حتى ظل القصر يُفرّق المعارضة.. هل انتهى كليجدار أوغلو؟

 

تموج تركيا منذ أيام عديدة.
ستقولون وكيف لا تموج!
وأخبار حوادث الانتحار التي تسبب فيها الفقر تتوالى من جميع أنحاء البلاد. ارتفعت البطالة إلى أعلى مستوى في تاريخ الجمهورية. الأُسَرُ غارقة في الديون حتى حناجرها. أخبار طلبات التفليس والإفلاس لا تنقطع. كل يوم تضاف أعداد جديدة إلى جيش العاطلين عن العمل. ورأس المال الأجنبي، الذي استثمر هنا بأمل كبير، يتركنا بمفردنا مع همومنا ومشاكلنا ويهرب دون أن ينظر خلفه.
إن قلتم العدالة؛ فلكم طول العمر! لا يُعرف من يُحاكم، ولماذا يُسجن؟ لا يوجد دستور، ولا حتى قوانين؛ فهما في حكم العدم. لا تأخذ المحاكم المحلية قرارات المحكمة العليا في الاعتبار، لأن هناك من هو أعلى من العليا نفسها، والقضاة ينظرون الآن ليس إلى القانون، ولا إلى ما ينص عليه، ولكن إلى جهة أخرى. لا أحد يهتم بأدنى مبادئ العدالة أو الحق في الخضوع لمحاكمة نزيهة ...
امرأة تقتل كل يوم. وبدلاً من أن تمنع الدولة العنف ضد المرأة، تتجاهل جرائم قتل النساء لأسباب مُخفِّفة أقحمتها في القوانين والممارسات. وهذا أيضًا لا يكفي؛ ففي ذكرى يوم "لا للعنف ضد المرأة" في 25 نوفمبر تمارس الدولة نفسها العنف ضد النساء اللائي قلن لا للعنف ضد المرأة. أصبح قول لا للعنف ضد المرأة جريمة، وقول لا لإساءة معاملة الأطفال جريمة، والدفاع عن السلام جريمة.
لا توجد ديمقراطية صناديق الاقتراع. بل إن ديمقراطية صناديق الاقتراع، التي تدعي منح الأكراد الحق في التصويت والانتخاب، أصبحت الآن مجرد حبرٍ على ورق. لا يوجد لها مقابل في الحقيقة. وهناك نواب ورؤساء بلديات أكراد منتخبون و5000 حاكم وعضو في الحزب الذي يشكل الأكراد الغالبية فيه وراء القضبان.
ووفقًا لتقرير "الوضع العالمي للديمقراطية-عام 2019" الذي أعده المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، فإن تركيا وهايتي تمثلان أكثر دولتين في العالم وصلت فيهما الحقوق الأساسية عند أدنى مستوياتها. وفي التقرير نفسه تُصنَّف تركيا على أنها الدولة الأكثر سوءًا في مستوى الأداء جنبًا إلى جنب مع كل من السلفادور وهايتي وغواتيمالا من حيث تحقيق العدالة والحريات المدنية والحقوق الاجتماعية-الاقتصادية.
في مثل هذه البيئة، من المعتاد أن تتخبط البلاد بين ركود وفقر.
لكن لا، فحقيقة الأمر مختلفة. أيا من هذه المشاكل لا يشغل جدول أعمالنا. نعود إلى جدول أعمالنا الذي يجعلنا نحن هكذا؛ نقول هكذا، ونضيف عليها بعض الكلمات، ونتحسر قليلًا أيضًا. أعني، نعود إلى من يكون عضو حزب الشعب الجمهوري الذي زار القصر ...
قال "أويا بيدر" في مقالته: "إن مؤامرة سياسية مقززة بقدر ما هي مخيبة للآمال، وغير أخلاقية ووضيعة بقدر ما هي مخيفة للبلاد لا تزال تسيطر على جدول الأعمال منذ أيام". فهل هو مخطئ؟ لا، إنه على حق. لكن هناك شيئا نسيه. وهو كون مجتمعنا محب للتآمر ولا نريد أن نتخلى عن رؤية العالم من خلال نظريات المؤامرة، والتي تمنعنا عن مواجهة الحقائق. لهذا السبب، فإن حكايات العالم كله يعادينا، وألمانيا تشعر بالغيرة منا، ويفكر الغربيون ليلًا ونهارًا في كيفية إلحاق الهزيمة بهؤلاء الأتراك الهائجين لها ما يقابلها في السياسة. لهذا السبب، تروقنا كثيرًا الأخبار التي يُذكر فيها اسم القصر.
ولمجرد أننا هكذا تمامًا، نقوم ونقعد منذ أيام بسبب خبر قال صحفي إنه حصل عليه من صحفي آخر.
في الواقع، إننا نعاني منذ فترة طويلة من ظلام دامس حيث أن عقلية الدولة الأمنية وعقلية حزب العدالة والتنمية الإسلامي تحاصرنا جميعًا كبلد. نحن نكافح ونتخبط في حفرة حيث يتم فيها إلقاء كل محاولة وكل خطوة تنهي هذا الظلام وتوصم بالإرهاب والخيانة، وتُعاقب داخلها.
رأت الحكومة أن الأرض تحت أقدامها ستنهار حين بدأت تتفجر جميع المشاكل، الواحدة تلو الأخرى، والتي لم تحلها أو بالأحرى لم تستطع حلها بدءًا من الاقتصاد إلى السياسة الخارجية. ولا سيما انتخابات إسطنبول، التي كُرِّرت في 23 يونيو، فقد أصابت السلطة بالذعر والهلع.
انتهت سياسة إرجاء المشكلات إلى المستقبل. ليس هناك مستقبل يُرجَأُ إليه المزيد. بات من الواضح أن السياسة التي يطلقون عليها "الوحدة الثمينة" قد تحولت إلى وحدة خطيرة، وأنه لم يعد هناك الكثير من الأشخاص في العالم يمدون يد العون إلى السلطة التي تعاني. وفي الواقع لقد اختنق الاقتصاد العالمي، وباختصار تعرف السلطة أنها فقدت السيطرة على المشكلات. كما ترى أنه كلما اشتدت المشكلات وتأزمت أكثر كلما زادت حالة الاستياء لدى المجتمع، وهو ما سينعكس على عدد أصوات الناخبين...
عندئذ يبقى شيء واحد يمكن فعله. إنه إعادة تصميم المعارضة.
ومع ذلك، فإن المعارضة الرئيسية لا تتخلى إطلاقًا عن الاعتقاد بأنها لن تكون معنية بمثل هذا التصميم. فلطالما رفض حزب الشعب الجمهوري أن يرى أنه قد تم تدمير الجمهورية بالفعل، والتي كانت تعطي الأولوية لسيادة الشعب والمساواة واعتماد الدولة على العدالة والعلمانية، وأن أردوغان صار هو الدولة نفسها. وبهذا المعنى، فإن حزب الشعب الجمهوري يبدو وكأنه ما زال متقوقعًا محبوسًا في ماضيه.
أما الحزب الصالح الحزب الثاني في التحالف –تحالف الأمة- فدائمًا ما رُوِّج له من قبل رئيس الجمهورية كشريك ائتلافي احتياطي للسلطة، وللأسف لقى هذا قبولًا في المجتمع، وداخل الحزب الصالح على حد سواء.
أما حزب الشعوب الديمقراطي فقد تم تجريمه منذ فترة طويلة، وحُصر في نظر الأغلبية على أنه حزب يدعم الإرهاب. لهذا السبب كان يُنظر إليه دائمًا باعتباره الحلقة الأضعف في السلسلة، وبه نفسه بدأ تنفيذ الخطة.
ودون أن يمضي كثير من الوقت اتخذت بالفعل خطوات لتهميش حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يدعم تحالف الأمة ويقويه. لكن السلطة التي رأت أن الخطوات التي اتخذت حتى الآن بشأن حزب الشعوب الديمقراطي ليست كافية وأن انقطاع العلاقة التي بينه وبين ناخبيه مسألة أكثر أهمية، بدأت في شن حملات جديدة. وعلى حين راحت تعتقل العاملين في منظمات حزب الشعوب الديمقراطي وتقطع شعيراته الدموية من ناحية، كانت تحوله إلى عنصر غير فعال بتعيين الأوصياء من ناحية أخرى. وفي النهاية أدى الاستياء والسخط الصادر عن القاعدة الشعبية إلى بدء مناقشات في حزب الشعوب الديمقراطي حول الانسحاب من الحكومات المحلية والبرلمان. وأعلن الحزب أنه سيبقى على أرضية السياسة المشروعة، ولن يتخلى عن مكاسبه الديمقراطية، وأنه سيواصل بحزم نضاله من أجل الديمقراطية. وتوَّج قراره هذا بدعوة لانتخابات مبكرة.
ولكن هذا لم يُعجب السلطة كثيرًا. وعلى الرغم من الاعتقاد بأن دعم حزب الشعب الجمهوري لعملية نبع السلام قد أغلق الطريق أمام إرضاء الأكراد وإقناعهم بالتصويت له، إلا أنه لم يتجاهل إمكانية أن زعيم كمال قليجدار أوغلو الذي وضع خطة جيدة في انتخابات سابقة، وتخلى عن الاعتماد على ناخبيه أنفسهم قد يقيم تحالفًا أوسع في أول انتخابات قادمة، وبحيث يشمل الأكراد أيضًا. ولا سيما أن احتمالية مشاركة الحزب الذي سيؤسسه علي باباجان في تحالف كهذا ربما تكون نهاية كل شيء بالنسبة للحزب الحاكم.
لذلك جاءت الخطوة الثانية. إرباك حزب الشعب الجمهوري، وإخراجه من كونه خيارًا بديلًا. حقيقة أن حزب الشعب الجمهوري، الذي بدأ مرحلة الجمعية العمومية، كان أكثر هشاشة من أي وقت مضى، سهِّلت عمل حكومة حزب العدالة والتنمية-حزب الحركة القومية. والواقع أن حزب الشعب الجمهوري تضرر إلى حد كبير بسبب دعمه للعملية العسكرية نبع السلام، وفسدت علاقاته مع المجتمع المدني الذي دعا إلى السلام والعدالة والمساواة، إلى جانب علاقاته مع الأكراد.
لقد أشعل بهجلي شعلة الانطلاق. وكانت كلماته "لقد أصبح زعيم حزب الشعب الجمهوري تهديدا للأمن القومي. لقد انحرف قليجدار أوغلو، وهو يترصد للإيقاع بتركيا في الهاوية" كافية لأن تبدأ في القصر مكيدة تستهدف حزب الشعب الجمهوري. 
وكي تأتي هذه المكيدة بالنتيجة المرجوة من ورائها، كان على حزب الشعب الجمهوري أن يكون فيه سياسي تجاوزت طموحاته قدرته. ولم يكن لديهم حاجة للبحث عن هذا كثيرا. فقد برز سريعًا ومن تلقاء نفسه محرم إينجه. فُتحت القنوات التلفزيونية، التي كانت مغلقة أمام إينجه في أثناء ترشحه للرئاسة، وكذلك العناوين الرئيسية في الصحف، وبدأ إينجه يتمتع بهذا الاهتمام.
وإن إجابة كمال قليجدار أوغلو "لا أعلم، أمر طبيعي، ربما"، على نحو عادي لأقصى درجة، عن سؤال "مَنْ هو عضو حزب الشعب الجمهوري الذي ذهب إلى القصر؟"، والذي طُرح في إحدى القنوات التليفزيونية، حُملت معنى يفترض علمه بالمكيدة، فبدأ السخط على حزب الشعب الجمهوري.
لم ينتبه أحد إلى أن هذه المكيدة أُجريت عبر صحيفة "سوزجو" الأكثر تأثيرًا على قاعدة حزب الشعب الجمهوري، ولا سيما على الجناح القومي فيها، ولا إلى أن المصدر الرئيس للخبر هو الموقع الإخباري "تايم ترك"، ولم يتذكر أحد أن رئيس الجمهورية قال بعد قرار العملية العسكرية "نبع السلام": "لقد كان تفكك تحالف الأمة جيدًا".
في الواقع، لم تكن هناك حاجة لأن يذهب عضو حزب الشعب الجمهوري ذلك إلى القصر لترتيب هذه المكيدة. كانت إمكانات دولة أردوغان- بهجلي وهشاشة حزب الشعب الجمهوري كافية لخلق مثل هذا التصور.
في الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية في أول اجتماع لمجموعته الحزبية لم يخف ارتياحه وسروره لهذه التطورات. لقد كان مبتهجًا ونشيطًا بقدر لم يكن عليه منذ فترة طويلة. حتى إنه قال في خطابه ""حفظ الله بلادنا وأمتنا من كارثة حزب الشعب الجمهوري. عملت رئيسا للوزراء لسنوات طوال، وعملت وما زلت رئيسًا للجمهورية؛ إحدى القضايا التي أشعر بالأسف الشديد فيها هو أنني لا أجد معارضة رئيسية ندًا لي." ليضع ذلك كل وحدات حزب الشعب الجمهوري، وعلى رأسها رئيس الحزب ومجموعته الحزبية، في وجه مدفع النقد، ولم يكتف بهذا بل استهدف رؤساء بلدياته. وتحامل على رؤساء البلديات المنتخبين حديثًا، وكأن البلاد كانت تُدار بشكل جيد منذ 17 عامًا. وبقوله "تستمر عملية التعافي في الاقتصاد بكامل سرعتها. كل البيانات المعلنة تؤكد هذه الحقيقة. إنهم ما زالوا يقولون "لقد غرقنا، لقد انتهينا". دعونا من الدولار وغيره، فلنعد إلى عملتنا القومية. فلنعد إلى الليرة التركية. الليرة التركية لم تعد تخسر. دعونا نعود إلى الليرة التركية ونثبت وطنيتا وقوميتنا هنا"، وأكد من جديد على أنهم –حزب العدالة والتنمية- البديل الوحيد.
وبما أننا كنا -بشهية عظيمة- جزءًا من هذه اللعبة، فقد اكتملت العملية بنجاح. وحُطَّ من قدر كليجدار أوغلو ليصبح الزعيم العاجز حتى عن إدارة حزبه، وأُضعف داخل الحزب، وانفتح الطريق لاستلامه من قبل رجال حزب الشعب الجمهوري الأكثر عمقًا في الداخل. وقد حدث مثل هذا في أثناء محاولة السحق والضرب سابقًا؛ فمن قاموا بمحاولة السحق هذه لم يتهموا مسؤولي الدولة العاجزة عن منع هذا، بل قليجدار أوغلو بعجزه عن حماية نفسه.
وختامًا أرسل تحالف أردوغان وبهجلي رسالة إلى المجتمع بأنه لا توجد إرادة تدير البلاد سواهما، وكان ذلك بدعم كبير من داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه.
 

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي "أحوال تركية".

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/chp/sarayin-golgesi-bile-muhalefeti-dagitiyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.