حسابات تركيا الخاطئة في انتخابات شمال قبرص

انتقد الحزب الحاكم في تركيا وحلفاؤه من اليمين المتطرف، رئيس جمهورية شمال قبرص التركية الانفصالية، مصطفى أكينجي، وأيدوا بشدة خصمه الأساسي في الانتخابات التي تُجرى الشهر المقبل، رئيس الوزراء القومي إرسين تتار.

يسلط الخبراء الضوء على السياسة الداخلية في تركيا ومحاولاتها العدوانية للتنافس على موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط الأوسع كدوافع رئيسة وراء دعم الحكومة التركية لتتار. ومع ذلك، قد يكون هذا الدعم مضللاً.

وقالت ريبيكا براينت، أستاذة الأنثروبولوجيا الثقافية بجامعة أوتريخت والمشاركة في تأليف في كتاب سيصدر قريباً ويحمل عنوان (تعليق السيادة: بناء الدولة المزعومة) لموقع (أحوال تركية) "في كل مرة تدعم أنقرة مرشحاً علناً، يخسر هذا المرشح ... إن الغالبية العظمى من القبارصة الأتراك، وهذا يشمل على وجه الخصوص الأشخاص الذين قد يعتبرون من القوميين على خلاف ذلك، يكرهون حزب العدالة والتنمية وكل ما يمثله".

وأردفت قائلة "يرجع هذا إلى حد كبير إلى أن القبارصة الأتراك علمانيون وكماليون في الأساس. في الواقع، الشيء الوحيد الذي يوحد اليسار واليمين في قبرص هو الاحترام الكبير لأتاتورك والاعتقاد الأساسي بأن أردوغان يحاول تدمير كل ما يمثله أتاتورك"، في إشارة إلى مؤسس الجمهورية التركية الراحل مصطفى كمال أتاتورك، وأيديولوجيته العلمانية، الكمالية.

جمهورية شمال قبرص التركية كيان سياسي معزول في السياسة الدولية. فقد قام غزو تركي في عام 1974 للثلث الشمالي للجزيرة بتقسيم قبرص على أسس عرقية. وأعلن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عدم شرعية إعلان الاستقلال الذي أصدره القبارصة الأتراك في عام 1983 من جانب واحد في الشمال، بدعم من تركيا، في قرار أعادت محكمة العدل الدولية تأكيده فيما بعد.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الجانب اليوناني من الجزيرة، جمهورية قبرص، معترف به دولياً كدولة ذات سيادة وأصبحت عضواً في الاتحاد الأوروبي في عام 2004. وأشار انضمام قبرص إلى الاتحاد الأوروبي بشكل واضح إلى أنه في حين أن أراضي جمهورية شمال قبرص التركية ليست خاضعة فعلياً لسيطرة جمهورية قبرص، فالجزيرة بأكملها تعتبر عضواً في الاتحاد الأوروبي تحت سلطة الحكومة القبرصية اليونانية.

وبمرور الوقت في تركيا وفي جمهورية شمال قبرص التركية، تتحدى التغييرات السياسية الوضع الراهن. وتحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، سعت تركيا لمزيد من الاستقلال في السياسة الخارجية عن الغرب ويدين أردوغان باستمرار حكمه للدعم من العناصر القومية في السياسة الداخلية. وفي قبرص، غيرت أجيال الفصل بين الطائفتين اليونانية والتركية تصورات المواطنين للصراع المجمد.

وللوهلة الأولى، يمكن فهم دعم أنقرة لتتار على حساب أكينجي. وقالت سيبل أوقطاي، الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية بجامعة إلينوي في سبرينغفيلد لموقع (أحوال تركية) "تتار مؤيد للتقسيم وحليف لأردوغان ويعتقد أن تركيا هي الوطن الأم. أكينجي مؤيد للتوحيد، على الرغم من أنني أشعر أنه يتخلى عن هذا الموقف في الآونة الأخيرة، ويتصور اعتماداً أقل بكثير على تركيا في المستقبل".

وعلى الرغم من الدوافع الواضحة وراء انخراط أنقرة في الانتخابات، إلا أن نظرة أقرب على سياسة جمهورية شمال قبرص التركية تجعل حسابات تركيا موضع تساؤل.

وفي ظل انفصال تركيا عن التعاون الإقليمي في تطوير حقول الغاز تحت سطح البحر، ترسل أنقرة سفن التنقيب مصحوبة بحراسة بحرية إلى المياه المتنازع عليها.

لكن براينت تتساءل عما إذا كان دعم تركيا لتتار على حساب أكينجي مرتبطاً بنية تركيا لتأمين السيطرة على بعض غنائم النفط والغاز في المنطقة.

وقالت إن تركيا لم تغير موقفها من مفاوضات السلام وإن أنقرة تواصل تفضيل تسوية تفاوضية. وتابعت قائلة إن ما هو واضح أن "ثمة اعتقاداً واسع النطاق بين السياسيين الأتراك والجمهور القبرصي التركي بأنه منذ أن أصبحت جمهورية قبرص عضواً في الاتحاد الأوروبي، فإن الجانب القبرصي اليوناني ليس لديه حافز كافٍ لتقديم تنازلات من أجل التوصل إلى حل".

وفي هذا السياق، قد يعتقد القبارصة الأتراك أن قضية النفط والغاز يمكن الاستفادة منها كحافز للمحادثات. وقالت براينت أيضاً إن الخطاب الداعي إلى بدائل لإعادة التوحيد، مثل الاتحاد أو حل الدولتين، يهدف إلى تعزيز الجدوى الاقتصادية والسياسية لجمهورية شمال قبرص التركية ومحاولة دفع القبارصة اليونانيين إلى طاولة المفاوضات.

علاوة على ذلك، قالت براينت إن الأمر عندما يتعلق بالانتخابات المقبلة، فإن "سياسات الطاقة ليست في محور اهتمام الناخبين القبارصة الأتراك على الإطلاق". وتابعت قائلة "أكينجي وتتار لا يختلفان بشأن القضية، لأن القبارصة الأتراك لا يختلفون عن تركيا في هذه القضية. إنهم يعتبرون أن لهم حقهم دستوري في الحصول على نصيب من عائدات موارد الطاقة ولا بأس في السماح لتركيا بحماية هذا الحق".

وإذا كان هناك اختلاف بسيط بين أكينجي وتتار على المصالح الاستراتيجية الكامنة لأنقرة، على الرغم من تصاعد الخطاب، فما الذي يقف وراء دعم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية الصريح لأحدهما على الآخر؟

قالت براينت إن الحكومة التركية "ترى فقط أن تتار المرشح الأكثر قابلية للاستمرار في معارضة أكينجي، كما أنهم يريدون رؤية خروج أكينجي. ومع ذلك، فإن الحكومة التركية الحالية لا تقوم بواجبها في قبرص، لأنهم فقدوا أفضل مستشاريهم ولأنهم مشتتون في مكان آخر".

وقالت بيركاي غولن، التي تدرس الدكتوراه في جامعة واشنطن وتركز أبحاثها على صنع القرار والسياسة الخارجية التركية، إن قبرص كانت منذ فترة طويلة مجالاً رئيساً للدبلوماسيين الأتراك للعمل على الحصول على ترقية في الخدمة الخارجية.

وأضافت أن تركيا لديها بالتأكيد الخبرة الكافية فيما يتعلق بقبرص، "لكن الخبراء ليسوا جزءاً من عملية صنع القرار. من المرجح أن يتخذ الأشخاص في المجمع الرئاسي إلى جانب أردوغان قرارات السياسة الخارجية أكثر فأكثر بدلاً من اتخاذها من خلال التشاور مع الدبلوماسيين المحترفين في الوزارة".

ويُتوقع من فريق أردوغان المعزول لصنع القرار للسياسة الخارجية إعطاء الأولوية لمصالح تركيا على تفضيلات الناخبين من القبارصة الأتراك، ولكن دون مساهمة من الدبلوماسيين المحترفين، فإن نهجهم في انتخابات جمهورية شمال قبرص التركية يمكن أن يأتي بنتائج عكسية.

وقالت براينت إن الحكومة التركية تعتقد فيما يبدو أنها تستطيع تعبئة المواطنين الأتراك الذين أصبحوا مواطنين في جمهورية شمال قبرص التركية ويشكلون الآن حوالي 30 في المئة من الناخبين. لكنها قالت "أكثر من نصفهم كانوا هناك منذ سبعينيات القرن الماضي أو هم من نسل هؤلاء المستوطنين الأوائل، وهؤلاء الناس لديهم أنماط تصويت تشبه إلى حد كبير القبارصة الأتراك".

وبدلاً من دعم منافس أكينجي صراحةً، وبالتالي مساعدته في إعادة انتخابه، قالت غولن "إذا كانت وزارة الخارجية التركية جزءاً من القرار، أتوقع المزيد من دبلوماسية القنوات الخلفية لإقناع المرشح القادر على الفوز، سواء كان أكينجي أم لا، باتخاذ موقف لصالح تركيا في الجزيرة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/northern-cyprus/turkey-may-be-misjudging-north-cyprus-elections
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.