هوس أردوغان بالنفط والغاز يقوده للغرق في المستنقع الليبي

إسطنبول – يندفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وراء أطماعه في السيطرة على حقول النفط والغاز التي يستطيع الوصول إليها في المنطقة، منتهزاً الفوضى التي أحدثتها الحروب الأهليّة في عدد من الدول، وبخاصّة في سوريا وليبيا.

الهوس بالنفط والغاز يقود أردوغان للغوص أكثر فأكثر في مستنقع الحرب الليبية، وذلك تحت زعم تلبية طلب حكومة الوفاق الليبية التي تبدو عاجزة عن القيام بأيّ فعل، لأنّ الميليشيات التي تسيطر عليها وجدت نفسها في موقف حرج، فاستجلبت التدخّل العسكريّ التركيّ ليحميها من الانهيار والسقوط.

تركيا التي خرجت حتى الآن صفر اليدين من ثروات الطاقة التي تم اكتشافها في البحر المتوسط، تصر كدولة مطلة على البحر بسواحل طويلة على أن يكون لها نصيب. إضافة إلى ذلك فإنها متعطشة للطاقة بشكل مزمن، ولكنها تضطر حتى الآن لاستيراد كل الاحتياجات تقريبا، حسبما أوضح الخبير التركي في شؤون الطاقة، نجدت بامير، مضيفا أن تركيا تستورد نحو 99% من حاجتها من الغاز و 94% من حاجتها من النفط.

ودفع الانهيار الاقتصادي الذي عصف بتركيا أردوغان إلى المسارعة لتدارك ما يمكن تداركه، والحؤول دون مزيد من التأزيم الذي وقع فيه الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال البحث عن افتعال الحروب مع الآخرين من أجل الهيمنة على منابع النفط والغاز التي من شأنها أن تضخّ الحياة في اقتصاده المنهار، أو تسعفه ببعض الأموال في المدى القريب المنظور ليحمي نفسه وحزبه الحاكم من السقوط.

وانعكست آثار الانهيار الاقتصادي على مختلف تفاصيل الحياة بالنسبة للشعب التركي الذي بدأ يدفع ضريبة سياسات أردوغان التي يصفها معارضوه بالفاشلة، وتدخّلاته في شؤون الآخرين، مع مسعاه الدائم لمواصلة أسلوب التضليل الدعائي، وإلهاء الرأي العام التركي بمسائل لا تهمّه.

يستغلّ أردوغان الميليشيات التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين العالميّ لتكون أذرعه للتغلغل في الدول والمجتمعات التي كان الوصول إليها مستعصياً عليه، حين كانت الأنظمة قائمة فيها، وكانت مؤسساتها تعمل تحت رعاية الدولة وبإشرافها، قبل موجة الربيع العربي، وما خلفته من أزمات وفوضى في المنطقة، جراء التدخلات الأجنبية فيها، وبخاصة التدخّل التركيّ الذي تسلّل من خلال شعارات عريضة حاول من خلالها خداع الناس، بالإيحاء أنّه يقف إلى جانب طموحاتهم ويدعم آمالهم المشروعة بالتغيير.

وترهن ميليشيات الوفاق ليبيا للاحتلال التركيّ، وتفتح حدود البلاد وأبوابها وشواطئها أمام الغزو التركيّ الذي يحاول استعادة أمجاد السلطنة العثمانية، ويعمل على التوسّع في ليبيا واتخاذها قاعدة للتوسّع أكثر في أفريقيا.

أردوغان يوغل في دماء السوريين
أردوغان يوغل في دماء السوريين

بعد أن فقد أردوغان الأمل بالهيمنة على حقول النفط في سوريا، وذلك في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتشار القوّات الأميركية حول حقول النفط في سوريا لمنع الإرهابيين والدواعش من السيطرة عليها، واستغلالها، توجّه إلى ليبيا لنجدة العصابات الموالية له هناك، ومن أجل تأمين سيطرتها على حقول النفط الليبية التي يتمّ تحويل جزء كبير من إيراداتها إلى الخزينة التركية، بحسب ما يؤكّد محلّلون.

يلفت معارضون أتراك أنّ أردوغان تاجر بالشعارات الإنسانية، ولم يوفّر تهديداته لأوروبا بفتح الحدود والأبواب أمام اللاجئين السوريين للعبور إليها، وحاول الضغط عليها بشتى السبل، وزعم أنّ الغرب يسعى وراء النفط السوري، ولا يهمه وضع الأطفال السوريين، وكان بذلك يحاول إخفاء مطامعه بالنفط السوري، وتقنيع مزاعمه بالانتصار لحالة الأطفال اللاجئين الإنسانية، لأنّ من شأنها أن تظهره بمظهر الحريص على الأطفال وليس على النفط، لكن حيله لم تنطلِ على الأوروبيين والأميركيين الذين لم يرضخوا لتهديداته.

يحاول أردوغان إغراق ليبيا بالمرتزقة والجهاديين الذي يعيد تدويرهم، ويقوم بإعادة تصديرهم إلى ليبيا، وينقلهم من سوريا إليها، ولم يعد يتمكن من التغطية على نفسه كزعيم للإرهابيين، يعيد توظيفهم وتوجيه بنادقهم نحو الوجهة التي يريد، والتي تخدم مصالحه.

حقول النفط والغاز في المتوسط أثارت شهية أردوغان وجشعه، فحاول التعدّي على حقوق القبارصة واليونانيين، ولجأ إلى التهديد والتحرش بالسفن اليونانية والقبرصية، وأرسل سفن التنقيب مع سفن حربية قبالة السواحل القبرصية للتنقيب، والتلويح بالقوّة، ما أثار حفيظة دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي أدانت الممارسات التركية في المتوسط، ووصفتها بالاستفزازية وغير المقبولة، وفرضت عليها عقوبات جراء ذلك.

كما لجا أردغان إلى إبرام اتفاقية بين أنقرة وحكومة فائز السراج لترسيم الحدود البحرية، وذكر أنّ تركيا وليبيا قد تعملان مع شركات دولية للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط في أعقاب إبرام الاتفاق البحريّ، وذلك في محاولة لقطع الطريق على خط أنابيب إيستميد الذي تسعى كل من إسرائيل وقبرص واليونان لمدّه إلى أوروبا.

ويشير مراقبون ومعارضون أتراك إلى أنّ أسلوب أردوغان يشبه أسلوب زعماء العصابات وقطّاع الطرق، ويتنافى مع ما يجب أن يكون عليه أسلوب رئيس الدولة من مسؤولية تجاه بلده وجواره، وتجاه الأمن والسلم العالميين.

ومن المعلوم أنه عندما اكتشفت أولى احتياطات الغاز الطبيعي شرق البحر المتوسط، قبالة إسرائيل وقبرص ومصر قبل بضع سنوات، كان هناك أمل وتحذير في الوقت ذاته، حيث رأى المحللون المتفائلون إزاء هذا الكشف أن الرخاء المزعوم يمكن أن يحقق السلام في هذه المنطقة التي لحقت بها الأزمات. أما التحذير فكان أنه من الممكن أن تكون احتياطات النفط والغاز الطبيعي سببا إضافيا لمزيد من الخلاف والأزمات. ويبدو أنّ التحذير يتحوّل إلى أمر واقع مع تأجيج أردوغان الأجواء في المتوسط.

أردوغان يغرق ليبيا بالمرتزقة والجهاديين
أردوغان يغرق ليبيا بالمرتزقة والجهاديين

وقد فرض أردوغان حقائق على الأرض بالفعل حول قبرص، حيث تبحث سفن تركية هناك منذ أشهر عن غاز طبيعي دون الحصول على موافقة قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي. وتحرص تركيا على التأكيد على مرافقة سفن تابعة لسلاح البحرية التركي للسفن التركية التي تقوم بالتنقيب، وذلك على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان قد فرض عقوبات على تركيا لهذا السبب بالفعل في يوليو الماضي.

وهناك عقوبات أخرى يخطط لها الاتحاد الأوروبي ضد تركيا للسبب ذاته مثل تجميد ممتلكات مسؤولين أتراك أو منعهم من دخول دول الاتحاد. في هذه الأثناء تمخض بحث تركيا عن حلفاء، عن توقيع اتفاقية مع الحكومة الليبية في طرابلس، تم في إطارها أيضا ترسيم حدود الجرف القاري بين البلدين، وهو ما تسبب في حالة استنفار في أثينا منذ ذلك الحين، حيث ترى اليونان أن هذه الاتفاقية المثيرة لجدل هائل، تنتهك القانون البحري الدولي.

وبعد ذلك كلّه أعلن أردوغان بالأمس عن توجّه جنود من الجيش التركي إلى ليبيا بشكل تدريجي، وذكر أن "وحدات الجيش التركي بدأت التحرك إلى ليبيا من أجل التنسيق والاستقرار"، وذلك على الرغم من التحذيرات الدولية التي سبقت إقدام أردوغان على هذه الخطوة التي من شأنها إطالة أمد الحرب الليبية.

ويؤكّد الليبيون أنّ المعركة أصبحت معركة دولة ضد دولة، ومعركة شعب وجيش ضد غزو أجنبي، وأنّهم مستمرون فيها، وانّهم سيقضون على أحلام أردوغان باحتلال أراضيهم. وأعلن المشير خليفة حفتر، في كلمة متلفزة الجمعة النفير والجهاد لصدّ أيّ تدخّل عسكري تركي في بلاده. وقال في هذا السياق إنّ "العدوّ يحشد قواته اليوم لغزو ليبيا واستعباد شعبنا من جديد، وقد وجد من الخونة من يوقّع معه اتفاقية الخنوع والذلّ والعار بلا سند شعبي أو دستوري أو أخلاقي لاستباحة أرضنا وسمائنا".

ووافق البرلمان التركي الخميس على مذكّرة قدّمها أردوغان تسمح بإرسال جنود لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، في خطوة تنذر بتصعيد النزاع الدائر في هذا البلد، فيما حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من "أي تدخّل أجنبي" في ليبيا.

وفي نوفمبر، أبرمت حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا في طرابلس اتفاقا مع تركيا للتنقيب عن الغاز الطبيعي في خطوة قالت أنقرة إنها تهدف إلى الدفاع عن حقوقها في المنطقة.

يشار إلى أن البرلمان التركي صدق في الثاني من الشهر الجاري على مذكرة رئاسية بإرسال قوات إلى ليبيا، في خطوة قوبلت بإدانات عربية ودولية.