حزب الشعب الجمهوري ورؤيته لقضية القدس من منظور ديني بحت

 

يمكننا القول إن زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، ورئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه باعتباره المنافس الحقيقي لأردوغان، قد تغلبا على الرئيس التركي وزعيم حزب الحركة القومية، تمل كرم الله أوغلو، في تناولهما قضية القدس من الناحية الدينية في الكلمة التي ألقياها خلال مشاركتهما في اجتماع جماهيري دعا إليه حزب السعادة.
وفي حين وصف الأول ما تشهده فلسطين اليوم بأنه نوع من الحملات الصليبية، وأشار الآخر إلى قدسية القدس باعتبارها أولى القبلتين، لم يشر أي منهما في حديثه إلى الحقوق وانتهاك القانون. لا أعرف ربما أرادا أن يركزا على الطابع الديني للمكان على اعتبار أنه لا يمثل نموذجًا للقضية الكردية، وسأعاود الحديث عن هذه الفكرة في فقرة تالية في هذا المقال.
سأحاول هنا تقييم ما جاء في هذا الاجتماع الجماهيري في ضوء ما ورد في تقييم مؤسسة الأبحاث والتطوير الأميركية المعروفة باسم "مؤسسة راند RAND" (منظمة غير ربحية وخلية تفكير أميركية تعمل على تقديم تحليلات وأبحاث لصالح القوات المسلحة الأميركية)، التي وصفت هذا الحدث بأنه مؤشر لوجود "توتر بين أرغنكون وأردوغان، ومحاولة جديدة للانقلاب عليه". وجاء هذا التقييم بين عشرات من السيناريوهات الأخرى التي ساقتها هذه المؤسسة، مما لا يعني بالضرورة حتمية تحقق هذه السيناريوهات جميعها.
ولكن دعوني أقول، إنه إذا كان هذا السيناريو هو الأقرب للتحقق فعلا، فلا بد أن  أردوغان قد شعر باحتمال تحقق هذا الأمر قبل المسؤولين الأميركيين، وبالتالي فمن الطبيعي أن يتخذ التدابير اللازمة حيال ذلك؛ ومن ثم يصبح سيناريو تخطيطه لتصفية خصومه هو السيناريو التالي الأكثر قابلية للتحقق. ومع ذلك، فإن الانهيار في نظام الدولة هو أيضا حقيقة واقعة أوجدها التراجع الكارثي في الاقتصاد، واتجاه تركيا نحو الانعزال عن العالم الخارجي، والتطور الخطير لسير الأحداث في إدلب الذي أثار بدوره القلق لدى الذين اختزلوا الدولة في شخصهم فقط.
ومع ذلك، فليس من الإنصاف القول، إنه من السهولة بمكان القضاء على زعيم حكم الدولة لمدة 17 عامًا بسط خلالها سيطرته بشكل واسع على جميع مفاصلها؛ من القضاء إلى الأمن، ولا يزال يتمتع إلى الآن بنسبة تأييد شعبي لا تقل عن 40٪. وبِناءً على هذا يمكن القول إن أقصى ما تحاول المعارضة القيام به اليوم لا يتعدى الانتظار حتى يتخلى الشعب عن دعمه لأردوغان، وخلق جبهة مضادة جديدة لها صفات مماثلة.
كان لافتا للنظر أن يتناول الاجتماع الجماهيري، الذي عُقد في إسطنبول، قضية القدس من منظور ديني. والواقع إن جميع الذين يقرأون في تاريخ الأديان يدركون جيدا أن أيا من عيسى أو محمد لم يزعم منذ البداية أنه أتى بدين جديد. أما عن السبب وراء اختيار القدس قبلةً للمسلمين في بادئ الأمر، فهذا مرجعه إلى موقع القدس القريب من اليهود في يثرب، التي كان يقصدها القاصي والداني من أجل الاحتكام في المشاكل والمنازعات التي تنشب بين القبائل، والسبب الثاني هو إضعاف مكة، التي كانت تمثل السوق الإقليمية في تلك الفترة؛ وبالتالي كان من الطبيعي ألا تتحول القبلة من القدس إلى مكة إلا بعد فتح مكة، وقتال اليهود، ومن ثم لم تحظ القدس بأهمية كبيرة لدى المسلمين حتى بداية الحروب الصليبية.
والحقيقة هي أنه ليس فقط المسلمين من يمكنهم التحدث عن القدسية الدينية للقدس عند مناقشة هذا الموضوع من زاوية الحقوق الدينية في المدينة؛ لأن هذه المدينة شهدت مولد الديانتين اليهودية والمسيحية في البداية؛ وبناءً على هذا يجب على اليهود والمسيحيين، انطلاقا من هذا المنظور، أن يسبقوا المسلمين في المطالبة بحقوقهم في هذه المدينة. وحتى إذا نحَّينا هذه النقطة جانبًا، فأعتقد أنه يتعين على حزب الشعب الجمهوري، ذو التوجه العلماني، أن يبتعد قبل غيره جانبًا عند مناقشة قضية القدس من زاوية الدين.
وفي رأيي، إن مشاركة زعيم حزب الشعب الجمهوري في هذا الاجتماع ومخاطبته أوروبا، ومحاولته إظهار نفسه بأنه الوجه المنفتح لتركيا على الغرب، وتشبيهه قرار اتخذه الرئيس الأميركي لأسباب سياسية واقتصادية بالحملات الصليبية، ووضع الحضارة الغربية على قائمة الأعداء، التي تضم أيضا الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ومحاولته حجز مكان لنفسه خلف الأنظمة الإسلامية، لا يتعدى كونه نوعا من النفاق السياسي.
ولكن قد يقول قائل "إن العمل بالسياسة قد يقتضي من الفرد أن يكون إسلاميا أيضا". وفي رأيي، إن هذا القول في حد ذاته هو الأكثر إثارة للخوف؛ لأنه لن يكون بمقدورنا، بناءً على ذلك، أن نتيقن من مصداقية مثل هؤلاء القادة إذا وصلوا يوما إلى السلطة، وإن كنا نعرف يقينًا أن أياً منهم لن يستطيع مجابهة أردوغان أو داود أوغلو في سباق الحديث في أمور تتعلق بالدين.
يواجه الحزب الديمقراطي الأميركي، في الوقت الحالي، أزمات كبيرة. ومع هذا، لا يوجد على الساحة مرشح آخر يمكنه أن يباري ترامب في سباق الأكثر عنصرية وتمييزا وتبشيرًا؛ إذ لا يمكن لأحد أن يخرج عن السياسة التي رسمها ترامب بغض النظر إن كانت هذه السياسة صحيحة أم خاطئة، والجميع ينفذون سياسته في كل مكان.
قد يحرم هذا السلوك مرشحي الحزب الديمقراطي من الفوز بهذه الانتخابات،  ولكنه سيمنع السياسة الأمريكية من التراجع أكثر على الساحة العالمية، وسيتيح الفرصة أمام مناقشة قضايا ربما لم تُطرح من قبل على شاشات التليفزيون أمام الملايين، وطرح تقييمات لها من منظور مختلف. وفي رأيي، إن هذه هي الناحية الأخلاقية الوحيدة في السياسة.
حسنًا، هل يقوم إذن حزب الشعب الجمهوري بذلك من قبيل ما يقتضيه العمل في السياسة؟ لا أعتقد هذا؛ لأن الأحزاب التركية أصبحت لا تمارس السياسة إلا في إطار الخط السياسي الذي  يرسمه لها حزب العدالة والتنمية؛ فإذا دافعت هذه الأحزاب عن القدس من زاوية انتهاك حقوق الإنسان، فسيكون الرد في عبارة واحدة: لماذا لا تطبقون هذا فيما يتعلق بالقضية الكردية لديكم؟
ولكن عندما نختزل قضية القدس في مجرد أحاديث عن الحملات الصليبية، وأن القدس هي أولى القبلتين، فهذا يعني تخلينا عن الحديث عن حقوق الإنسان والقضية الكردية؛ وبذلك لن تُمنح الفرصة، حال حدوث أي تغيير محتمل للنظام الحاكم، لشرائح واسعة كي يقولوا "لقد ذهب حزب العدالة والتنمية المسلم، وجاء فريق آخر من بين الأحزاب المدعومة من قبل الشرائح المعادية للإسلام".
ما أريد قوله هنا هو أنّ الهدف الحقيقي لحزب الشعب الجمهوري هو إخراج القضية الفلسطينية من كونها قضية تعدي على لغة شعب وثقافته وأرضه. لهذا السبب، دأب كليجدار أوغلو، طوال هذا للقاء، على ترديد كلمة المسلم والمسلمين، ولم يذكر كلمة فلسطيني مرةً واحدة...
السيناريو الآخر، الذي لا يقل خطورة عن سابقه، هو محاولة إضفاء الشرعية، في حالة محاولة تصفية أردوغان، على النظام الجديد لزيادة المؤيدين له بالقول "انظروا هؤلاء أيضا مسلمون" لإدراك هذه الأحزاب أنه لا سبيل لأي نظام للبقاء دون أن يكتسب الشرعية.
ولسوء الحظ، فإن الصورة التي نشهدها اليوم لا تُبشر بإمكانية بناء تحالف حقيقي يعمل على إقرار الديمقراطية. وأعتقد أن الاجتماع الجماهيري حول القدس سيكون البداية لأحداث أكثر خطورة كما كان اللقاء الجماهيري، الذي عقده نجم الدين أربكان في قونية بداية الطريق الذي أدى إلى وقوع أحداث 12 سبتمبر... 
ويجب هنا أن أشير إلى جرأة داود أوغلو، الذي كان من بين المشاركين في هذا اللقاء، والذي لا تتعدى نسبة المؤيدين له، وفق ما نشرته بعض استطلاعات الرأي 1%، عندما وجه حديثه إلى حزب الشعوب الديمقراطي، الممُثل بنسبة 13%، واستطاع الفوز أمام حزب العدالة والتنمية في عدد من البلديات، دون أن يُصرِّح باسم أي من سياسييه المعتقلين في السجون، قائلًا "سنقبل الحزب إذا وقف بعيدًا عن الإرهاب". من الواضح أن ذلك كان رسالة قُصِد بها قوى بعينها، ولم تكن إلى الناخب. رسالة مفادها "لا تنسوني!"..
باختصار، ربما يناقشون في اللقاء الجماهيري حول القدس كل شيء، ولكن لن يكون هناك تحالف حقيقي يتحدث عن الديمقراطية، وسبل إقرارها..

 

 
- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/kudus/istanbuldaki-kudus-mitingi-erbakanin-konya-mitingi-kadar-onemlidir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.