حزم الإنقاذ المالي تُثير علامات استفهام في ظل تدخلات أردوغان

أفلس عدد كبير من الشركات التركية التي كانت تعاني من ضغوط مالية، وتقدم عدد آخر من الشركات بطلبات حماية من الإفلاس، بعد إلغاء حالة الطوارئ في البلاد وأزمة العملة التي حدثت في عام 2018.

كانت بعض الشركات قد تلقّت إنقاذاً ماليّاً من الحكومة عبر وسائل غير تقليدية، كان من بينها قروض متجددة قدمتها البنوك الحكومية، أو الرسملة السهمية، أو شراء أصول من تلك الشركات.

بيد أن عدداً كبيراً من حزم الإنقاذ المالي المثيرة للجدل في تركيا أحدث ردود فعل شعبية، وأثار تساؤلات حول ما إذا كان لدى الحكومة إطار عمل شفاف ومتماسك لإنقاذ الشركات غير المالية التي تُعاني من صعوبات مالية.

وزادت المخاوف من أن تكون صناعة القرارات تتم اعتباطياً وعلى أسس سياسية، بسبب حالات الإنقاذ المالي في القطاع غير المالي في الآونة الأخيرة، والتي جرت بمساعدة بنوك تديرها الدولة تحت سيطرة القيادة التركية.

وتُتّهم الحكومة في بعض الأحيان بالنفاق بسبب طريقة توظيفها للأموال العامة وتدخلاتها في قرارات البنوك الحكومية – وكثيراً ما كان الرئيس رجب طيّب أردوغان يشير إلى سوء استغلال البنوك التي تديرها الدولة في الفترة السابقة على الأزمة المالية التي حدثت عام 2001.

وتتنامى تلك المخاوف بفعل انعدام الشفافية بشأن صندوق الثروة السيادي التركي، الذي استحوذ على حصص الحكومة في بنوك حكومية عام 2016. ويرأس الصندوقَ أردوغان، بينما يتولى صهره – وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق – منصب نائب رئيس الصندوق.

وعلى عكس الشركات الأخرى المملوكة للدولة، فإن البنوك الحكومية – ومن بينها بنك زراعات وبنك خلق – حصلت على استقلال تشغيلي ومالي في إطار إصلاحات للقطاع المالي، أُطلقت بعد أزمة عام 2001 بدعم من صندوق النقد الدولي.

وكانت إعادة هيكلة البنوك ركناً رئيساً من أركان برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي، الذي اتبعه أردوغان، والذي دشن فترة مستدامة من النمو الاقتصادي في البلاد، وعزز شعبية الرئيس.

وفي إطار اتفاق صندوق النقد الدولي، كانت الخسائر الناتجة عن برامج تديرها الدولة، مثل الائتمانات المدعومة – والتي تسمى "خسائر الواجب" – تحت السيطرة. وصارت البنوك الحكومية خاضعة للقواعد نفسها التي تخضع لها البنوك الخاصة. لكن تلك البنوك ذاتها تواجه الآن انتقادات متزايدة بسبب خدمتها مصالح أردوغان من خلال تسهيل الإقراض في أوقات الانتخابات، واتخاذ قرارات تحت تأثير سياسي للمساعدة في تعزيز مستويات تأييده، خاصة منذ استحداث صندوق الثروة.

وثار جدل في أوساط الرأي العام في الآونة الأخيرة بسبب حزمة إنقاذ مالي لشركة سميت سراي، التي لديها سلسلة مخابز في 25 بلداً. ألقت حزمة الإنقاذ المالي تلك بظلال من الشك حول استقلال البنوك التي تديرها الدولة. وخطط صندق زراعات لاستثمار رأس المال (جي.إس.واي.أو)، المملوك للدولة والتابع لبنك زراعات، لتحمل ديون الشركة – التي تصل إلى 500 مليون دولار – عبر شراء 51 في المئة من أسهمها. وظهرت تفاصيل الخطة فقط بعد أن قدّم الصندوق طلباً إلى هيئة المنافسة التركية للحصول على موافقتها على الصفقة، التي لفتت انتباه الرأي العام، نظراً لأن مالكي الشركة معروف أنهم تربطهم علاقة وثيقة بأردوغان، ولأن محامياً شريكاً لمحامي أردوغان هو من قام بتسهيل الصفقة.

وبعد انتقادات شعبية، تدخّل أردوغان وأعلن أنه اتصل شخصياً بالرئيس التنفيذي لبنك زراعات من أجل إلغاء الصفقة. وذكّر أيضاً الرأي العام بالصعوبات المالية الشديدة التي وقعت فيها البنوك الحكومية في الماضي بسبب "خسائر الواجب". وبناء على هذا، تم سحب الطلب المقدم إلى الهيئة. غير أن إقرار أردوغان بأنه تدخل في صفقة الاستحواذ تلك، أظهر النفوذ السياسي الكبير والمباشر في مثل هذه الصفقات، التي من المفترض أن تكون قراراتها فنية بحتة تقوم على المصلحة والربح.

وبعد وقت قليل من إلغاء أردوغان صفقة بيع سميت سراي، اشترت مؤسسة جامعة إسطنبول التقنية مدارس دوغا، التي كانت تعاني من ضغوط مالية، والمصنفة ضمن أفضل 500 شركة في تركيا.

وأثار شراء مدارس دوغا علامات تعجب، لأن الإيرادات السنوية للمؤسسة لا تتجاوز 15 مليون ليرة (2.5 مليون دولار) بينما تصل ديون دوغا إلى 1.1 مليار ليرة. وتم تأمين التمويل من خلال بنك وقف، الذي كان في السابق يخضع لسيطرة مثل تلك المؤسسات قبل أن تستحوذ الخزانة عليه. ويوفر القرض خط ائتمان سخي مدته سبع سنوات بفائدة صفر في المئة. وفي تركيا، يكون تعيين رؤساء الجامعات بقرار مباشر من أردوغان، وتخضع المؤسسات الأكاديمية في الوقت الحالي لنفوذ سياسي كبير.

في الوقت ذاته، دفع بنك خلق المملوك للدولة جامعةَ إسطنبول شهير الخاصة – والمرتبطة بأحمد داوود أوغلو، خصم أردوغان السياسي – إلى إشهار إفلاسها، بعد أن طلب سداد قروض حل أجلها. وأعلن مجلس التعليم العالي في تركيا، والذي يعين أردوغان أعضاءه بشكل مباشر، في ديسمبر أنه سيعلّق تصريح عمل جامعة شهير، بسبب الصعوبات المالية التي تعاني منها. جاء القرار في الوقت الذي أعلن فيه داوود أوغلو عن تأسيس حزب سياسي سينافس حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان.

ووافق أردوغان العام الماضي على حزمة إنقاذ مالي أخرى في قطاع البناء لدعم اتحاد (أغا أوغلو-إنتاش-واي.دي.ايه) الذي يضم أعضاءً من أكبر اتحادات الشركات في تركيا ومن الفائزين بالكثير من العقود الحكومية. واستحوذ صندوق الثورة على المباني التي لم تكتمل في مركز إسطنبول المالي الدولي مقابل 1.7 مليار ليرة، وقال إنه سيستثمر أربعة مليارات ليرة إضافية لإكمال المشروع. وذكر غوكسل آشان، مدير المكتب المالي في الرئاسة التركية، أن الدافع وراء صفقة الشراء هو قطع الطريق إلى شراء هذه المباني القيمة أمام المستثمرين الأجانب، عبر الاستفادة من وضع المقاولين الذين يحتاجون إلى سيولة. ويبدو هذا المنطق متناقضاً، حيث أن الهدف الرئيس من مشروع مركز إسطنبول المالي الدولي هو جذب رأس المال الأجنبي، وتحويل إسطنبول إلى مركز مالي إقليمي عبر تدفقات رأس المال الأجنبي.

وقد تكون الاستعدادات جارية في الوقت الحالي لوضع خطة لإنقاذ (أطلس غلوبال)، وهي شركة طيران مملوكة لشقيق وزير الثقافة، واجهت صعوبات مالية بسبب زيادة النفقات، الناتجة عن الانتقال إلى مطار إسطنبول الجديد. وكانت (أطلس غلوبال) أعلنت من قبل تعليق رحلاتها الجوية بصورة مؤقتة.

وفي الوقت الذي تقدم فيه حزم الإنقاذ هذه، بلغت طلبات الحصول على حماية من الإفلاس مستويات مرتفعة. وكانت تركيا قد منعت الشركات من إشهار إفلاسها في إطار فرض حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016. في الوقت ذاته، حثّت السلطات البنوكَ على شطب قروض متعثرة، وتجديد آجال الاستحقاق أو تمديدها. ساعد هذا الكثير من الشركات المتعثرة على الاستمرار في العمل. لكن بعد إلغاء حالة الطوارئ في مارس 2018، تقدمت آلاف الشركات بطلبات لإشهار الإفلاس أو الحماية من الإفلاس.

ولا تستهدف حزم الإنقاذ في تركيا قطاعاً بعينه، كما هو الحال في دول أخرى، ولكن شركات مُفردة تعمل في القطاعات غير المالية المختلفة. وقد تكون الدوافع وراء هذا الإنقاذ غامضة أو مبهمة. فضلاً عن هذا، فإن التكلفة التي تُسدد من جيوب دافعي الضرائب غير معروفة، نظراً لأن الدولة لا تُعلن أي معلومات للرأي العام.

وبشكل عام، فإن حزم الإنقاذ المالي التي تستهدف شركات لا تعمل في القطاع المالي تكون مثيرة للجدل، نظراً لما يدور حولها من خلاف بشأن حجم المخاطر التي قد تنتج عن فشلها في قطاع ما أو في الاقتصاد ككل. والتعلل بالمصلحة القومية كسبب لإنقاذ شركة ما – أو بمعنى آخر حماية الملكية العامة والوظائف – أمر يصعب تبريره أيضاً. وبشكل أساسي، فإن برامج الإنقاذ المالي يجب أن تستهدف المؤسسات المالية بشكل منهجي، بسبب حجم تلك المؤسسات وتشابكها، وأنشطتها العابرة للحدود، والتي تشمل جميع القطاعات.

أيضاً، تنطوي حزم الإنقاذ التي تستهدف شركات لا تعمل في القطاع المالي على قدر أكبر من المخاطر. على سبيل المثال، انتهى برنامج إنقاذ لشركات صناعة السيارات في الولايات المتحدة بخسائر بلغت قيمتها عشرة مليارات دولار. في المقابل، لم تنتج أي خسائر مالية مباشرة عن برنامج إنقاذ مالي للقطاع المالي الأميركي بعد الأزمة المالية العالمية التي حدثت في عام 2008.

وقد تكون إحدى وسائل إنقاذ الشركات غير المالية هي برامج إعادة هيكلة الديون التي ينفذها ما يسمى بنادي بنوك، وهو حل استعانت به تركيا عدة مرات وحقق نجاحاً. وطرحت جمعية البنوك التركية هذا البرنامج في سبتمبر 2019 للشركات الكبرى، التي يتجاوز حجم قروضها 25 مليون ليرة. ومن غير الواضح لماذا لم تستفد الشركات المثقلة بالديون، والتي قدمت لها الحكومة إنقاذاً في الأونة الأخيرة، من فرصة هذا البرنامج وآثرت التوجه إلى البنوك الحكومية وصندوق الثروة للحصول على إنقاذ مالي. قد يكون أحد الأسباب هو تدهور الهيكل المالي إلى حد لا يمكن إصلاحه، وهو ما يجعل حزم الإنقاذ هذه غير أخلاقية بكل تأكيد.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/turkey-financial-bailouts-raise-eyebrows-erdogan-muscles
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.