حزب الشعوب الديمقراطي الكردي ضعيف ولكنه صانع الملوك

منذ الانتخابات التي دفعت حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد إلى الأضواء بدخوله البرلمان قبل خمس سنوات، عمل حزب العدالة والتنمية الحاكم كل ما في وسعه لتفكيكه وتدميره.

وعلى الرغم من الزج كبار شخصيات حزب الشعوب الديمقراطي في السجن أو إقالتهم من مناصبهم، يعتقد المراقبون أنه لا يزال قادرا على لعب دور رئيسي في مستقبل تركيا السياسي.

حدّد رئيس برنامج الدراسات السياسية الكردية في جامعة وسط فلوريدا بالولايات المتحدة، غونيس مراد تيزكور، ثلاث استراتيجيات رئيسية للقومية الكردية: النضال المسلح، الدبلوماسية والتواصل، والمبادرات السياسية المحلية التي تحتضن القيم الديمقراطية وتتجاوز المجتمع الكردي.

في تركيا، ركّزت أعمال حزب العمال الكردستاني المحظور على الاستراتيجية الأولى، حيث قاد تمردا في جنوب شرق البلاد لأكثر من ثلاثة عقود. وتعتبر تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني جماعة إرهابية.

وتبنّى حزب الشعوب الديمقراطي التركي الاستراتيجية الثالثة (ممزوجة بجزء من الثانية)، إذ دخل البرلمان في يونيو 2015 بفضل حملة احتضنت الوحدة والتنوع. حينها، خسر حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية، ثم استأنفت أنقرة هجومها ضد حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق تركيا بعد أسابيع من ذلك.

في السنوات التي تلت ذلك، تحرك الجيش التركي ضد المسلحين الأكراد في تركيا وسوريا والعراق بقوة، في حين دفعت الدولة حزب الشعوب الديمقراطي إلى حافة التفكك. وأقيل أكثر من 100 عمدة منتخب في جميع أنحاء الشرق والجنوب الشرقي، واعتقل الآلاف من أعضاء الحزب مع العشرات من كبار المسؤولين فيه لتهم تتعلق بالإرهاب.

يقبع الزعيم السابق لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش في السجن منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف. وجاءت أحدث ضربة وجهها حزب العدالة والتنمية الأسبوع الماضي عندما أرسلت محكمة تركية ما يقرب من 70 سياسيا كرديا إلى السجن لصلتهم بحزب العمال الكردستاني.

وقال تيزكور إن حزب الشعوب الديمقراطي عانى ولا يزال معرضا لهجومات لصلاته بحزب العمال الكردستاني. فبمجرد تشكيل حزب العمال الكردستاني في أواخر السبعينيات، أصبحت الحركة الكردية مرتبطة بالعنف واعتبرت تهديدا للمواطنين والدولة في منتصف الثمانينيات.

ومنذ سنة 2013، أعطت عملية السلام حزب الشعوب الديمقراطي مساحة للتواصل مع التقدميين الأتراك والظهور كطرف سلمي ومنفتح وديمقراطي.

وقال الصحافي المقيم في السليمانية ومحلل الشؤون الكردية، بيستون خالد، لأحوال تركية: "لعب حزب الشعوب الديمقراطي دورا هاما في هذه العملية. في ذلك الوقت، فلم يكن أحد يزجّ بأعضائه في السجن، ولم يكون دميرطاش متّهما بالإرهاب".

وعندما استؤنفت الاشتباكات بين الدولة وحزب العمال الكردستاني في يوليو 2015، وجد حزب الشعوب الديمقراطي نفسه في ما وصفه تيزكور بالموقف الصعب. ويرجع ذلك إلى ارتباط العديد من قادة حزب الشعوب الديمقراطي بالمتشددين، ونذكر مثال شقيق صلاح الدين، نور الدين ديميرطاش. ووُجّت الاتهامات إلى العديد من السياسيين الأكراد على مر السنين لمجرد حضورهم جنازة أحد أقربائهم.

وقال تيزكور: "يأتي مقاتلو حزب العمال الكردستاني في الغالب من أشخاص داعمين بنشاط لحزب الشعوب الديمقراطي. لذا، فمن الطبيعي لأعضائه حضور جنازات هؤلاء الأشخاص. أعتقد أن حزب الشعوب الديمقراطي يحمل موقفا مستقلا. لكن الطرفين يبقيان في حزمة واحدة. بمعنى آخر، لا يمكن لحزب الشعوب الديمقراطي أن يفصل نفسه عن حزب العمال الكردستاني تماما".

وأشار بيستون خالد إلى وجود عائلات في جنوب شرق تركيا يتقسم أفرادها بين حزب العمال الكردستاني والجيش التركي. ووفقا لمنطق الدولة، يجب أن يجرّ هذا الجيش التركي نحو تهم الإرهاب. وأكّد أن مقاربته لا تعني أن لحزب الشعوب الديمقراطي صلات عضوية بحزب العمال الكردستاني. لكن آلة الدعاية التركية قوية ممّا مكن الدولة من رسم هذه الصورة واستغلالها لزج السياسيين المؤيدين للأكراد في السجن.

ويرى تيزكور طريقتين قد يتمكن بهما الحزب من كسب دعم أكثر مما كان عليه (أي أكثر من 13 في المئة). وتكمن الأولى في وضع عملية سلام ناجحة يختار فيها حزب العمال الكردستاني إلقاء سلاحه لتنبذ الحركة الكردية في تركيا العنف. وتتطلب الثانية أن تهزم الدولة التركية التمرد وتنجح في القضاء على حزب العمال الكردستاني. فبمجرد هزيمة التمرد، سيُخلق مناخ سياسي يصبح فيه حزب الشعوب الديمقراطي والجوانب الأقل عنفا في السياسة الكردية أكثر هيمنة. لكنه لا يرى أي من الإحتمالين أمرا واقعيا.

على الرغم من أنه لن يختفي في أي وقت قريب، قد يكون حزب العمال الكردستاني اليوم أضعف ما كان عليه منذ عقود، ويرجع ذلك جزئيا إلى محاولة الانقلاب في يوليو 2016، والتي أعطت الدولة ذريعة لقمع المعارضة.

وبعد مرور سنة ، وضعت تركيا نظاما رئاسيا جديدا جعل تشكيل الحكومات الائتلافية أقل احتمالا. فوفقا لتزكور، يكاد يكون من المستحيل أن يصبح سياسي كردي مسؤولا حكوميا كبيرا، مثل تولي وزارة ما، لأن ذلك يتطلّب تشكيل حكومة ائتلافية.

وقال: "كانت هناك فرصة حقيقية لأن يصبح حزب الشعوب الديمقراطي شريكا برلمانيا. لكن الأمر مستحيل في ظل النظام الرئاسي الجديد".

ومع ذلك، فقد رأى جانبا مشرقا خلال الانتخابات المحلية في 2019، عندما دعا تحالف الأمة المعارض، الذي يتكون من حزب الشعب الجمهوري العلماني والحزب الصالح القومي، حزب الشعوب الديمقراطي لحشد الدعم مما حقق انتصارات كبيرة. كما قد يكون هذا نتيجة لخطاب الرئيس التركي الذي يقسّم الناخبين.

قال تيزكور: "يصبح النظام مستقطبا إلى درجة أنه يخلق حوافز أكبر لقوى المعارضة لتجنيد مساعدة الحركة الكردية حتى تتمكن من الحصول على أكثر من 50 في المئة من الأصوات وهزيمة الائتلاف الحاكم. وهذا يُعطي فرصة للحركة الكردية لتصبح صانع الملوك في السياسة التركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/kurdish-movement/down-not-out-turkeys-hdp-kingmaker