أحوال تركية
يوليو 05 2019

حزب العدالة والتنمية من النكسات الانتخابية إلى المشاكل الاقتصادية

أحوال ( خاص) – مما لا شك فيه ان المرحلة الحالية التي يمر بها حزب العدالة والتنمية الحاكم هي من اصعب المراحل التي مر بها عبر تاريخه على الاطلاق.

فقد سارت الأمور كما يشتهي الحزب طيلة سنوات عديدة خلت ولم تكن تقلق الحزب الحاكم مسائل تتعلق بالقاعدة الجماهيرية الواسعة وحصاد الأصوات الانتخابية في المدن الرئيسية كما في البلدات والقرى ولم تكن تقلق الحزب اية مشكلات اقتصادية جديدة وكان الأكثر اطمئنانا هو استقرار سعر صرف الليرة.

وخلال قيادة الرئيس رجب طيب اردوغان كانت القناعة انه الزعيم الذي يعد جمهوره بحل جميع المشكلات، فكيف اذا خسر الرئيس هذه الورقة وبدا عاجزا هن حل المشكلات ان لم يكن هو جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل.

كانت انتخابات إسطنبول هي الساحة الأكثر وضوحا في فرز الحقائق وتعثر سياسات الحزب وعدم نجاح الحزب الحاكم في ترويج أفكاره وسياساته التي قوبلت بالرفض ولم يكن ذلك الرفض الا عبر الصناديق.

خسارة رئاسة بلدية إسطنبول على أهميتها الا انها تحمل أيضا قيمة رمزية لا سيما ان الحزب الحاكم حشد كل ما عنده وكان الرئيس اردوغان شخصيا هو الذي يتولى امر الحملات الانتخابية وهو الذ يلتقي التجمعات الجماهيرية واذا كل ذلك يذهب ادراج الرياح.

كانت المسارات العامة تحتاج الى تحليل ومراجعة واقعية وتشخيص للاخطاء وذلك يتطلب جرأة وشجاعة لم تكن متوفرة كثيرا بسبب عدم رغبة الحزب الحاكم سماع الا ما يطربه.

لهذا كانت اطروحات أحمد داود أوغلو، رئيس وزراء تركيا السابق والحليف الوثيق السابق للرئيس رجب طيب أردوغان، استثنائية وموجعة للحزب الحاكم في تشخيص ثنائية  الاقتصاد والانتخابات. داود اوغلو وجه انتقادات شديدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم بعد هزيمة الحزب المؤلمة في انتخابات رئاسة بلدية اسطنبول التي تعتبر على نطاق واسع نذر شؤم لأردوغان على مستوى البلاد.

نجحت المعارضة في الاستفادة من الاخطاء الفادحة التي وقع فيها الحزب الحاكم
نجحت المعارضة في الاستفادة من الاخطاء الفادحة التي وقع فيها الحزب الحاكم

انها ببساطة ظاهرة تراجع مبادئ الحزب الحاكم والتي انعكست عمليا من خلال الانتخابات، ولهذا يقول داود اوغلو أنه ينبغي على الذين تسببوا في "تراجع" مبادئ الحزب أن "يدفعوا الثمن".

ويمضي في تحليله للظاهرة الانتخابية قائلا "عندما نخسر انتخابات أول مرة بفارق 13 ألف صوت وفي المرة الثانية بفارق 800 ألف صوت، فإن المسؤول عن ذلك ليس رئيس الوزراء الذي فاز بفارق كبير في البرلمان (خلال الانتخابات العامة العام الماضي) ولكنهم الذين تسببوا في تراجع كبير للخطاب والإجراءات والقيم والسياسات".

لعل الخلل في المضي في سياسات الحزب بالشكل الذي صممه الرئيس التركي احد اهم أسباب ذلك الخلل ليشكل الاقتصاد وهبوط قيمة الليرة علامة أخرى على المأزق.

كانت الليرة التركية تتصدر عملات اقتصادات الأسواق الناشئة قبل ان تتفشى المخاوف بشأن استقلال البنك المركزي عن الضغط السياسي، وكان من نتيجة ذلك ان خسرت الليرة التركية حوالي 30 في المئة من قيمتها العام الماضي وتراجعت 9 بالمئة منذ بداية العام الحالي.

وبدا أن الناخبين يُحملون حزب العدالة والتنمية الحاكم مسؤولية الركود الاقتصادي الذي أسفر عن انخفاض قيمة الليرة بنسبة 30 في المئة العام الماضي و10 في المئة إضافية هذا العام.

وفي هذا الصدد قال داود أوغلو "نواجه مشكلات اقتصادية مثلما واجهنا في عام 2008. حينئذ كان في القيادة أشخاص على دراية بالاقتصاد وكانت هناك رؤية".

داود اوغلو شخص العديد من الظواهر السلبية التي رافقت مسيرة الحزب الحاكم
داود اوغلو شخص العديد من الظواهر السلبية التي رافقت مسيرة الحزب الحاكم

لا شك ان هذا الانتقاد اللاذع لمن يدير عجلة الاقتصاد انما ينصب على الرئيس اردوغان نفسه وصهره وزير الخزانة بيرات البيرق فهما اللذان يتحملان نتائج القرارات الاقتصادية الخاطئة.

ولهذا يقول داوود اوغلو "أذكر ذلك كما ذكرته سابقا.. يجب فصل العلاقات العائلية عن هيكل الدولة تماما".

وأضاف أوغلو أنه :"يجب ألا تكون هناك قرابة من الدرجة الأولى في التسلسل الهرمي للدولة".

ولعل من الظواهر المهمة أيضا التي يشير اليها موقع ميديا مونيتور هي عدم القدرة على استقطاب نسبة كبيرة من فئة الشباب ممن تراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والثالثة والعشرين، وهي الفئة النشطة انتخابياً التي لم تعرف مرحلة ما قبل العدالة والتنمية ولم تعايش حياة البؤس والفساد الذي كانت تعانيه تركيا في ظل حكومات ائتلافية فاشلة غير مستقرة معظمها فاسد، هذه الفئة بدت تظهر عليها بوادر الرغبة في التغيير وتجربة أحزاب أخرى متأثرة بوسائل التواصل الاجتماعي أكثر من الفئات العمرية الأخرى.

تذكر الباحثة نسرين ناس في أحوال تركية ان الانتخابات جرت في بيئة تآمرت فيها الهويات والأحزاب بعضها على بعض، وتزامن مع ذلك التفكك الجغرافي، وصار كل شخص يسمع صوت رئيس حيّه فحسب.

وتشير الباحثة مثلا الى انتخابات الــ 24 يونيو من العام الماضي حيث  زُعم أن النظام الرئاسي هو الداء لكل دواء، وتم تسويقه على أنه سيرتقي بتركيا حيث رُفع شعار "رئيس قوي يعني مجلسًا قويًا وتركيا قويةً"، لكنه بات من الواضح أن هذا النظام عَقَّد جميع مشاكل تركيا بصورة أكثر بدءًا من الاقتصاد إلى السياسة الخارجية بدلًا من أن يحلها كما ادُّعي، وهو ما زاد من غضب الرأي العام وتفشي مشاعر الإحباط.

هذا الواقع الذي خلفته النظرة الأحادية والموقف الأحادي فالكل صامت حتى ينطق الرئيس وهو الذي بيده الحل والربط والسلطات، كل ذلك كانت له اثاره فيما تم الوصول اليه: نكسات انتخابية ومصاعب اقتصادية.