالدفع الائتماني في تركيا "هو الآن الأكثر سلبية على الإطلاق. وهذا يعني ركودا عميقا مع استقرار الليرة."

سعت الحكومة التركية إلى هندسة الانتعاش الاقتصادي في البلاد من خلال إصدار أوامر للبنوك التي تديرها الدولة لإغراق السوق بقروض رخيصة. وأبقى البنك المركزي أسعار الفائدة عند أقل من معدل التضخم للمساعدة في دعم هذه السياسة.

لكن هذا التكتيك تسبب في بيع الليرات مقابل الدولار واليورو والذهب، التي تراجعت إلى مستويات قياسية، مما دفع السلطات التركية إلى اتخاذ إجراءات للمساعدة في كبح الإقراض. في الوقت نفسه، أنفق البنك المركزي عشرات المليارات من الدولارات من احتياطياته من العملات الأجنبية لدعم العملة الوطنية.

أجبرت أزمة العملة في 2018 البنك المركزي التركي على زيادة أسعار الفائدة. لكن السعر القياسي يقف الآن عند 10.25 في المئة مقارنة بـ 24 في المئة في يوليو 2019. وبدعم من الحكومة، اعتمد البنك وسائل أخرى لتشديد السياسة النقدية، بما في ذلك تمويل البنوك الأخرى بأسعار فائدة متفاوتة.

وأدى التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة والخلاف مع فرنسا والنزاع بين تركيا واليونان علي الحقوق البحرية والمعارك في ناغورني قره باغ إلى ضعف الليرة.

وأبقى البنك المركزي الأسبوع الماضي سعر الفائدة الرئيسي عند 10.25 بالمئة ورفع نافذة السيولة المتأخرة إلى 14.75 بالمئة، قائلا إن تشديدا واسعا للأوضاع المالية قد تحقق بالفعل بعد خطوات لاحتواء مخاطر التضخم.

توقع وزير الخزانة والمالية التركي بيرات البيرق، وهو صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، نموا اقتصاديا بنسبة 0.3 في المئة في عام 2020 عند الإعلان عن برنامج اقتصادي مدته ثلاث سنوات في أواخر سبتمبر. وتوقع مسح شهري للاقتصاديين أجراه البنك المركزي في أكتوبر انكماشا اقتصاديًا بنسبة 0.8 في المئة. وتراجع النشاط الاقتصادي بنسبة 9.9 في المئة على أساس سنوي في الربع الثاني من العام.